المثقَّف العربي والمتغيِّرات / د.علي عقلة عرسان / دراسة / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1995

من أجل جبهة موحدة للمثقفين العرب

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

شلال الشكوى الذي يتدفق ليل نهار في أنسجة النفوس والبنى الاجتماعية،وتفجره المعاناة وتمده بينابيع لا تنفذ، ويستمر في حركة اجترار دائرية سقيمة؛ ذلك الشلال ينخر العزم والقيم والإرادة ويُدخل المرء والمجتمع في دوامة كئيبة ومقيتة، لن تسفر إلا عن مزيد من الأسى والبؤس والتآكل، ولن ينجح هذا الوضع المستفحل واقعياً وعملياً إلا في امتصاص طاقة الاعتراض على كل ما هو مرضي وفاسد وظالم وهدام، وامتصاص الرفض الإيجابي له، وتحويل تلك الطاقة إلى مجرد رغوة ورغاء يصم الفضاء ويضاعف الخواء بدلاً من تكثيف ذلك الغضب الإنساني الساطع النبيل في فعل تغييري بناء يطهر النفس والمناخ وينير بالبصيرة طرقاً ويشق بالإرادة الواعية تلك الطرق، وصولا إلى تحقيق الأهداف القومية والاجتماعية والإنسانية بوسائل نظيفة.‏

ولأننا في اللحظة الحرجة من صراعنا في الوجود من أجل أن نكون ويكون لنا حضور فاعل ومحترم وقادر في كل مجال من مجالات العمل والحياة والصراع التي نخوضها؛ ولأننا نواجه في هذا الزمن العربي الصعب الرديء تحديات تصل إلى حد إجراء تصفية مذلة لحقوقنا وقضايانا وتشكل تهديداً لهويتنا الثقافية وعقيدتنا وحضورنا الحيوي كله؛ فلا بد من أن نواجه ما يرتبه ذلك كله علينا أو أن نركن ببساطة ووضوح للتبعية والإمحاء، ونستسلم لمن يريد أن يفرض ذلك علينا، ونستمر في حالة القطعانية التي نعيشها محرومين من حقوق كثيرة، ومن مميزات تجعل الإنسان مكرَّماً في الحياة ومتمايزاً من دابة الأرض والسائمة المنتشرة فيها .‏

ولأن المثقفين يتحملون مسؤولية حيال الواقع الاجتماعي وحيال ما يهدّد الثقافة والشخصية والهوية وما يقيم المثاقفة على قدم وساق، ويجعل للأمة حضوراً إيجابياً كريماً على كل مستوى وصعيد، ابتداء من مجالات العلم والثقافة وانتهاء بالسلوك الحضاري واستشعار السعادة الإنسانية وكل ما يوافرها للأفراد والأمم، في ظل أوطان سيدة مستقلة حرة متقدمة.‏

ولأنهم مؤهلون بحكم الواقع والاختيار ودرجة الوعي، وبحكم الزعم والادعاء ( بالمفهوم الإيجابي لهما ) أنهم الطليعة والرائد والمنقذ الذي يؤسس لبناء متين على أرضية سليمة بمسؤولية وشرف.‏

ولأنهم في كثير من الحالات أساس الاختلاف والاتفاق، ومن ينمي الاختلاف أو الوفاق ضمن شرائح المجتمع وفي تيارات السياسة داخل أقطار الوطن أو فيه كله. ولأنهم، بشكل أو بأخر، هم الآخر جنة كان الآخر أم جحيماً ولا حياة نوعياً إلا معهم وبهم.‏

لهذا أجدني منشدّاً إلى رؤية تعظم أهمية دورهم في الخلاص مما نحن فيه، وفي التوجه نحو البناء ننشده، وإقامة الأرض المشتركة التي ينمو فيها الممكن بقوة؛ إذا ما اجتمعت كلمتهم على أرضية ذلك المشترك في إطار من الثقة والاحترام وعلى أساس من الوعي بأن المشكلات تكبر وسوف تطحن الجميع وأَنه لا يوجد خلاص حتى لذلك الذي يتفرج من بعيد على من تطحنهم رحى الأحداث الآن. ولهذا أجدني مسوقاً لإطلاق دعوة للسير في طريق إقامة جبهة موحدة للمثقفين العرب تفرض استقلاليتها عن كل تبعية للخلافية السياسية العربية المريضة والقطرية الضيقة والطائفية - المذهبية المقيتة، وتفرض احترامها وهيبتها ومصداقيتها في ساحة القرار السياسي العربي وفي الساحة الجماهيرية، وتضغط باتجاه فرض ما تقتضيه المصلحة القومية العليا ومتطلبات مواجهة تحديات العصر والقوى الفاعلة فيه والمهيمنة عليه، وتستشرف المستقبل وتخلص في العمل من أجل حضور مشرف للأمة فيه، وتجلو صورته وتعد العدة وتستعد للدخول المقتدر في مجالاته كلها. ذلك لأنني لاحظت وألاحظ بأسى وأسف شديدين، أن كثيراً من جهود المثقفين العرب كانت تتصادم وتتعادم ويفني بعضها بعضاَ بكراهية، وتتحول إلى كرة سلبية سوداء تكبر وتنشر السواد في الفضاء والغصة في الحلق، وتضاعف من كآبة المشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي والنضالي، وتشوه كل رؤية للخلاص باعتمادها مبدأ تشويه الآخر والتشكيك برؤيته وقدرته وسلامة توجهه، وتسفِّه رأيه وتنتقص من قيمته، لأنه الآخر الذي يخالف الأنا وينتصب وجوداً متماسكاً حيالها؛وتعمل على تخريب مشروع الآخر بدلاً من إغنائه، لأنه ببساطة ليس مشروعها، لا لعدم صلاحه أو لنقص فيه بمقياس المنطق والمصلحة.‏

