|
عناق الدم والكلمة في زمن الانهزام
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إذا كان من الواجب ـ حسب اعتقادي واقتناعي ـ تحية حماس والشهيد صالح عبد الرحيم الصوِّي بطل عملية "تل أبيب" الذي كتب بدمه الطاهر إعلان استمرار الصراع العربي ـ الصهيوني إلى مداه، على الرغم من الاتفاقيات والمعاهدات والمفاوضات واللقاءات والتوقيع "الملكي السامي"، فإن الواجب يقضي أيضاً بإظهار الاستهجان والازدراء لكل تلك التصريحات والاتصالات والتصرفات العربية التي أدانت العملية، ونظرت إلى المحتلين الصهاينة العنصريين، الذين يلغون يومياً بدمنا، على أنهم ضحايا بريئة، متناسية أعداد الشهداء والمعتقلين والمضطهدين والمحاصرين الذين يتجرعون يومياً الموت وألوان الحقد الأسود على أيدي النازيين الجدد و الإرهابيين المحترفين، مزيفي التاريخ والوقائع وصورة الحياة في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان.
ويستحق إعلان عرفات، للمرة الثانية بعد "بير نبالة" وضع نفسه في خدمة "الشين بيت" لتقديم معلومات وللمساعدة على معرفة الفاعل وملاحقته، وذلك قبل أن يعلن عنه؛ يستحق ذلك استهجاناً وازدراء مضاعفين، لا سيما وأن التصرف أو الإعلان الأول تسبب في استشهاد ثلاثة من مقاتلي كتائب عز الدين القسام.
لقد تلقت "إسرائيل"، وتلقى المتحالفون معها والمستقوون بها، من العرب، إشعاراً بليغاً، لا يعبر عن تصميم حماس فقط على متابعة الكفاح حتى التحرير، وإنما َََّّّيعبر عن روح الشعب العربي المقموع أو المغيب أو المغلوب على أمره أو المُغْرَى والمضَلَّل بألف لون ولون من التضليل. وهو إشعار جلجل في فضاء الأرض المحتلة، وفي فضاء القصور العربية العامرة الآمرة، وفي فضاء الإعلام ليقول بوضوح:
"إن المعاهدات والتسويات المشوهة، وكل الإغراءات بمستقبل سلام الاستسلام التي تقدم للناس، لن تلغي حقيقة رفضنا، بوصفنا أمة عربية ما زالت موجودة وستبقى، رفضنا لاستمرار الاحتلال الصهيوني، واقتناعنا الراسخ بأن "إسرائيل" العنصرية التي تحتاج للاعتراف بها والتعامل معها، ليست جزءاً من النسيج الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والأمني للبلاد العربية التي تشوهون صورتها وتغيرون اسمها ليسهل إدخال "إسرائيل" في تكوينها. ولن تفرض على العرب بقوة القهر من دون مقاومة لتلك القوة ومواجهة لذلك القهر.
وإن التعبير الصريح والصحيح عن وجدان أمتنا ليس ما يلغو به إعلام الملوك، وإنما هو النضال الذي يخوضه الفقراء المؤمنون بمعنى الحق والحرية والتحرير، الذين يرفضون أن تمتلئ كروشهم في جنة "أوسطية بيريس" ويخسرون كرامتهم وتاريخهم ومعنى الانتماء الأصيل للعروبة والإسلام."
ما من شك أن عملية "تل أبيب" خلقت وستخلق ردة فعل عالمية وعربية ضد الذين يرفضون السلام على الطريقة " الإسرائيلية "؛ وستضاعف من تشويه صورة التيارات الإسلامية والقومية التي تريد أن تبقى شعلة الصراع من أجل فلسطين متقدة ومرفوعة.ولكن الحقيقة الناصعة التي استخلصت عبر كل السنين الماضية، تشير إلى أن التشويه والملاحقة والفتك وربما الموت، سيكون من نصيب من لا ترضى عنهم الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، والغرب الاستعماري والعنصريون بوجه عام؛ وبناء على ذلك فإن المرء لا يخسر ما هو خاسره أصلاً.