ولأن تلك الجهود في أغلب الأحيان كانت أسيرة تخطيط وتدبير انتقاميين كيديين، ينطلقان من الشك بالآخر والحكم السلبي المسبق عليه، وتجاهل حقيقة أنه الشريك في تلك المؤسسة الاجتماعية الكبرى التي تجمع الطرفين تحت سقف الوطن والمصلحة الواحدة والمصير المشترك!! فقد كانت تلك الجهود تضمحل وتتلاشى عند عتبة كل إرادة سياسية في كل قطر، وتوظف أحياناً لتشويه مشروع سياسي أو قومي أو حضاري، وتستخدم لتشويه صورة سياسة أو سياسي أو لتجميل ذلك المشروع أو تلك الصورة لاعتبارات مصلحية ونفعية وتنظيمية وكيدية، أو نزولاً عند متطلبات المناخ الثقافي الذي فرضته السياسة العربية واستسلاماً لذلك المناخ، الذي فتح فيه سوق الكلام وسوق المواقف. هذا فضلاً عما فرضته الأيديولوجيا الضيقة الأفق، ذات الحكم المسبق على الأشخاص والاتجاهات الفكرية وعلى الآخرين الذين لا يدينون بها أو لها؛ فضلاً عما فرضته من مواقف ومناخ وأسلوب تفاعل وتعامل وسلوك يطغى عليه التشنج والاتهام والشك، الأمر الذي أخلّ كثيراً بمناخ المثاقفة داخلياً وأثّر سلبياً على جدوى الحوار ومردوده، وجعل الأطراف المختلفة تتمترس في مواقعها وتتراشق الكلام دونما توقف عند مصلحة أو منطق أو قيمة أو اعتبار أو معيار.‏

وقد خلق كل ذلك فساداً في صورة الشخص عن الآخر وفي حكمه عليه، كما خلق فوضى وفساداً أيضاً في التراتبية الثقافية والفكرية والإبداعية والأدبية جراء ما حققته "الميليشيات " الثقافية من " إنجازات " خاصة، كانت بمجملها عبئاً على الأدب والإبداع والثقافة والسياسة والأيديولوجيا، وعبئاً على المجتمع العربي ككل؛ لأنها كبَّلت الجميع بتراتبيات ومفاهيم واعتبارت مريضة ومشكوك بسلامتها لا سيما بالنسبــة للأشخــاص والنصوص والمواقف والتيارات والاعتقادات.‏

وإذا كان لا بدّّ من جهد نقدي - تقويمي كبير يقوم على أسس معرفية وخلقية وفنية وموضوعية، وعلى انتماء متين وواضح إلى الحقيقة في جلالها وجمالها وإلى الثقافة في سيرورتها وصيرورتها؛ من خلال حملهــا لهــويتها باعتزاز والمساهمة في تعزيز مكانتها بفاعلية واقتدار؛كما يقوم ذلك الجهد على ثوابت الانتماء الصريح للوطن في واقعه وللأمة العربية عبر تاريخها، فإن ذلك يحتاج إلى مراجعة للذات وإرساء لقيم وثوابت ومعايير تقويم وتقدير موضوعية مشتركة، ينضجها الحوار وتنميها الثقة وتختبرها الممارسة؛كما يحتاج إلى جهد واجتهاد وزمن، وإلى تغيير جذري في مقومات العمل والتعامل والحكم والاحتكام يبدأ من نظرة الإنسان لذاته وينتهي بنظرته للآخر، على امتداد الدوائر واتساعها وصولا إلى الإنساني المطلق والكوني الشامل.‏

ولكي يتم ذلك لا بدَّ من تعزيز مناخ ثقافي خصب معافى، سليم القيم والمقومات والمعايير والمستويات، يكون عامراً بالأمن من جوع وخوف وقادر على إخصاب طاقة العطاء والإبداع. ولن يكون ذلك إلاّ بالسير ثقافياً وسياسياً على طريق أحدِّد معالم مسارها بالقول :‏

" إنها مسيرة المثقفين العرب من الشك إلى الثقة " وهي هنا مسيرة داخل البيت العربي ثقافياً أولاً وسياسياً واجتماعيا ثانياً، وخطواتها الأولى كما مرحلتها الأولى تبدأ ثقافياً وتنطلق بجهد كل معني قادر ومهتم ذي تأثير كما أرى.‏

أجدني مسوقاً من أجل هذه المسيرة وتحقيقاً لأهدافها وسلامة انطلاقتها - أجدني مسوقاً بحماسة قد لا أندم عليها إلى دعوة المثقفين العرب إلى تجسيد الأرض المشتركة التي تجمعهم " أرض الثقافة العربية - الإسلامية واللغة العربية، والقيم..إلخ " في ميثاق شرف، يحكم أداءه الشرف والاختيار الحر الصادق؛ ميثاق يوحدهم ويجمع طاقتهم حول ثوابت مبدئية وخلقية وقومية نضالية يعززونها جميعاً، بصرف النظر عن اختلافاتهم وخلافاتهم واهتماماتهم ورؤاهم وانتماء اتهم القطرية، ويوحدون دون كلمتهم ومواقفهم ليفرضوا، انطلاقا من ذلك، احترام الثقافة وهيبتها ودورها ومصداقيتها وحضورها على صعد العمل والأمل بالنسبة للأمة وفي جميع المجالات، لا سيما في مجال صنع القرار السياسي العربي، وليحموا وجودهم الفردي وحريتهم وحقوقهم ومناخ عملهم، وليقيموا أسس البناء الذي ينشدون إقامته بسلامة ومتانة. واتفاقهم هذا حول تلك الثوابت لا يلغي التعددية المطلوبة بل يحميها ويستفيد من غناها، ولا يلغي الاختلافات النوعية في ما بينهم بل يقوم على التمسك بضرورة وجودها، لأنها تعزز التمايز وتخصب الثقافة وتقيم الحوار وتؤدي إلى الغنى، ولا يلغي ذلك الاتفاق اجتهادهم واختلاف رؤية كل منهم للأمور بل إنه يخلق البيئة السليمة التي ينمو فيها الاجتهاد وتتضح فيها الرؤية وتسمو، خارج حدود القمع والقلق والخوف وبعيداً عن المعوقات والرقابات التي تنشأ في أعماق الذات.‏

ويكون ذلك بتوافر مقومات الحرية والأمان والاطمئنان، ومجال المشاركة المجدية الملموسة المردود والتأثير في كل مجال. على أن يحمي كل مثقف ظهر الآخر في نضاله من أجل تلك القيم والمقومات والأهداف ولا يسلمه ولا يظلمه أو يخلي ظهره في مواجهة من مواجهات تلك الجبهة، مهما كان الخلاف بين المثقفين، لتقوم في تلك الجبهة قدوة وتستعيد الأنموذج، ولتقوم لها هيبة وسلطة أدبية، وليتوافر مناخ الحوار والحرية والممارسة الديمقراطية والاحترام، ذلك المناخ المنخور عربياً والذي من دون توافر ه لا يتحقق بناء سليم.‏

والمقومات الرئيسة أو النقاط المهمة التي تشكل أرضية الموقف المشترك هي ما يشكل ميثاق شرف للمثقفين العرب، نثبت فيما يلي نصه:‏

ميثاق للمثقفين العرب :‏

[[ نحن المثقفين العرب، الموقعين على هذا الميثاق، استشعارا منا للمسؤولية التاريخية حيال الأمة العربية وقضاياها وأجيالها، وللدور الذي ينبغي أن نقوم به، عربيا، وعالمياً، بمواجهة التحديات التي يفرضها علينا العصر، والاستقطاب الدولي الوحيد الطرف، والتقدم العلمي والتقني، والإستراتيجية الصهيونية ـ الإمبريالية القائمة على القوة والقهر ومحو الآخر أو فرض التبعية عليه، نعلن وقوفنا بقوة وحزم، موحدين متماسكين، حول الثوابت المبدئية والتوجهات النضالية التالية:‏

1 ـ الصراع العربي الصهيوني، صراع وجود مع وجود، ولم يكن يوما ولن يكون أبداً نزاعاً على حدود، بين العرب والكيان الصهيوني الدخيل المفروض عليهم؛ ويتحدد موقف المثقفين من السياسات والتيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية في ضوء موقفها من ذلك الصراع ونظرتها إليه، وينسحب هذا الرأي والموقف على كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني وكيانه في فلسطين المحتلة، وعلى دعاة التطبيع ورموزه وممارسيه والمروجين له.‏

2 ـ الحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين، تلك التي لا تنفصل عنها حرية التعبير ولا تقوم إلاّ باحترامها، وكذلك الممارسة الديمقراطية السليمة في حدود وعي نوعي بخصوصية الواقع والبيئة والمجتمع والمرحلة التاريخية والاجتماعية للأمة العربية، كلها قضايا رئيسة نُجْمِعُ على التمسك بها والدفاع عنها، والتعامل بمسؤولية وإدراك شديدين معها، ونعلن احترامنا للتعدد في إطار الوحدة الثقافية القومية للأمة، واحترامنا لحق الاختلاف كحق طبيعي لجميع المواطنين على أرضية احترام الأنا من دون تضخيم، واحترام الآخر من دون تقزيم، والاعتراف المتبادل بينهما، على أرضية الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء والمواطنة والمسؤولية وصنع القرار وصوغ صورة المستقبل والتماسه؛ وتقرير المصير المشترك للوطن والأمة والدفاع عنهما.‏

3 ـ الثقافة العربية ـ الإسلامية، بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها وتراثها وموروثها، وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم متنوعة عبر التاريخ، وما لها من فرادة وأصالة وتميز وما فيها من أصول، وما تعنيه وتستثيره في النفوس من قيم ومشاعر، هي بمجملها حدود وطننا الذي نتجذر في أرضه، ونحافظ فيه على هويتنا، وننمي فيه، بوعي معرفي عصري، خصوصيتنا، ونمارس انطلاقا من ذلك مثاقفة مع الآخر باعتزاز وثقة وانفتاح، رافضين كل قطرية وإقليمية وطائفية تقزمنا أو تقسمنا أو تشوه نظرتنا ومواقفنا؛ وكلّ قوقعة وفهم مشوهين أو محكومين بموقف مسبق من تراثنا وانطلاقتنا الحضارية، ولا نضع في هذا المجال العروبة في مقابل الإسلام أو الإسلام مقابل العروبة، فهما يتكاملان ولا ينفصلان، وننظر إلى كل تنازع في هذا الاتجاه على أنه تنازع ضارّ ومفتعل ومدمر ويخدم مخططات تعادي أمتنا وثقافتنا، ويرمي إلى فرض التبعية والضعف علينا.‏

ولا يعني التركيز على الثقافة العربية ـ الإسلامية، عدم الاعتراف بقيمة الجذر الثقافي العربي قبل الإسلام وأهمية ذلك الجذر، الذي يمتد عميقاً ويؤسس للمعرفة البشرية، ولا التغاضي عن إمكانية حضوره والتواصل معه على نحو ما، كما لا يعني التقليل من أهمية الإضافات التي قدمها ويقدمها العرب من معتنقي الرسالات السماوية الأخرى، فكل ذلك إرث ثقافي عربي نعتزّ به ونتواصل معه وننميّه، ونستشعر حضوره عندما نذكر الثقافة العربية الإسلامية.‏

4 ـ نحن مع المثاقفة التي تقوم على أساس من الثقة والاقتدار، بأوسع صيغها وأعمق تلك الصيغ وأشملها، ولا نرى في القوقعة أي خير كما لا نرى خيراً في تبعية من أي نوع، لا سيما التبعية الثقافية، ولذا فإننا نرفض سياسات الانغلاق كما نرفض أشكال الإلحاق والغزو والمحو الثقافي، ونتصدى لها، وندعو إلى وضع الخطط والإمكانات اللازمة لذلك، بدءاً من تحصين الوعي المعرفي الذاتي وتعزيز الأمن الثقافي القومي على جميع المستويات.‏

كما نرفض / عربياً / تبعية الثقافة للسياسة، وكل صيغ الإلحاق وصوره في هذا المجال، ونعترف في الوقت ذاته بأهمية تواصل الثقافة والسياسة وبضرورة ذلك التفاعل والتواصل، وبمسؤولية كل من الثقافة والسياسة عن الوعي والمصير الفردي والجمعي، الوطني والقومي، وبمسؤوليتهما أيضاً عن مستوى الحضور الحيوي للأمة وتقدمها الحضاري، ومقدار استشعار أفرادها للسعادة والكرامة.‏

ونؤكد أهمية احترام العلاقة السليمة بين السياسي والثقافي، ومدى تحول الثقافي ـ لا سيما عربياً والآن ـ إلى تابع للخلافية السياسية العربية القطرية، حيث تتفاقم مخاطر الصيغة التجزيئية التعويقية الراهنة عربياً على الحاضر والمستقبل والمصير العربي كله، جراء ظهور القطرية وحضورها كصيغة اعتراضية على القومية، معوقة لها بل نافية لتاثيرها ولضرورتها.‏