ولكن العملية التي أزيح من طريقنا فيها أكثر من عشرين من الصهاينة المحتلين لأرضنا، سوف تتسبب في مضاعفة التعاون والتنسيق بين جهات دولية، غربية وعربية، لملاحقة حماس ومن يناصرها ومن ينتهج نهجاً رافضاً "لإسرائيل" ولما يجري في المنطقة العربية اليوم. وسوف يؤدي ذلك التعاون إلى ملاحقة شرسة واسعة النطاق، وإلى عمليات قتل واضطهاد وطرد وفتك كبير بكل الذين يريد الصهاينة ألا يروا أيديولوجيتهم وحضورهم في الساحة "الشرق أوسطية" ليتم التغيير المنشود،الذي تقف في وجهه ذاكرة شعبية، وروح قومية، وعقيدة إسلامية تقيم النفوس وقوام الكرامة والأصالة والقيم.
سوف تسيل دماء، ويتضرر أبرياء، ويضيَّق في العيش على أسر، ويحاصَر مرضى ومحتاجون، وتمنع موارد شحيحة كانت تدفع الفاقة وتسبل ستراً على بعض الناس، وسيُسْجن كثيرون، في وقت ومناخ لايساعدان على رفع الصوت وتخفيف المعاناة؛ إذ تهيأ الظروف والنفوس والسياسات وحملات الإعلام منذ زمن، ليكون هناك فتك ذريع وصمم شنيع: فتك بمن يقاوم مشاريع التصفية والمصالح والأطماع الـ"إسرائيلو ـ أميركية " والسياسات التي تخدم ذلك أو تحققه، وصمم عمن يرفع صوت المعاناة البشرية، ويعلن عن حق للناس في هذه المنطقة وعن ظلم وقع عليهم، ومخطط إبادة ينتظرهم، وينفذ مرحليا ضدهم.
ويبدو أن الأجواء المطلوبة لذلك أصبحت ملائمة والبرامج جاهزة للتنفيذ، والنفوس مثقلة بكِسَفٍ من الحقد لمظلم الذي يتكاثف ويتقاطر تعذيباً وترويعاً وموتاً.
ليس هناك قوة في مستوى قوة الملاحقة والقمع والاضطهاد العنصري تستطيع الآن أن تسحقها أو ترفع أذاها، ولكن ليس لدى تلك القوة إيمان بقوة ما لدى الملاحقين والمضطهدين من إيمان.
وإذا كنا سنراهن على هذا الجوهر النادر العريق، فإننا لن نعدم حظاً من التوفيق والنجاح، وسوف نكسب التصميم الذي تبعثه الثقة لنتابع المسيرة النضالية؛ ولكننا لن نتمكن من إيقاف المعاناة أو تحقيق نصر قريب.
وإذن.. هل هي طوباوية من نوع متخلف، فريد في تخلفه، نواجه بها العلم والحداثة والتَّقَانَة والقوى القاهرة في عالم اليوم؛ وقمعاً وإرهاباً دوليين منظَّمين فائقين في شراستهما، تقودهما القوة الأعظم؟!