5 ـ نؤمن بأن الخلاص، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يكون قومياً أو لا يكون. وأن جهودنا سوف تنصب على إعلاء شأن أي فعل أو قرار عربي يأخذ ذلك بعين الاعتبار ويعمل من أجله. وأن حكمنا على أي توجه في هذا المجال يتم على ضوء انسجام ذلك التوجه مع المصلحة العربية العليا، التي تعلو، معيارياً وعملياً وخلقياً، على المصلحة القطرية الضيقة، من دون أن تنفيها كلياً.‏

6 ـ نؤمن بأن تقدم المجتمع العربي منوط بتقدم البُنَى الفردية والاجتماعية والمدنية فيه، تربوياً وتعليمياً وعلمياً، وأن بناء الفرد والمؤسسات بناء سليماً ـ علمياً ـ متوازناً، يتيح فرصاً أكثر للخروج من حالة الإحباط والضياع، وانتهاك الحقوق والحريات، وضمور القيمة الخلقية والشعور بالمسؤولية وعدم احترام الفرد والقانون والمصلحة العامة والآخر الشريك، التي نعاني منها.‏

ولذلك فإننا نرى في الطغيانية ـ "الدكتاتورية" ـ حالة سياسية متخلفة لا تتلاءم مع القيم العربية والتعاليم الإسلامية، ولا تتفق مع روح العصر وتطلعات العرب للمستقبل، وتشكل أهم معوّق من معوّقات التقدّم الاجتماعي والعلمي والروحي والاقتصادي في الوطن العربي. ولذا فإننا نعلن وقوفنا ضد "الديكتاتورية" وأشكال الحكم الاستبدادي أينما وجدت، وندعو إلى العمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية عربية تقوم على المساواة والعدالة وتكرسهما، وتستند إلى أوسع مشاركة جماهيرية في صنع القرار السياسي واتخاذه، والإشراف على تنفيذه والمحاسبة على ذلك التنفيذ، وعلى أساس مساهمة الأفراد بموضوعية وحرية وفعالية: روحية وقومية واجتماعية في ممارسة حقوقهم المدنية وأداء واجباتهم كمواطنين متساوين تماماً، بما لا يعطل الشرائع والتشريعات، وبما يحقق سيادة القانون، وسلامة الوطن، وإيجابية المواطن، وصحة مناخ العيش والإنتاج والإبداع، وبما يحد من انهيار القيم وانتشار الفساد في العلاقات الاجتماعية والأوضاع العامة، متحاشين العنف ما أمكن ذلك.‏

إن المثقفين العرب إذ يتمسكون بهذه الثوابت التي تشكل المشترك العتيد الأولى بالرعاية والاعتبار فيما بينهم، يؤكدون عزمهم على تعزيز مكانة الثقافة ودورها، وتحرير ساحتها وتحصين استقلالها ورؤيتها وإرادتها، خدمة للأمة وخدمة للثقافة، وحرصاً على مناخ ثقافي قومي واجتماعي سليم، تنمو فيه القيمة في ظل الفعل المنقذ، وينمو فيه الشعور بالمسؤولية على أرضية الانتماء القومي والإنساني وفي ظلال الحرية والتكافؤ، كما يؤكدون عزمهم على وضع نقاط الاتفاق تلك فوق كل خلاف فيما بينهم والنظر إليها كثوابت مبدئية ـ قيمية ـ قومية ـ نضالية، وجعلها أساساً لمعيار يحكم مواقفهم وتعاملهم، ويحتكم إليه في تقويم الأفعال والسياسات والمواقف والتوجهات والأشخاص. ]]‏

***

لقد قدمت نص هذا الميثاق إلى المؤتمر العام الثامن عشر للأدباء والكتاب العرب الذي عقد في عمان 12 ـ 19 /كانون الثاني ـ ديسمبر / 1992 وأقره المؤتمر بجلسته الثالثة، في الساعة السابعة عشرة وخمس وأربعين دقيقة من يوم / 15 / 12 / 1992 من دون تغيير كلمة واحدة فيه بإجماع الأصوات، وأصبح معتمداً منذ ذلك التاريخ؛ وتضمنته كلمتي إلى المؤتمر العام التي اعتمدت بوصفها وثيقة من وثائق المؤتمر المذكور؛ وأثبت هنا نصها في الحاشية الآتية التي قد تبدو طويلة نسبياً.*

(* ) ينعقد مؤتمرنا هذا ونحن على أبواب العام السادس من عمر انتفاضة أهلنا المباركة في فلسطين المحتلة. ويأتيه الهواء مضمخاً بدمائهم مشبعاً بمعاناتهم؛ ولا تكاد الأمة ونحن من شرائحها، أن تفعل شيئاً لهم اللهم سوى نبرة الاحتجاج والصراخ التي أخذت تتخافت مع مرور الزمن ومع زحف الذل والمتربة والاحتلال الغربي، ذاك الذي أخذ البعض منا يرحب به ويسوغه ويسوقه، وأخذ البعض، الآخر يرفضه ويستغرب افتراسه لساحة عربية بعد أخرى، في ظل صمت عربي أو تواطؤ أو تخاذل، أو عجز حتى عن إنقاذ أخ لنا في العروبة والإسلام من الجوع والخوف والموت، الذي يأتيه حتى من أخيه ومن جاره وذويه.‏

وإذا أضفنا إلى الفتن والمآسي وأشكال الحصار والاستلاب المفروضة على بعض أقطارنا وعلى شرائح من شعبنا، لا سيما شعبنا في العراق وفي الجماهيرية، والممارسات التي يتعرض لها المواطن العربي داخل وطنه من أنظمته، تلك التي تتنامى وتزداد سوءاً في ظل فقدان الثقة والحد الأدنى من التضامن العربي، أقول إذا أضفنا إلى ذلك ما نعيشه من تخلف وفساد، وما يتعرض له إخوة لنا في العقيدة والإنسانية في البوسنة والهرسك وفي الهند وفي مناطق العالم المختلفة من ظلم وقتل وبؤس، وتلمسنا رداً عربياً نافعاً وشافياً على ذلك الظلم والقهر والفاقة والقتل، لما وجدنا ما يشفي أو ما يشرِّف.‏

إن ساحتنا الثقافية، التي هي في النهاية مُعْتَصَمنا ومنطلقنا للعمل البناء المنقذ، ساحة مخترقة بدعاة التطبيع مع العدو الصهيوني، ومخترقة بمن اعتادوا على أن يستفيدوا من الخلافية السياسية العربية ويروجوا لها ويصنعوا بطولات وهمية على أرضيتها وفي ظلالها، ومخترقة بالذين يعيشون حالة مستعصية من تبعية الثقافة للسياسة ومن الارتماء في أحضان الخلافية السياسية القطرية، سواء تلك التي تنمو بين الأنظمة أو بين الحكام، ومخترقة ساحتنا الثقافية أيضاً بمن أدمنوا العيش.....في حالة ازدواجية الوجه والقناع، ممن يصنعون الطغيانية وينمُّون حالات الاستبداد ويزيِّنون وجهاً أو سياسة، حسب الهوى والمصلحة والانتماء الضيق، بأشكال مختلفة، ويعارضون استبداداً و طغيانية بأشكال أخرى منها، ويفتحون سوق الكلام العربي على مصراعيه ويباركون من يفتحه لهم، ويُقبلون عليه.‏

وقد انعكس كل ذلك سلبياً على مصداقية الكلمة ودورها، وأزرى بها وبمكانتها وبأهلها، كما انعكس سلبياً على فعالية الثقافة وهيبتها في المجتمع، وعلى منزلتها وحضورها في ساحة صنع القرار السياسي العربي بقوة ونزاهة واحترام وخُلُوص متسام ومترفع للقضايا القيمية والقومية والمصيرية.‏

إن حالات التمزق والشرذمة والتبعية للخلافية السياسية العربية من قبل شرائح عديدة من المثقفين، في المستويين الفردي والتنظيمي، سرقت من تحت أرجلنا جميعاً الأرض المشتركة التي يستقر عليها الإبداع ويتفتح فيها، الأرض التي ينغرس فيها المثقفون ويناضلون ويبدعون ويصنعون التاريخ الثقافي والمعيار الأخلاقي لأمتهم فوقها، وهي التي تكوِّن الركن الأقوى من أركان وحدة الأمة، كما سرقت من تحت أرجلنا الأمان والاطمئنان والأمن من جوع وخوف، فغدا مناخ الإبداع مهدداً ومناخ الحرية مهدداً ومناخ العمل العربي المشترك، لا سيما في المجال الثقافي، مهدداً هو الآخر.‏

وبعد أن كنا نؤمن بأن أرضنا المشتركة هي الثقافة العربية، وبأن حدود وطننا الذي نعترف به وننتمي إليه هي حدود انتشار اللغة العربية وليست على الإطلاق حدود السياسيين العرب الجغرافية المصطنعة، التي ورثوها عن الاستعمار وأصبحوا حماة لها وسدنة، يدافعون عنها باستماتة، ويذهبون في ذلك إلى حدود إعادة الاستعمار إلى أوطانهم، وإلحاقهم وأمتهم تبعاً وأذناباً للقوة الغاشمة المتغطرسة التي تستغلهم وتسحقهم وتستعبدهم؛ أقول بعد أن كان تطلعنا للوطن وللوحدة هو ذاك أصبحنا نعمل في ظل قطرية ضيقة سقيمة تشكل المعنى الكلي للوطنية، وتقوم، بقوة وشدة، حالة اعتراضية على القومية والعمل العربي المشترك، وعلى كل أشكال التضامن والتعاون، وضد الأحلام والتطلعات القومية الوحدوية المشروعة ذاتها، حتى أدخلتها في دائرة المستحيلات لتغدو المستحيلات أربعة: الغول والعنقاء والخل الوفي والوحدة العربية؛ وهو الإنجاز... الفتح لعرب هذا العصر، يُدخلهم في تاريخ أمتهم من باب عريض للخذلان، وتحت لافتة عريضة مزدهية بذلك الفعل، وياله من فعل وياله من ازدهاء؟!‏

إننا بحاجة إلى تأمُّل عميق في أوضاعنا، وتفحُّص دقيق لأوجاعنا، وتلمس حريص لدوائنا من أدوائنا، إننا بحاجة لمراجعة للذات، انطلاقا من مسؤوليتنا التاريخية حيال أمتنا وقضاياها،‏

وحيال ثقافتنا العربية ومشكلاتها ودورها القومي والحضاري والإنساني، وتأثيرها في أجيالنا، وقدراتها على المثاقفة بثقة واقتدار، وفعاليتها في وقف الانهيارات الاجتماعية والخُلُقية التي يسببها الفساد والتآكل والتواكل في مجتمعنا، والحرب المفتوحة عليه في هذه الجبهة.‏

ونحن بحاجة إلى أن نلتمس الحد الأدنى المشترك من الثوابت المبدئية والخُلُقية فيما بيننا ونتلمَّسه ونقبض عليه بقوة، بعد أن لاحت فرصة ملائمة لإعادة ترتيب البيت الثقافي العربي، ليتمكن أهله من إدراك عمق المأساة، والوعي بكيفية الخروج منها والتصدي لعواملها؛ لا سيما بعد أن أصبحنا على أبواب اعتراف بالعدو الصهيوني الذي يسرق أرضنا ويقتل شعبنا ويغتصب حقوقنا ويُزري بنا بين الأمم والدول، ويريد أن يكون سيد منطقتنا وموجه إرادتنا والقـيِّم على أمتنا، ونحن نغوص في أوحال ومستنقعات، ونخوض معه الجولة الثامنة من جولات مؤتمر السلام أو الاستسلام الذي بدأ في مدريد.‏

إننا نرفض باسم الثقافة العربية والمثقفين العرب المؤتمنين على تاريخ أمتهم وحق أجيالهم في البقاء بكرامة، وباسم حق الأمة العربية في أن يبقى الباب مفتوحا أمامها لاستعادة أرضها وحقوقها، إننا نرفض أي شكل من أشكال الاعتراف "بإسرائيل".‏

ونرفض أن يُصادَر حق أجيالنا في العمل من أجل الحرية والتحرير، وأن تُوصد عليها أبواب الذل.‏