إن السؤال لا يُقبل على هذه الصيغة أو على هذه الشاكلة من صيغ الأسئلة، أو إن الجواب على مثل هذا النوع من الأسئلة ينبغي ألا يكون مقيّداً بحدود منطق متعارف عليه وعلى حدوده وقيوده. من المسلم به أن معظم الأنظمة العربية تتهافت اليوم على كسب ود "إسرائيل" ورضاها، وتعرف أن النافذة الأميركية هي متنفس البيت الصهيوني ومدخله، والعكس أيضاً يصح في حالات؛ ومن المسلم به أن حالة التمزق، والبحث عن الخلاص القطري والمصلحة القطرية الضيقة جداً، وغياب كل مظاهر الالتزام القومي، بأي موقف وأية قضية على أي مستوى، جعل كل قطر وكل نظام يعمل ما يشاء، غير آبه بالآخر ومصلحته، وغير هيّاب من الانفراد والانعزال والاعتماد على الغير في الحماية والرعاية، ولامكترث بما يسببه فعله ذاك، للآخر القريب الشريك في الوجود والمصير، من مشكلات وأزمات وما ينعكس جرَّاءه من مخاطر على المصير المشترك؛ وهذا كله جعل الموقف العام والتوجه القومي غائبين، أو بالأحرى غير مطلوبين من أكثر الأنظمة العربية، وجعل كل نظام عربي يتملَّص من القضية المركزية للنضال العربي ومن تبعاتها، ويرتمي في حمأة الحلول "متطهراً" من ذنوبه بماء الفاجر الأول الذي حلل المحرَّم، وأباح ما كان كفراً، فتبعه الذين كانوا يخفون وينافقون، تبعه أولئك زرافات ووحداناً. وأصبحت ترى في بضع شهور فقط إقبالا على "إسرائيل" من أنظمة عربية ما لم تره في عدة عقود من إقبال تلك الأنظمة بعضها على بعض، على الرغم من المصائب والمصالح وأشكال العدوان المرتكب ضدها.
وهذا المناخ بالذات، الذي يعج بهذه المسلمات والتوجهات والتنازلات، وهذا الظرف بالذات الذي تتضخم فيه المأساة، يستدعيان وقفة تؤسس ولو بعد عقود، لعودة الوعي واستعادة الموقف الرافض كليا، بشمول وأصالة وصلابة، لوجود "إسرائيل" ولكل شكل من أشكال الاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها.
إن هذا كلام وتفكير وتوجه مغاير للسائد ولما تفرضه رياح العصر التي تهب من السياسات وأجهزة الإعلام والثقافة المصنَّعة حسب الطلب، ومغاير لم هو مطلوب حتى في سياسات قطرية عربية متشددة، ويتنافى مع النظر بعقلانية صرفة إلى المعطيات المادية التي تبنى على أساسها توازنات القوى وأسس المواجهات، ويبدو ضعيفاً حيالها وغريباً عن المحيط، وقديماً متخلفاً يمت إلى الحرب الباردة بصلة وإلى منطق الخمسينيات والستينيات بصلات.
ولكنه ينتسب إلى التاريخ القومي العربي بأصالة، ويستمد من استقراءاته وقراءاته المختلفة، تلك التي سجلت أن تمسك الأمة بحقها ودفاعها "السلبي والإيجابي" عن ذلك الحق، وثباتها حتى في المحن على ثوابتها، جعلها تتجاوز الإحباط والهزائم، وتستعيد حضورها وما اغتصب من حقوقها وتجدد ذاتها.
كما ينتسب إلى حقائق التاريخ الإنساني، تاريخ الشعوب الحية الذي يسجل قدرة الأمم على تحقيق النصر إذا لم تنهزم من الداخل في فترات الانكسار العسكرية وخسارة المعارك وضمور القدرات مرحلياً.
وهو أولاً وآخِراً ينتسب إلى حقائق الإيمان بأبعادها جميعاً، بدءاً من الإيمان بالله وانتهاء بالإيمان بالذات والوطن والشعب والحق.
وإذا لم نؤسس لذلك النوع من صلابة الموقف في فترات الضعف، وعند هبوب الأعاصير، فلن نبقى ولن يبقى لنا موقف على الإطلاق، وحين يتآخى ويتساوق ويتناغم الدم الطهور مع الكلمة الشريفة، فلا بدَّ أن تنبت في ذلك الحقل القومي ـ الإنساني الإبداعي العام، أجيال تقيم الحق والعدل والسلام والحرية على أسس متينة ونظيفة، وتستعيد للشعب العربي كرامة وحضوراً وازدهاراً، يبني في ظله ويسود.
فلنعمل من أجل عناق الدم والكلمة في زمن الانهزام العربي المريع هذا. والله من وراء القصد.
|