إن الأمم لا تكتب وثائق استسلامها بدماء شهدائها، ونحن أمة حية ترفض أن تكتب وثائق اعتراف بحق عدوها في سحقها واغتصاب حقوقها، وحقه في أن يوجَد بقوة القهر على أرضها؛ ونحن أمة ترفض أن تكتب وثائق استسلامها بدم شهدائها، كما ترفض أي شكل من أشكال التطبيع مع العدو. وهذه ثقافتنا، قلعتنا الأخيرة للدفاع عن الأمة ومعتَصَمنا الأقوى، ترفض التطبيع وستقاومه.‏

إن السياسة فن الممكن.. نعم.. وإذا كان الساسة العرب قد وصلوا بنا وأوصلونا إلى هذا "الممكن" غير المشرِّف في هذا الظرف الدولي القاسي، فلهم أن يسلكوا طريقهم ولكن عليهم أن يتركونا نسلك طريقنا التي تتجه إلى المستقبل بأمل وإلى الآتين من أصلاب الآباء وبطولات الأمهات بكرامة، أولئك الذين من حقهم أن يرفضوا الذل وأن يتحرروا من كل القيود والوثائق المذلة، وأن يكون لديهم من الوعي والمعرفة ما يمكِّنهم من الإجابة الملائمة على أسئلة عصرهم.‏

إن هناك إمكانية ملموسة الآن لمراجعة الذات لدى التيارات الفكرية والسياسية والتنظيمية الموجودة في الوطن العربي، فلنستفد من هذه الإمكانية ولنغتنم هذه الفرصة التي أراها سانحة.‏

وسواء تم ذلك اقتناعاً من كل منها، أم قسراً تحت وطأة الظروف، أو استسلاماً لما فرضته المتغيرات العربية والدولية، ونشوء دولة القطب الوحيد الطرف ـ المتعجرف المتسلط النهم لدم الآخرين وأموالهم ـ وانتهاء الحرب الباردة لصالحه، وتغير أسلحة المواجهة ونوع المواجهات وأساليبها وأدواتها وسبلها في القرن القادم؛ حيث يتصدر الاقتصاد وتتصدر الثقافة المدعمان بقوة عسكرية لا تملكها ساحات المواجهة المحتملة، فإن ما ألمسه هو وجود استعداد لمراجعة الذات لدى تيارات رئيسة في الساحة العربية مثل: التيار القومي ـ والتيار الماركسي ـ والتيار الإسلامي ـ والتيار الليبرالي. وهذا يدفعني، في ظل التهديد المعلن لثقافتنا العربية ـ الإسلامية بالذات الذي لمَّح إليه سياسيون غربيون ومثقفون يمينيون متصهينون ومتطرفون في الغرب الاستعماري، ومتعصبون لثقافة تحت غطاء الدين، أو لديانة تحت غطاء الثقافة، حين أعلنوا بأشكال مختلفة، لا سيما بعد أن أشار الرئيس الأميركي جورج بوش في خطابه أمام مجلسي الكونغرس الأميركي بعد نهاية حرب الخليج الثانية، إلى أن القرن القادم سوف يشهد انتشار الأنموذج الثقافي الأميركي في العالم وسيكون الجهد فيه منصباً على تعميم أنموذج السلوك الأميركي والقيم الأميركية ـ وفي هذا ما فيه من إعلان للغزو الثقافي أو لمحو الثقافات الأخرى وفرض التبعية عليها ـ وتابع آخرون شرح ذلك وتفسيره وإظهار بواطنه وتأكيد توجهاته، فجاءت المحصلة واضحة تماماً، إذ قيل بجلاء وعلانية : إنه كما شهد القرن الحالي سقوط الشيوعية وانهيار الماركسية سوف يشهد القرن القادم سقوط الإسلام والعروبة وانهيارهما.‏

وقد صرح ساسة غربيون ومسؤولون أميركيون بأنه لم يعد من الواقعي الحديث عن أمة عربية واحدة أو عن وطن عربي واحد وأحلام وحدوية عربية، فكل ما هنالك الآن دول عربية يخشى بعضها بعضاَ، وتبحث عن مصالحها الخاصة، ولديها الاستعداد لأن تحتمي في ظلال أية قوة لحماية نفسها ونظامها وحدودها ووجودها ومصالحها!؟!‏

وإذا كان ذلك كذلك، وإذا كان الوضع العربي قد أوصلنا فيه الساسة إلى ما لا يحمد ولا يشكر ولا تبشر نتائجه بأي خير من أي نوع، فهو الاستسلام والضعف والتآكل والتدابُر والتخلف ومغادرة ساحة العمل القومي إلى الانهزام في ظل التقوقع القطري. وإذا كان العرب الآن يعملون بأقصى ما يستطيعون من جهد للاعتراف "بإسرائيل" دولة ذات سيادة في المنطقة، على أرضية السلام المتبادل والحصول على الأرض المحتلة بعد عام 1967 أو بعضها، وعلى‏

بعض الحقوق أيضاً؛ متنازلين عن فلسطين التي كانت ومازالت جوهر المشكلة وأساس القضية ؟!‏

وإذا كان التوجه في هذا المنحى عامّاً أو شبه عام على الصُّعُدِ الرسمية على الأقل، فإنه ينبغي أن تقوم في إطار الثقافة العربية جبهة مواجهة تعمل على إبقاء هذا الحق من حقوق أمتنا وأجيالها القادمة حيّا في الأذهان، وتنمي الوعي به، وتدعو إلى إعادة النظر بالتربية والتعليم والتثقيف، وإلى حشد الإمكانات وتوظيفها في مسار بناء الإنسان ومؤسساته وإقامة مناخ عربي يمكِّن من ولادة الأمل، على أرضية الجدية والعمل، باستعادة العافية والسلامة القومية والاجتماعية والفكرية والروحية، والتوجه نحو التحرير والدخول في العصر بأدوات وإمكانيات وعقول وعلاقات قادرة على فهمه ومواكبته والحضور فيه وكسب رهانه أو بعض ذلك الرهان.‏

ومن أجل ذلك فإنني أدعو إلى إعادة ترتيب البيت الثقافي العربي، وإعادة التماسك والقوة والمهابة له، وإلى إقامة جبهة مواجهة ثقافية عربية بالاتفاق على الحد الأدنى المشترك الذي يقيم قوام تلك الجبهة بالتمسك بثوابت مبدئية قومية أخلاقية ونضالية، تناضل من أجلها، وتحتكم إليها، وتنميها، وتصبح أهم معيار للتعامل والعمل فيما بين أطرافها؛ من دون أن يلغي ذلك الاختلاف الحيوي والتعدد والاجتهاد والغنى في مجال الإبداع والفكر والنضال.‏

ومن أجل ذلك وعلى طريقه أطرح ما يمكنني أن أدعوه ميثاقاً للمثقفين العرب، آمل أن يلقى ترحيباً به واتفاقاً عليه، وهو التالي: *‏

[ نحن المثقفين العرب، الموقعين على هذا الميثاق، استشعاراً منا للمسؤولية التاريخية حيال الأمة العربية وقضاياها وأجيالها، وللدور الذي ينبغي أن نقوم به : عربياً وعالمياً، بمواجهة التحديات التي يفرضها علينا العصر، والاستقطاب الدولي الوحيد الطرف، والتقدم العلمي والتقني، والإستراتيجية الصهيونية ـ الإمبريالية القائمة على القوة والقهر ومحو الآخر أو فرض التبعية عليه؛ نعلن وقوفنا بقوة وحزم، موحَّدِين متماسكِين، حول الثوابت المبدئية والتوجهات النضالية التالية:‏

1 ـ الصراع العربي الصهيوني،، صراع وجود مع وجود، ولم يكن يوماً ولن يكون أبداً نزاعاً على حدود، بين العرب والكيان الصهيوني الدخيل المفروض عليهم؛ ويتحدد موقف المثقفين من السياسات والتيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية في ضوء موقفها من ذلك الصراع ونظرتها إليه. وينسحب هذا الرأي والموقف على كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني وكيانه في فلسطين المحتلة، وعلى دعاة التطبيع ورموزه وممارسيه والمروجين له.‏

2 ـ ا لحرية والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين، تلك التي لا تنفصل عنها حرية التعبير ولا تقوم إلاّ باحترامها، وكذلك الممارسة الديمقراطية السليمة في حدود وعي نوعي بخصوصية الواقع والبيئة والمجتمع والمرحلة التاريخية والاجتماعية للأمة العربية، كلها قضايا رئيسة نجمع على التمسك بها والدفاع عنها، والتعامل معها بمسؤولية وإدراك شديدين، ونعلن احترامنا للتعدد في إطار الوحدة الثقافية القومية للأمة، واحترامنا لحق الاختلاف، كحق طبيعي لجميع المواطنين على أرضية احترام الأنا من دون تضخيم، واحترام الآخر من دون تقزيم، والاعتراف المتبادل بينهما، على أرضية الشراكة التامة الأصلية في الهوية والانتماء والمواطنة والمسؤولية وصنع القرار وصوغ صورة المستقبل والتماسه، وتقرير المصير المشترك للوطن والأمة والدفاع عنهما.‏

3 ـ الثقافة العربية ـ الإسلامية، بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها وتراثها وموروثها، وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم متنوعة عبر التاريخ، وما لها من فرادة وأصالة وتميز، وما‏

* نورد هنا نص مشروع الميثاق الذي أصبح ميثاقاً من باب التوثيق، على الرغم من أنه ورد نص الميثاق سابقاً.‏

فيها من أصول، وما تعنيه وتستثيره في النفوس من قيم ومشاعر، هي بمجملها حدود وطننا الذي نتجذَّر في أرضه، ونحافظ فيه على هويتنا، وننمي فيه، بوعي معرفي عصري، خصوصيتنا، ونمارس انطلاقا من ذلك مثاقفة مع الآخر، باعتزاز وثقة وانفتاح، رافضين كل قطرية وإقليمية وطائفية تقزِّمنا أو تقسِّمنا أو تشوه نظرتنا ومواقفنا، وكل قوقعة وفهم مشوهين أو محكومين بموقف مسبق من تراثنا وانطلاقتنا الحضارية. ولا نضع في هذا المجال العروبة في مقابل الإسلام أو الإسلام مقابل العروبة، فهما يتكاملان حتى ليتماهيا؛ وننظر إلى كل تنازع في هذا الاتجاه على أنه تنازع ضار ومفتعل ومدمر ويخدم مخططات تعادي أمتنا وثقافتنا، ويرمي إلى فرض التبعية والضعف علينا.‏

ولا يعني التركيز على الثقافة العربية ـ الإسلامية، عدم الاعتراف بقيمة الجذر الثقافي العربي قبل الإسلام وبأهمية ذلك الجذر، الذي يمتد عميقا ويؤسس للمعرفة البشرية، ولا التغاضي عن إمكانية حضور ه والتواصل معه على نحو ما، كما لا يعني التقليل من أهمية الإضافات التي قدمها ويقدمها العرب من معتنقي الرسالات السماوية الأخرى؛ فكل ذلك إرث ثقافي عربي نعتز به ونتواصل معه وننميه، ونستشعر حضوره عندما نذكر الثقافة العربية الإسلامية.‏

4 ـ نحن مع المثاقفة، التي تقوم على أساس من الثقة والاقتدار، بأوسع صيغها وأعمق تلك الصيغ وأشملها، ولا نرى في القوقعة أي خير، كما لا نرى خيراً في تبعية من أي نوع، لا سيما التبعية الثقافية؛ ولذا فإننا نرفض سياسات الانغلاق كما نرفض أشكال الإلحاق والغزو والمحو الثقافي، ونتصدى لها، وندعو إلى وضع الخطط والإمكانات اللازمة لذلك، بدءاً من تحصين الوعي المعرفي الذاتي وتعزيز الأمن الثقافي القومي على جميع المستويات.‏

كما نرفض / عربياً / تبعية الثقافة للسياسة، وكل صيغ الإلحاق وصوره في هذا المجال، ونعترف في الوقت ذاته بأهمية تواصل الثقافة والسياسة وبضرورة ذلك التفاعل والتواصل، وبمسؤولية كل من الثقافة والسياسة عن الوعي والمصير الفردي والجمعي، الوطني والقومي،، وبمسؤوليتهما أيضاً عن مستوى الحضور الحيوي للأمة وتقدمها الحضاري، ومقدار استشعار أفرادها للسعادة والكرامة. ونؤكد أهمية احترام العلاقة السليمة بين السياسي والثقافي، ومضار تحول الثقافي ـ لا سيما عربياً والآن ـ إلى تابع للخلافية السياسية العربية القطرية، حيث تتفاقم مخاطر الصيغة التجزيئية التعويقية الراهنة عربياً على الحاضر والمستقبل والمصير العربي كله، جراء ظهور القطرية وحضورها كصيغة اعتراضية على القومية، معوقة لها بل نافية لتأثيرها ولضرورتها.‏

5 ـ نؤمن بأن الخلاص، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يكون قوميا أو لا يكون، وأن‏

جهودنا سوف تنصب على إعلاء شأن أي فعل أو قرار عربي يأخذ ذلك بعين الاعتبار ويعمل من أجله؛ وأن حكمنا على أي توجه في هذا المجال يتم في ضوء انسجام ذلك التوجه مع المصلحة العربية العليا، التي تعلو، معيارياً وعملياً وأخلاقياً، على المصلحة القطرية الضيقة، من دون أن تنفيها كلياً.‏

6 ـ نؤمن بأن تقدم المجتمع العربي منوط بتقدم البنى الفردية والاجتماعية والمدنية فيه، تربوياً وتعليمياً وعلمياً، وأن بناء الفرد والمؤسسات بناء سليماً ـ علمياً متوازناً يتيح فرصاً أكثر للخروج من حالة الإحباط والضياع، وانتهاك الحقوق والحريات، وضمور القيمة الخلقية والشعور بالمسؤولية وعدم احترام الفرد والقانون والمصلحة العامة والآخر الشريك.‏

ولذلك فإننا نرى في الطغيانية " الديكتاتورية " حالة سياسية متخلفة لا تتلاءم مع القيم العربية والتعاليم الإسلامية؛ ولا تتفق مع روح العصر وتطلعات العرب للمستقبل، وتشكل أهم معوِّق من معوقات التقدم الاجتماعي والعلمي والروحي والاقتصادي في الوطن العربي، ولذا فإننا نعلن وقوفنا ضد " الديكتاتورية " وأشكال الحكم الاستبدادي أينما وجدت، وندعو إلى العمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية عربية تقوم على المساواة والعدالة وتكرسهما، وتستند إلى أوسع مشاركة جماهيرية في صنع القرار السياسي واتخاذه، والإشراف على تنفيذه والمحاسبة على ذلك التنفيذ، وعلى أساس مساهمة الأفراد بموضوعية وحرية وفعالية، روحية وقومية واجتماعية، في ممارسة حقوقهم المدنية وأداء واجباتهم كمواطنين متساوين تماماً، بما لا يعطل الشرائع والتشريعات، وبما يحقق سيادة القانون، وسلامة الوطن، وإيجابية المواطن، وصحة مناخ العيش والإنتاج والإبداع، وبما يحد من انهيار القيم وانتشار الفساد في العلاقات الاجتماعية والأوضاع العامة، متحاشين العنف ما أمكن ذلك.‏

إن المثقفين العرب، إذ يتمسكون بهذه الثوابت التي تشكل المشترك العتيد الأولى بالرعاية والاعتبار فيما بينهم؛ يؤكدون عزمهم على تعزيز مكانة الثقافة ودورها، وتحرير ساحتها وتحصين استقلالها ورؤيتها وإرادتها، خدمة للأمة وخدمة للثقافة، وحرصاً على مناخ ثقافي وقومي واجتماعي سليم، تنمو فيه القيمة في ظل الفعل المنقذ، وينمو فيه الشعور بالمسؤولية على أرضية الانتماء القومي والإنساني وفي ظلال الحرية والتكافؤ؛ كما يؤكدون عزمهم على وضع نقاط الاتفاق تلك فوق كل خلاف فيما بينهم والنظر إليها بوصفها ثوابت مبدئية ـ قيمية ـ قومية ـ نضالية، وجعلها أساساً لمعيار يحكم مواقفهم وتعاملهم، ويُحتكم إليه في تقويم الأفعال والسياسات والمواقف والتوجهات والأشخاص. ]‏

لقد أخلينا ساحتنا الثقافية طويلاً، وتركنا لرياح الخُلف والتخلف أن تعبث بها فعبثت بنا وبها وبأمتنا ومصيرنا كله، وأسلم بعضُنا بعضاَ للظلم والطغيان والقهر الذي يُمارس علينا وعلى جماهير شعبنا، وأضعفنا حضورنا، وارتمينا في تبعية مقيتة وضارة بنا وبأمتنا وثقافتنا وحتى بأنظمتنا، لأننا لم نشهر لها عيوبها، ولم نردع غياً نبت في ممارساتها، وجعلناها تسير في ظلم وظلام وفساد، حصدنا زؤانه جميعاً، وغرس فينا ما يشبه اليأس من إمكانية صلاح الأمور والأحوال.‏

وحرمنا الثقافة من شمعة تضيء للناس وموقف منقذ، ودور مشرِّف مطلوب، فلنشعل شموعاً في إبداعنا وثقافتنا وكلماتنا، لنا ولشعبنا ولأبنائنا القادمين في أصلابنا، ولنواجه ليل المحنة بضوء البصر والبصيرة وبعزيمة المؤمنين بأمتهم وبدورهم، ولنوقد مصابيحنا حتى ولو احترقت بعض أصابعنا أو بعض أجسادنا، وليحم كل منا ظهر الآخر؛ لكي نقيم ساحة نحتمي فيها وتحتمي في ظلالها المتسعة أمتنا، وينمو فيها بأمان وأمل أهلنا ومستقبلنا وتزدهر أحلامنا. وإن لعلينا نحن أن نَشْرَع بالتضحية وأن ندفع مهر اختيارنا للحرية، تلك التي تؤخذ ولا تعطى، وتتجدد ويتسع أفقها بالوعي المعرفي المتنامي، وبإدراك حق الذات وحق الآخر في أن يحيا بسعادة وامتلاء وكرامة.‏

إن حريتنا بوصفنا مثقفين هي حرية للكلمة ولمتلقيها في آن معاً، فعلى الكلمة أن تحرر الإرادة وتنمي الوعي بالحرية، ذلك الوعي الذي ينمي أفقها ويوسعه في الوقت ذاته، ويصبح سلاحاً يحمي وحقلا تزدهر فيه عطاءات الإنسان للحياة والإنسان.‏

إننا لم ولن نفقد الأمل أبداً بمثقفينا ومبدعينا ومناضلينا، ولا بأمتنا التي تجاوزت الكثير من المحن وصمدت لها.‏

nـــــ/// ـــــn‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |