|
العنف والإرهاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكن أن نرد بداية استخدام مصطلح الإرهاب بمفهوم سياسي عصري إلى الثورة الفرنسية وممارساتها وتصرفات رجال مثل "روبسبير" الذي كان يرى شرعية ثورية في استخدامه القتلَ ضد رجال العصر البائد ومن والاهم، وضد أولئك الذين يرى فيهم مناوئين له أو أعداء للسلطة الشعبية التي يمثلها. وكان يصدر، هو ومن معه، في أحكامهم وممارساتهم، عن اقتناع تام بأنهم "وجدان" الشعب وأدواته السلطوية، ويرون أن إرادتهم تشكل التشريع والمحكمة والقاضي والسلطة التنفيذية. (1)
هذا لا يعني أنه منذ أقدم العصور لم تمارس أعمال اغتيال سياسي وتصفيات، وأعمال مخالفة للقوانين والشرائع والأعراف في ظل الثورات المتنوعة والطغيان وعهود الاستبداد، ولا يعني أيضاً أن الخارجين على الطاعة وعلى قانون الإمبراطور أو الملك أو الدولة؛ أولئك الذين يجدون أنهم محقون وعادلون في خروجهم على طاعة الشخص أو القانون الظالِمَيْن، لم يمارسوا عملاً أخذوا فيه القانون والسلطة التنفيذية بأيديهم، واعتقدوا أنهم إنما يقومون بما يرسخ العدل أو يعيده إلى نصابه بما يفعلون.
فالذين اغتالوا يوليوس قيصر في مجلس الشيوخ في روما خرجوا على طاعته ورأوا في ذلك علاجاً لميول طغيانية يستحق صاحبها أن يُصفَّى من أجلها.
والذين قاومهم إخناتون، وكذلك الذين قاوموه، تبادلوا عنفاً ولربما إرهاباً.
وفي عهود متفرقة نجد الثورة والثورة المضادة، والسلطة والمعارضة، ونجد من يقاتل ويقاوم إمّا ليصل إلى سدة الحكم أو ليحافظ عليها، ونجد من يقاتل ليحق حقاً ويزيل ظلماً ويوسِّع هامش حريته؛ ومن يقوم بأفعال تحت ذلك الشعار ثم يأخذ الأمر بيديه فيفعل ما كان ينهى عنه ويناضل ضده !! ونجد أيضاً من يمارس عنفاً مَرَضِيَّاً ويُدخل نفسه وغيره في دوامة الرعب والموت.
فهل يمكن أن نسمي كل ما اتصل بذلك وشاكَلَه إرهاباً، وكل فعل من ذلك القبيل : عنفاً مداناً ؟ أم أن هناك معيارية مستقرة، أو لا بدَّ من أن تستقر على أسس وقيم، لنستطيع من خلالها أن نمايز بين الأفعال والأحكام عليها، ونميز بين الإرهاب الأسود والعنف المشروع ؟! سواء صدر ذلك عن شخص أو فئة أو حزب أو دولة؟!؟
إن كل تغيير للسلطة والنظام والعلاقات بين الأفراد والجماعات والطبقات والمصالح والعلاقات، بين الدول والمجتمعات، خارج حدود التفاهم والتعاون والنظام المتعارف عليه، ينطوي على استخدام عنصر القوة لفرض الأمر الواقع، ولفرض علاقة ما أو طاعة أو قرار إذعان بأسلوب يتجاوز المألوف؛ وقد تدخل الحروب في دائرة العنف المكثف المستمر الذي يؤدي إلى تغيير في الجغرافية والعلاقات الاجتماعية والدولية بقسوة فائقة، وإلى مشروعية الدفاع عن مصالح وحقوق وحريات أساسية، أو تؤدي إلى نبذ فرض هيمنة ومصالح وعقائد وثقافات وأيديولوجيات يُراد لها أن تُفرض " بالإرهاب المكثف = الحرب " أو المخفف.(2)
لقد أقر القانون الدولي، والقوانين الخاصة بكل دولة على حدة، وشرعة حقوق الإنسان، والعقائد والأعراف الاجتماعية والدولية، أقر مشروعية الدفاع عن النفس والأرض ضد المعتدي والمحتل، ومبدئية ذلك وقيمته، كما أقر حق الشعوب في الدفاع عن أوطانها وسيادتها ومصالحها، وأقر لها بحق تقرير المصير واختيار نوع الحكم الذي تريد.
وتحمي الشرائع والتشريعات والمنظمات الدولية، الأفراد والمجتمعات والدول، من كل أشكال الاضطهاد والقمع والاستلاب والإبادة، ولكن ذلك يبقى، في أغلب الأحيان،في إطار النظريات والفلسفات والمثاليَّات الخُلُقية،والشعارات والنصوص المستقرة على الورق، أمّا على أرض الواقع وفيما هو معيش من علاقات وفعاليات وأفعال، فإن القوة، والقوة الغاشمة أحياناً، هي وحدها التي تحدد : العادل، والشرعي والإنساني والمشروع والقانوني، وحتى الخلقي. وتراها تلوّن الأفعال والممارسات بالألوان التي تراها ملائمة لمنظورها ومصالحها ومنطقها، في تلك الفترة أو المرحلة من الزمن أو البقعة من الأرض، ومع ذلك الشخص أو تلك الفئة أو ذاك البلد؛ وتجد ذلك معبراً عما هو قانوني وإنساني وخلقي إلى الدرجة التي تجعلنا نطرح السؤال المؤرق لأرواحنا وضمائرنا وعقولنا معاً، وهو : إلى أي حد تملك القوة تحديد المفاهيم والقيم، وإلى أي مدى تستقل الأخلاق والمثل، أو يمكن أن تستقل، في أحكامها ومقوماتها عن القوة ؟!
وإذا أردنا أن نبحث عن أمثلة لتلك العلاقات أو الممارسات، في الصلات والفعاليات الدولية والسلطوية والاجتماعية والحزبية والفردية، في كل بلد وكل عصر، فسنجد الكثير الكثير مما يصلح أنموذجاً.
وربما، وصولاً إلى علاقات وقوانين ومعايير، إنسانية ودولية وخلقية، أكثر عدالة واستقراراً وشمولاً، وسعياً وراء مشاركة بشرية أوسع وأعمق، ربما من أجل ذلك، سعت الشعوب والأمم إلى إيجاد صيغ قانونية ومعاهدات واتفاقيات تخفف من العدوانية المطلقة لبعض القوى، وتحكم الصلات الدولية، وتضع حداً للكوارث التي تلحق بأفراد ومجتمعات وشعوب وبلدان، جراء حروب وأعمال وإرهاب دولي فرضتها المصالح والغطرسة وشهوة السلطة، والأطماع التي لا حدود لها بالسيطرة والسلب وإخضاع الآخرين وإبادتهم؛ والرغبة في إرواء أنواع التعصب القومي والديني عند البعض، والنزوع العدواني والعنصري والطغياني عند أفراد وأقوام ودول، من ذوي القوة وشهوة النفوذ؛ وكل ذلك يستفز قوة مضادة تؤدي إلى عنف مضاد.
وبعيداً عن شرعية العنف أو عدم شرعيته فإنّ النتائج تنعكس على حيوات أفراد كثيرين وعلى مصالح وحضارات وقيم وأجيال.
غير أن الصيغ التي وصلت إليها البشرية، حتى بعد حربين عالميتين مكلفتين ساحقتين، بقيت محكومة بسيطرة الأقوياء على الضعفاء، وبرغبة كل قوي في أن يكون الأقوى، وبقواعد الخوف وتوازن الرعب الذي لا يلبث أن يختل ليزيد من كمية الرعب ومساحات الظلم وتلاوينه الكثيرة.
وبقيت تلك الصيغ تشير إلى وصاية، مباشرة أو غير مباشرة، على المنظمات والهيئات الدولية التي أقيمت لأغراض وأهداف حقانية وإنسانية، ومن أجل الوصول إلى صيغ تعامل وعلاقات دولية، وقواعد وقيم وأعراف ومعايير أكثر عدالةً واستقراراً وأقدر على إشاعة الأمن والازدهار.
وبعد ما يمكن تسميته بالحرب العالمية الثالثة، في تسعينيات القرن العشرين، أصبحت القوة الأميركية، قوة وحيدة القطب مهيمنة على المنظمات الدولية ومؤسساتها، تتزعم القوى الكبرى وتقودها جميعاً، بالقوة أو بالمنفعة المتبادلة أو بالخديعة، إلى خدمة مصالحها هي، ولتعزيز هيمنتها وتنفيذ سياستها، وتجرها إلى الإذعان لأوامرها والقبول بتفسيرها للأحداث والقرارات والقوانين، وتجبرها بالتالي على إعلان " الطاعة " أو الامتثال لإرادتها في كل ما ترى وتفسِّر وتقرِّر.
وسواء أتم كل ذلك خوفاً أم طمعاً أم بتواطؤ مشترك بين الأقوياء، فإن إرهاباً من نوع فريد أضيف إلى تاريخ الإرهاب وهو ما تمارسه القوة الأعظم اليوم على صعد ومستويات شتى، ويشمل ما بين تصفية الأفراد والأفكار والمصالح والقضايا والحقوق، وتصفية البلدان والشعوب.
وهذا الذي تفعله الولايات المتحدة الأميركية اليوم مع دول العالم، وتوظِّف له مجلس الأمن الدولي، الذي أصبح مؤسسة أميركية، جعلها وجعل حلفاءها يمارسون إرهاباً دولياً من نوع فريد، حتى باسم مكافحة الإرهاب، الذي تتعدد ألوانه وتفاسيره بتعدد مصالح الأقوياء ورؤاهم وسياساتهم.
لم يتوقف مفهوم "الإرهاب " كمصطلح، وأداة سياسية، وفعل ذي تأثير، في الحياة والتفكير وعلى الناس، لم يتوقف عن التطور والتلون والانتشار السرطاني أحياناً، منذ تلك البداية التي اخترنا أن نبدأ بالإشارة إلى أنها محطة انطلاق المصطلح حتى عصرنا الحالي.
كما أنه لم يتوقف عند حدود ممارسات الأفراد الذين قد يهددون أفراداً أو جماعات أو حتى سلطات، ولا عند حدود سلطات تهدد شعوبها، أو شعوباً وجماعات أخرى، ولم يتوقف أيضاً عند صراع " المعارضات والتسلط " في لعبة الوصول إلى الحكم. بل تعدى ذلك إلى مفهوم " إرهاب الدولة " المغطى باتفاقيات وتحالفات دولية وإعلامية تشوِّه المفاهيم كما تشوِّه التاريخ والوقائع ومقومات الحكم والعدالة والمعيار السليم.
وهي تمارسه إمّا مباشرة أو بدعمها لأفراد وأحزاب وأقليّات وشرائح اجتماعية معينة، للقيام بأعمال إيجابية أو لإشاعة سلبيات ذات تأثير قتّال، وصولاً إلى غايات وتحقيقاً لسياسات، تحت أسماء وشعارات وادعاءات عديدة. وتمارسه أحياناً مجموعة من الدول مثل الدول الغربية، ضد دولة أو مجموعة من الدول بهدف خنقها أو إبقائها في حالة تخلف دائم، واستنزاف طاقاتها، ومنعها من القيام بدور مؤثر في محيطها وداخل حدودها؛ وذلك منعاً لها من المشاركة في فعاليات قومية، أو لتمرير مشاريع استعمارية وتصفوية واسعة، شأن الممارسات الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ضد بعض البلدان العربية والإسلامية؛ أو تمارسه تعطيلاً لطاقة الشعب والبلد، وإحكاماً للسيطرة على الإرادة والقرار، وصولاً إلى فرض الهيمنة وتنفيذ خطط بعيدة الأثر على مستقبل القضايا القومية والمصيرية للأمة.
وإذا أردنا تلمس مظاهر نمو الإرهاب في الماضي المؤثر الذي أشرنا إليه، وحددنا ذلك ببداية انطلاق المصطلح، وجدنا ممارسات تمتد منذ بدايات الفوضوية والفوضويين " تُشَرْعِنُ " ذلك الفعل. فهم كانوا يبيحون لأنفسهم تصفية الآخرين المخالفين لهم، والأعداء " الرجعيين"، ويحرمونهم من كل أنواع الحريات وأشكالها؛ ويمارسون القمع الفكري والجسدي تحت أسماء واعتبارات ومسوّغات مختلفة. وقد حدث ذلك عند الثوريين لأسباب وأهداف يجدونها مشروعة وضرورية لنجاح الثورة وترسيخها وللقضاء على " أعدائها "(3) ، وتحقيق أهدافها؛ وكذلك عند اليمينيين والمحافظين وسلطاتهم.
وهكذا وجدنا ذلك عند الشيوعيين والنازيين والشوفينيين والرأسماليين، حتى ليكاد يختلط الأمر فيتعذر التمييز لكثرة حجج كل فريق واعتباراته وتسويغاته، ولكثرة الفلسفات و" الأيديولوجيات " التي تتقدم رافعة راياتها للدفاع عن ذلك؛ من كل فريق ومجتهديه ومنظّريه، وفي كل بلد من البلدان أو في كل حزب وشريحة اجتماعية. وكلها تغلف أفعالها وأقوالها وتوجهاتها بالعدالة الاجتماعية والحق والشرعية والمصلحة الإنسانية العليا؛ وتقيم متاريس القيم والأخلاق واعتبارات الدفاع عن النفس والوطن والحرية، ومقاومة الظلم والقهر والعدوان والتسلط والهيمنة... الخ.
حتى أننا وجدنا أن النازيين وضعوا ممارساتهم للإرهاب تحت اسم " الإرهاب ضد الإرهاب " كما كان يقول " الغستابو " وكما يقول " الموساد " والعنصريون الصهاينة اليوم، في سياق تسويغهم لممارساتهم الإرهابية ضد العرب الذين يقاومون بمشروعية ويقاتلون ضد الاحتلال؛ فقد قال شلومو غازيت، في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان : " إن السلاح المجدي الوحيد لمكافحة الإرهاب هو " الإرهاب " وإن "إسرائيل" لديها خيارات تتخطى ما استخدمته بالفعل من أجل الحديث باللغة التي يفهمها الإرهابيون".
لقد أدرج موضوع الإرهاب الدولي أول مرة في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة السابعة والعشرين عام 1972، وشكلت لجنة من /35/ دولة لمتابعة هذا الموضوع. وفي عام 1979 في الدورة 34 اعتمدت الهيئة العامة نتائج أعمال اللجنة التي " أدانت بصورة قاطعة جميع أعمال الإرهاب الدولي التي تعرض للخطر أرواحاً بشرية أو تودي بها أو تهدد الحريات الأساسية، وأدانت استمرار أعمال القمع والإرهاب التي ترتكبها النظم الاستعمارية والعنصرية والأجنبية، سالبة الشعوب حقها المشروع في تقرير المصير والاستقلال وغيره من حقوق الإنسان والحريات الأساسية" (1) ودعت الدول إلى عقد اتفاقيات ثنائية تساعد على مكافحة الإرهاب الدولي؛ وسلمت بأنه ينبغي للجمعية العامة والأمين العام، من أجل المساهمة في القضاء على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي ومشكلة الإرهاب الدولي، أن يوليا اهتماماً خاصاً لجميع الحالات، بما في ذلك في جملة الأمور، الاستعمار والعنصرية والحالات المنطوية على الاحتلال الأجنبي التي تدفع إلى الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر..." (2) .
وفي الدورة 42 صدر القرار 42/ 159 الذي حث جميع الدول على " أن تولي اهتماماً خاصاً لجميع الحالات، بما فيها الاستعمار والعنصرية والحالات التي تنطوي على انتهاكات عديدة وصارخة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والحالات التي تنطوي على سيطرة أجنبية واحتلال أجنبي، التي يمكن أن تولد الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر ".(3)
واستمر السِّجال بين معسكر يتحدث عن " إرهاب " يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، و "احتلال واستعمار وممارسات عنصرية وقهر وعدوان أجنبي استيطاني يولّد ما يسمى "إرهاباً " وما هو في واقع الأمر إلاّ ممارسة مشروعة للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال، التي هي حق شرعي للشعوب التي تسعى لتحرير أوطانها وامتلاك حقوقها وحريتها، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.
وكانت حركات التحرير والبلدان التي تشكو من الهيمنة على قرارها وإرادتها واقتصادها، وتلك التي تناضل ضد عنصرية بغيضة، تستند إلى قوة تحمي موقفها وتجعل لأقوالها وتفسيراتها وممارساتها سنداً وشرعية.
ولكن بقيت كلمة " الإرهاب " تضفي ظلالها على ممارسات مشروعة وغير مشروعة في آن معاً، وبقي التوازن الدولي للقوى يلعب دوراً في توازن موازٍٍ للتفسيرات إلى أن حدث انهيار الاتحاد السوفييـتي، وتفردت الولايات المتحدة الأميركية بالسيطرة ـ عن طريق القوة ـ على قرار كثير من الدول، وعلى المنظمة الدولية ومؤسساتها؛ الأمر الذي نتج عنه خلل واضح في ميزان القوى تبعه خلل في توازن التفسيرات والمواقف والأفكار، وفي النظر إلى الأفعال والمصطلحات معاً.
وقد أدى هذا ـ كما هو معروف ـ إلى انهيارات كثيرة، وتغيير جذري في مواقف بلدان وأحزاب من قضايا مركزية، كما أدى إلى اتخاذ قرارات دولية، أو باسم المنظمة الدولية، خلقت خللاً أعمق في مستندات قانونية وخلقية كثيرة؛ وسأكتفي بالإشارة إلى قيام الولايات المتحدة الأميركية بدعم "إسرائيل" ضد العرب في كل المجالات، وقيادتها لحملة أدت إلى إلغاء القرار 3379 الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية، وتبعه إلغاء أكثر من ثلاثين قراراً من قرارات مجلس الأمن أدانت "إسرائيل" بالعدوان والممارسات العنصرية والإرهابية؛ وجاء كل ذلك تحت شعار " إزالة ما يكدِّر إسرائيل" ، حيث قال ماكوري المتحدّث باسم الخارجية الأميركية :" إن الوقت قد حان لنرى إذا كانت هناك قرارات للأمم المتحدة " تتضمن أشياء مكدرة " بحق "إسرائيل" يمكن إلغاؤها أو تعليقها(4) .
وهكذا أخذت الجهود تتواصل " لتنقية صفحة "إسرائيل" ـ الصهيونية ـ العنصرية " من كل ما يشوهها، بحكم طبيعتها وممارساتها، بهدف رسم صورة أخرى لها، وصنع تاريخ مغاير لما استقر لها من تاريخ في المنظمة الدولية والعالم الثالث. وازداد بالمقابل تكثيف الجهد لتشويه صورة العرب ونضالهم وكفاحهم المشروع ضد الاحتلال والاستعمار ـ الاستيطاني العنصري، وأخذت المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال والعدوان تأخذ شكل " الإرهاب " وتُدمغ به، ويصنَّف كل من يؤيدها على أنه يرعى الإرهاب ويمارسه؛ ودوى ذلك بصوت واحد من قوة غربية ـ صهيونية مهيمنة، وقادرة على تسخير القرار الدولي لمصالحها ومصالح حلفائها، وصبغ الأمور وتفسير القرارات والأحداث بما يلائم منطق القوة التي تملكتها الغطرسة التي تعززت بضعف الآخرين الواقعين تحت ضغوطها الهائلة.
وأخذت الولايات المتحدة ـ حكومة كل العالم ـ تسعى علناً لتصفية حساباتها مع كل من كان يقف في وجه مشاريعها وموآمراتها، ومن يعارض خططها لتصفية القضية الفلسطينية وإلحاق الوطن العربي كلياً بالقرار الأميركي وإخضاعه لهيمنة الشركاء العنصريين، والإدارة الأميركية " وإسرائيل "، اللتين أعلنتا بوضوح، على لسان الرئيس بيل كلنتون في لقائه مع رابين 15 ـ 3 ـ 1993 إذ قال : " لقد بدأنا حواراً يهدف إلى رفع علاقاتنا إلى مستوى جديد من الشراكة الاستراتيجية : لنكون شركاء في السعي إلى السلام وشركاء في السعي إلى الأمن " (5) .
ولأن ما نودُّ التركيز عليه هنا هو الواقع الراهن وليس الماضي والتاريخ، وينصب على الممارسات اليومية وما يؤدي إليها ويتصل بها من حملات إعلامية وسياسية وأمنية، وما ينتج عن ذلك من أفعال مؤثرة تقوم بها دول ومؤسسات وهيئات دولية، وتقع نتائجها على أفراد وأحزاب وبلدان وأبرياء، وتشمل في تعميمها ـ أحياناً ـ معتنقي دين، وتطاول ملامح أصوله لتطالها ـ هو الإسلام ـ ولأن "الإرهاب " أخذ يشكل سلاحاً من الأسلحة التي تشهر على العرب الذين يقاومون الاحتلال والهيمنة الأميركية والوجود الاستيطاني ـ العنصري الصهيوني، وعلى المسلمين والإسلام ذاته، في سياق إعلان الولايات المتحدة الأميركية ـ بعد انتهاء حرب الخليج الثانية ـ عن غزو مفتوح للآخرين، ولا سيما العرب والمسلمين، حيث قال الرئيس بوش :" إن القرن القادم سيكون قرن انتشار وهيمنة القيم الأمريكية والسلوك الأميركي والثقافة الأميركية". وعزز مفسرون ومتطرفون غربيون ذلك ووضحوه بالقول : " إنه كما شهد القرن الحالي انهيار الشيوعية والماركسية سيشهد القرن القادم انهيار العروبة والإسلام. "، أقول لأن الدراسة ترمي إلى تركيز الكلام وإثارة الحوار حول الإرهاب في الواقع الراهن، وما يتصل بذلك من ممارسات؛ ولأن صراع " السلطة والمعارضة " في بعض الأقطار العربية أخذ شكل العنف والعنف المضاد، أو " الإرهاب والرد على الإرهاب " ـ كما يحب البعض أن يقول ـ فسوف نحاول أن نركز على بعض المفاهيم والنماذج التي تتصل باستخدام الإرهاب سلاحاً نفسياً وسياسياً وإعلامياً ضدنا، وتسويغ عمليات الإبادة البطيئة التي تتم باسم "مقاومته "؛ وعلى استخدام فئات منا لجعل فعلها المقاوم يتجه اتجاهات ضارة تساهم في رسم الصورة التي يريدها أعداؤنا لنا وترويج تلك الصورة، واستخدام قوانا ليفني بعضها بعضاَ بدلاً من أن تتوجه كلها لمقاومة إرهابه واحتلاله ومشاريعه ومخططاته؛ مكتفين بإشارات ونماذج من الفعل لرسم بعض ملامح هذا الواقع الراهن وصولاً إلى بعض الاستنتاجات العامة.
بعد حملة اختطاف الطائرات، والقيام بعدد من العمليات الفدائية الموجهة ضد العدو الصهيوني خارج الأرض المحتلة، وازدياد المواجهات حدة بين أجهزة الأمن والمخابرات " الإسرائيلية " والمنظمات الفلسطينية العاملة في بلدان مختلفة؛ تنامت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من هذا القرن الجهود الرامية إلى تحديد أسباب "الإرهاب " ومقاومته، وازدادت معها حملات الإعلام والسياسة والتهديد، التي جعلت مفهوم الإرهاب يكاد يلتصق بالعربي ويصبح من صفاته، ثم يكون من صفات المسلمين ونتيجة " للإسلام "، وساعد عرب ومسلمون، رسميون وغير رسميين، عن قصد منهم أو من دون قصد، ساعدوا على ترويج ذلك وتسويغ استخدامه أحياناً، والتمكين من نشره واستقراره في الأذهان.
وأصبحت الحصيلة العامة لذلك، منذ بداية التسعينيات من هذا القرن وحتى الآن، التصنيفات الآتية:
أ ـ دول على قائمة الإرهاب، كلها تقريباً عربية وإسلامية منها " ليبيا ـ سورية ـ إيران ـ العراق ـ السودان " بالإضافة إلى كوبا وكوريا، وذلك حسب تصنيف وزارة الخارجية الأميركية، الذي يردده الغرب ويعتمده إلى حد كبير، ويعمل سياسياً وإعلامياً انطلاقاً منه، ومن كونه من الأمور المسلم بها.
ب ـ منظمات وأحزاب وشرائح اجتماعية، مصنفة كجهات أو فئات "إرهابية " حسب المنظور الصهيوني الغربي، وحسبما يردده الإعلام، وما تروجه الجهات الاستخباراتية والسياسية التابعة له، وينبغي محاربة تلك التنظيمات والأحزاب والمنظمات وتصفيتها، حتى من قبل الدول العربية والإسلامية، التي لا توافق على ذلك التصنيف، كما يرى الغرب "وإسرائيل "، ونذكر من تلك التنظيمات : حماس ـ الجهاد الإسلامي ـ حزب الله ـ المقاومة الوطنية اللبنانية بكل الفصائل والأحزاب التي تدخل في إطارها مثل : السوري القومي الاجتماعي ـ البعث العربي الاشتراكي ـ الشيوعي اللبناني ـ التقدمي الاشتراكي... الخ.
ج ـ تنظيمات وأحزاب سياسية إسلامية :" أصولية ـ سلفية " من تيارات متعددة بأسمائها المعروفة وتوجهاتها في المغرب والمشرق، وهي تخوض مواجهات دامية مع السلطة في بعض البلدان العربية : الجزائر ـ مصر العربية ـ تونس، وتدخل حلبة العنف والعنف المضاد، أو ترد على العنف بالعنف المضاد، وصولاً إلى " العدل أو السلطة "، " الأمن أو الاستقرار في السلطة " حسب طرح كل من المعارضة والسلطة وموقعهما في البلدان المشار إليها.
وهذه التنظيمات التي تضمها الفقرة الأخيرة من فقرات ما يمكن أن نسميه ـ تجاوزاً ـ تصنيفاً أولياً، وهو ما اخترناه تسهيلاً للتعرف والاستخلاص، هي فئات اجتماعية منظمة يطلق الإعلام العربي على أجنحتها العسكرية وعلى ممارسات تلك الأجنحة في بلدانها وفي البلدان العربية، والإعلام الغربي والصهيوني صفة : الإرهاب، وتتم مقاومتها، في البلدان التي يقوم بها تبادل العنف، رسمياً على هذا الأساس.
وقبل أن نلتمس سبيلاً إلى التمييز بين المقاومة المشروعة والإرهاب الأسود، بين العنف الذي تبيحه شرعة حقوقية وشريعة سماوية وأعراف دولية، وذلك الذي يُحكم عليه، ولا مؤيدات أو مسوغات خُلُقية وقانونية وشرعية له من أي نوع؛ يحسن بنا أن نتوقف عند حدود معيارية ما وأسس ومواصفات وقواعد نحتكم إليها، ونتقصى أهدافاً وأسباباً، لفعل ما، فتجعل منه مقاومة مشروعة في حالات ومواقع ومواقف، ولآخر فتجعل منه إرهاباً ممقوتاً في حالات ومواقع ومواقف أخرى؛ حتى لا نقع في فخ ازدواجية المعيار والحكم التي نشكو منها، وحتى نصل إلى رأي وموقف ورؤية، متخذين من أسئلة مدخلاً إلى أجوبة تجلو لنا ذلك ما أمكن:
1- فما -هو- الإرهاب، ومن -هو- الإرهابي ؟
يقول نعوم تشومسكي، وهو يهودي أميركي، وباحث في علوم اللغة: " نستخدم تعبير الإرهاب للإشارة إلى التهديدات باستخدام العنف، أو استخدامه بالفعل للتخويف أو الإكراه لتحقيق غايات سياسية في معظم الأحيان، سواء أكان إرهاب الجملة الذي يمارسه الأباطرة، أم إرهاب التجزئة الذي يمارسه اللصوص."(6) ويقول يهودي ـ عنصري من غلاة الصهاينة الذين يشاركون في قيادة الكيان الصهيوني، هو بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود الآن : " إن العامل المميز للإرهاب هو : القتل والتشويه المتعمّد والمنظم للمدنيين والذي يستهدف إشاعة الرعب"(7) .
وإذا اكتفينا بهذين الاجتهادين لتقديم تعريف للإرهاب(4) من مصدرين "أميركي وإسرائيلي " ومن يهود متطرفين ويهود أقل تطرفاً، وتلمسنا في ضوئهما، وفي ضوء ما ورد في النصوص التي سبقت الإشارة إليها في تقارير الهيئة العامة للأمم المتحدة، وقرأنا بعض الوقائع والأحداث على هدي ذلك، نجد الآتي بالنسبة للفقرتين : أ ـ ب من التصنيف السابق :
أن "إسرائيل" قامت بالمذابح الآتية بهدف الإرهاب والتخويف والإبادة ضد مدنيين في :
ـ قرية الدوايمة 1948 حيث أبادت مئات المدنيين.
ـ قرى: قبية ونحالين ودير ياسين وكفر قاسم في الخمسينيات، حيث ذهب مئات الضحايا من المدنيين ومُثّل بهم.
ـ قرى الجنوب اللبناني وبعلبك واجتياح بيروت بعد الجنوب عام 1982، ومذبحة صبرا وشاتيلا، حيث ذهب عشرات الآلاف ضحايا، ودمِّر وطن اللبنانيين بعد أن سرق وطن الفلسطينيين، وقال يوسف بورغ وزير الداخلية الإسرائيلي :
" قتل الإرهابيون (10) من اليهود، وفي عام 1981 قتلوا (8) ولكننا قتلنا حوالي ألفاً من الإرهابيين. في عام 1982 فقد آلاف من الأعداء حياتهم؛
وهذه النتائج تبين أننا نقتل آلافاً مؤلفة في مقابل 6 أو 8 أفراد من ضحايا اليهود. ولا شك أن هذا موقف مدهش ونجاح غير عادي للصهيونية وقد أستطيع التجرؤ في القول إنه أكثر من نجاح"(8)
ـ معسكرات أنصار ومخيمات اللاجئين، وإبادة قرى بكاملها في فلسطين المحتلة وفي الجولان وجنوب لبنان والأردن، وبلغ عدد القرى المبادة في الجولان وحده 240) قرية، إضافة إلى تدمير القنيطرة تدميراً تاماً بقصدية عنصرية، خارج إطار العمليات العسكرية، بالديناميت والجرارات.
ـ مشروع شارون " أزهار الصحراء " في سيناء أدى إلى هدم القرى والبلدات العربيات هناك.
ـ قام " مستوطنون إسرائيليون " بعمليات إرهابية ومذابح جماعية امتدت طوال العقود الماضية، وذهب ضحيتها مدنيون أبرياء ووسطاء للأمم المتحدة، أي شخصيات رسمية دولية مثل : فولك برنادوت، ومصلّون يسجدون إلى ربهم باطمئنان في الحرم الإبراهيمي، حيث قتل " باروخ غولد شتاين " عشرات المصلين وجرح المئات وتعاطف معه اليهود، رسميون وشعبيون، ومجّدوا فعله الشنيع الذي لم يكن منفرداً في أدائه على الرغم من الادعاءات المغايرة :
فقد قال إسحاق رابين :
" إن منفّذ مجزرة الخليل شخص منفرد ولكن لن يمكننا أن نتجاهل دعم الرأي العام لهذه المجزرة وليس فقط مجموعة هامشية قومية روحية"(9) .
وأثبتت التحقيقات اللاحقة أن كل مستوطن يهودي يحق له أن يقتل من شاء ومن يشاء من العرب من دون أن يحق " للجيش " أن يعترضه أو يمنعه من القيام بذلك؛ وليس هناك أكثر تواطؤاً وانكشافاً للعدوان والإرهاب والعنصرية، المنظمة من قبل " السلطة " والمحمية منها، أكثر من ذلك.
وفي كل العمليات التي كانت تقوم بها سلطات الاحتلال العنصري الصهيوني، وفي جميع المراحل، كانت تلك العمليات والأفعال توجه إلى مدنيين بقصد الإبادة وبقصد التخويف، لتفريغ الأرض من السكان، ولإبادة المطالبين بفلسطين ولإجبار العرب على الخضوع والاستسلام والتسليم بسيادتها تحت قوة القهر.
ويمكن أن نقرأ ملامح ذلك في المقتطفات الآتية :
ـ قال سيمحا فلابان Flapan : " إن المنظمات الصهيونية أسست نظماً من الإرهاب وهذه النظم هي التي تبنتها منظمة التحرير فيما بعد ذلك بثلاثين سنة " (10) .
ـ قال الفريق بلرنز رئيس قوات الأمم المتحدة في غزة بعد عام 1967:" إن الروح التي رافقت مذبحة دير ياسين مازالت مستمرة في القوات المسلحة الإسرائيلية " (11)
ـ قال موردخاي غور رئيس أركان جيش العدو عام 1978:" منذ ثلاثين عاماً ونحن نحارب سكان القرى والمدن "(12) أي مدنيين".
ـ وقال دوبيك تاماري قائد المظلات الإسرائيلي الذي قصف مخيم عين الحلوة عام 1982 قال في مقابلة مع مونتين عام 1985 لأكتوبر " إن دولة "إسرائيل" كانت تقتل المدنيين منذ عام 1947 وقتل المدنيين عن عمد باعتبار ذلك هدفاً من أهدافها"(13) .
ـ قال جاكوب إلياف / أحد إرهابيي "إسرائيل" المعروفين / الأرغون وليحي : " ظهر لي أنني استعملت جميع تكتيكات حرب العصابات، لهذا لجأت إلى أساليب أخرى، خطر لي أن أسمم مصادر المياه في لندن عن طريق وضع جراثيم الكوليرا فيها. رأيت أن الحرب الكيميائية يمكن أن تضرب بريطانيا ضربة قوية تساعد على تحرير بلادنا ) بعثنا أحسن شبابنا إلى باريس لهذا الغرض، كان بيتران مسؤولاً عن شركة مياه باريس. سافر في إجازة إلى لندن لاستكشاف كيف يمكن تلويثها بالكوليرا حتى نقتل مئات الآلاف من سكانها.... كان في معهد باستور قرب باريس عدد من العلماء اليهود الذين يعملون في حقل جراثيم الكوليرا، وقد تحمسوا لهذه الأفكار ورأوا فيها الأسلوب الأمثل لتحقيق الاستقلال. كنا في حاجة إلى كمية زجاجات جراثيم الكوليرا حتى نستطيع إيصال الجراثيم إلى كل بيت في لندن. طلبنا من علماء اليهود في معهد باستور أن يؤمنوا لنا ألفاً من الزجاجات المحتوية على جراثيم الكوليرا لتحقيق هذا الغرض المطلوب، اخترنا عدداً من رجالنا اليهود لشحن الزجاجات وتم تغليفها ووضعها في الحقائب وفي آخر لحظة توقف تنفيذ العملية. فقد صدر قرار التقسيم كانت هذه العملية على وشك التنفيذ وما منعها إلاّ صدور قرار التقسيم " (13) .
وهذا يوضح أن الإرهاب، حسب تعريف اليهود للإرهاب، هو الذي كانت تمارسه "إسرائيل" ضد العرب، وأن ما قام به العرب، مما يسميه الصهاينة والأميركيون "إرهابا " هو ـ حتى عند الأخذ بمسمياتهم ومعاييرهم ـ رد على ممارسات إرهابية مكشوفة ومستمرة وبشعة، وناتج عن وجود احتلال مباشر وقهر وظلم ومخططات إبادة، وعن ممارسات عنصرية ـ صهيونية أقرّتها الأمم المتحدة وثبتها القرار 3379 الذي ساوى العنصرية بالصهيونية والذي ظل قائما إلى أن ألغته القوة الغاشمة المسيطرة على العالم "الولايات المتحدة الأميركية "، ولكنه لم يلغ ولن يلغى من التاريخ والوجود الفعلي والممارسة اليومية للإرهاب الصهيوني، لأن ذلك متصل بالطبيعة الصهيونية ـ التلمودية ونابع منها، وتغذية القيم التربوية ـ التلمودية المعتمدة في أشد المستويات اليهودية تديناً وتعصباً، حيث الأصولية اليهودية أنموذج للفعل العنصري البغيض ضد " الغوييم " وعلى رأسهم العرب والمسلمون؛ ذلك الفعل الذي يراه أرنولد توينبي " مأساة اليهود " ويبين مصادر ذلك في التاريخ الحديث حيث يقول :" إن اليهود قد عرفوا من خبرتهم الشخصية فظاعة ما كان يفعله النازيون ضدهم، ومأساتهم الكبرى أن الدرس الذي تعلموه في مواجهتهم للنازية لم يدفعهم إلى تجنب مثل هذه الأعمال الخبيثة، بل دفعهم إلى تقليد الجرائم التي ارتكبت ضدهم"(14) ، ومع ذلك الفعل الإرهابي اليومي الذي يمارسه الصهاينة ضد العرب في فلسطين المحتلة، لا سيما شباب الانتفاضة منهم، وضد المقاومة الوطنية للاحتلال والعدوان والاستيطان ومسلسل إبادة الجنس، الذي يتم ببطء واستمرار وإصرار، في فلسطين وجنوب لبنان، على الرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية تقول، بألسنة رؤسائها، وآخرهم الرئيس كلينتون، ويسجل آخر إعلان رسمي لذلك مايك ماكيري الناطق باسم الخارجية الأميركية، تقول :" عاش الشعب الإسرائيلي في الإرهاب على مدى عقود من الزمن، إننا نقف إلى جانبه في هذه اللحظة الصعبة ملتزمين بأمن "إسرائيل" وبمكافحة الإرهاب، وبدفع عملية السلام العربي ـ الإسرائيلي إلى الأمام "(15) . وقد جاء ذلك بعد عملية العفولة التي نفذها الشهيد " زكارنة " في إطار الرد على مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل تلك المذبحة البشعة التي أخَّرت الولايات المتحدة الأميركية قرار إدانة مجلس الأمن لها مدة /21/ يوما حتى أكملت ابتزازها للأطراف العربية وفرَّغت القرار من مضمونه، وحمت "إسرائيل" ومواطنيها من تأثيرات نفسية) تكدِّر مزاج " الإسرائيليين " !؟.
ودائماً يتبادل الأميركيون و" الإسرائيليون " التأييد، ويدعمهم الغرب كله، في كل الممارسات الإرهابية التي يسمونها " انتقاماً " ـ "ثأرا " "ضربة وقائية " ـ "إطلاق النار الوقائي " ـ " تقديم الحساب أو ردّ الحساب " ـ ويعطي كل منهم الحق والشرعية للآخر بأن يقوم بما يشاء القيام به من أفعال في هذا المجال. وهاهو عضو الكنيست الإسرائيلي " أمنون روبنشتاين " يلخص ذلك الموقف المتحد في الغطرسة واللؤم والعنصرية وازدواجية المكاييل بقوله :" إننا نجد أن "إسرائيل"، مثلها مثل الولايات المتحدة الأميركية، من حقها أن تشن هجمات إرهابية لتمنع هجمات إرهابية محتملة قد تشن ضدها" (16) .
وهذا يقودنا إلى التركيز قليلاً على التصنيف آ) الذي يضع دولاً في دائرة الإرهاب الدولي ـ رعاية أو ممارسة ـ ويبيح للأقوياء ممارسة أشكال العدوان والحصار والابتزاز والإرهاب ضدها، ويسوِّغ لهم كل فعل يؤدي إلى تشويه الصورة والسمعة، وليسوا على الإطلاق بحاجة إلى مؤيدات قانونية أو وثائق أو مستندات ووقائع محددة ثابتة، فإن اتهامهم قرار، ومصلحتهم تسوّغ كل اتهام، وعندما يصدر الأمر المبني على المصلحة ـ سياسية أو اقتصادية ـ أو يتقرر القيام بإجراء كيدي، فإنه يكفي أن تكذب جريدة، أو يدعي صحفي واقعة ما، حتى يصبح ذلك كافياً للقيام بكل الممارسات والأفعال والقرارات اللازمة ؟!؟ ). وهناك، عند الولايات المتحدة الأميركية "وإسرائيل "، تاريخ حاضر للاستخدام، وتاريخ منسي قيد الإتلاف، وهناك أيضاً صناعة للتاريخ وإعادة صوغ له، وإعادة إنتاج وعرض للوجوه والأشخاص والأفعال والممارسات، وكذلك للوقائع، وكل ذلك يرافَق بالتفسير والتوظيف الملائمين لصاحب المصلحة والمخطط.
وسوف نتوقف عند بعض الوقائع والمعطيات لتكوين رأي ورؤية في المسار أ) الذي يصنف دولاً على أنها إرهابية أو ترعى الإرهاب، بنظر الغرب والصهاينة.
فما هو الفعل الإرهابي الذي قامت به، ولماذا هي دول مساندة للإرهاب ؟ كما يؤكد المعيار الخاص بوزارة الخارجية الأميركية ؟؟
يقولون بوضوح : إنها دول تساند المنظمات "الإرهابية " وتقدم لها العون، ولا تمنعها من أن تتخذ مقرّات لها في بلدانها. وبعض تلك الدول " رعى " و " مارس " عملاً إرهابياً ضد الطائرات: حادث لوكربي والطائرة الفرنسية )* والمقصود / ليبيا / وبعضها يساند أحزاباً تقاتل ضد "إسرائيل". لكن أين تقاتل ضد هذه الـ "إسرائيل" ولماذا ؟ وتحديداً لأية أسباب، وممارسة لأية حقوق، وظهوراً لأية ظواهر، كما حاولت قرارات الأمم المتحدة وتوصيات لجان تلك الهيئة، حول الإرهاب وأسبابه وأساليب الخلاص منه أن تبين !! فلا يوجد إضاءة على هذا الجانب، ولا رغبة في التوقف عنده.
فالأعمال التي تقوم بها منظمات مثل " حماس والجهاد الإسلامي وصقور فتح " في فلسطين المحتلة، وتلك التي تقوم بها المقاومة الوطنية اللبنانية في الشريط الذي تحتله " إسرائيل " من جنوب لبنان وتتخذه " حزاماً أمنياً لها " والموجهة ضد الاحتلال والاستيطان ومخطط إبادة الجنس الذي تقوم به "إسرائيل"، وضد الممارسة العنصرية البغيضة التي تطبع التكوين الفردي والجمعي للصهاينة، الذين يسرقون وطن الفلسطينيين ويريدون فرض سيادتهم وهيمنتهم على المنطقة العربية، ويعوّقون نموّها وتقدّمها، ويشكّلون رأس حربة للاستعمار الذي ينهب ثروات المنطقة وطاقاتها ويتخذ منها سوقاً استهلاكية ورصيداً لحل أزماته الاقتصادية عند اللزوم، تلك الأعمال لا ينظر لشرعيتها، ولا ينظر إليها على أنها مقاومة مشروعة أقرّها القانون الدولي، وشرعة حقوق الإنسان، ومواثيق الأمم المتحدة، والأعراف الدولية، وأيدتها قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، في تاريخ القضية الفلسطينية !؟ وإنما ينظر إلى حق "إسرائيل" في النظر إليها كإرهاب، وإلى حقها في القضاء على ذلك الإرهاب بكل الوسائل. وهذا التوجه مستمر منذ قامت "إسرائيل" ومتواصل على الرغم من كل الممارسات البشعة التي تقوم بها؛ فدائما عندهم :" "إسرائيل" تعاني من الإرهاب ومبتلاة به "، أمّا المبتلون بإرهاب "إسرائيل" ووجودها واحتلالها وعنصريتها فهؤلاء ودولهم ليس لهم لا حقوق الشعوب ولا حقوق الأفراد ولا حقوق الدول، وعليهم أن " يطيعوا"، وأن يطيعوا فقط.
من المعروف بالنسبة لنا نحن أصحاب التاريخ " المنسي " أن أول واقعة تسجل اختطافاً لطائرة مدنية تمت في المنطقة قامت بها "إسرائيل" وكان ذلك عام 1954 عندما اعترضت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية طائرة مدنية سورية وأجبرتها على الهبوط في مطار اللد(17) ، وقد كان اختطافها بهدف إرهابي هو احتجاز رهائن أبرياء من المدنيين، وقد كتب موشيه شاريت رئيس وزراء "إسرائيل" في مذكراته عن أسباب ذلك قائلاً:" إن رئيس الأركان موشيه دايان كان يهدف إلى احتجاز رهائن حتى نتمكن من إطلاق سراح مسجونينا في دمشق، وكان هؤلاء المسجونون جنوداً إسرائيليين ألقي عليهم القبض في مهمة تجسس داخل سورية "(18) .
ولم تكن تلك آخر حادثة اعتداء على الطيران المدني العربي أو آخر اعتراض وتعرَّض له، فقد أسقطت "إسرائيل" طائرة مدنية ليبية فوق سيناء، مما أسفر عن مصرع /110/ أشخاص مدنيين أبرياء. واعترضت الطائرات " الإسرائيلية " طائرة ليبية كانت في رحلة عادية من طرابلس إلى دمشق عن طريق قبرص، وأجبرتها على الهبوط في فلسطين المحتلة يوم 4 شباط 1986، ونظرت إلى أعمالها تلك على أنها تصرفات تتفق مع القانون الدولي ؟!؟
وإذا أردنا أن نتتبع تلك الأعمال الإرهابية، وأعمال القرصنة الجوية والبحرية التي قامت بها "إسرائيل" ممارسة إرهاب الدولة، محمية بالإمبراطور الكبير الذي يرعى الإرهاب الدولي ويعطيه شرعية بفعل امتلاكه للقوة ويمارسه من علٍٍ، ونقصد الولايات المتحدة الأميركية، فإننا سوف نجد أن " القائمة الدولية طويلة عن أعمال " البلْطَجَة الإسرائيلية " كما يقول جود فري جانسن.
ولكن كل ذلك لا يسمى "إرهابا " في معيار الغرب، ولا يحاكم على أنه كذلك من قبل المنظمة الدولية ومجلس الأمن الدولي المحكوم بالإرادة والمصلحة الأمريكيتين، والذي يمارس ازدواجية معايير صارخة، ويكيل لأحداث متشابهة بمكيالين، واحد للعرب والمسلمين، وآخر له ولمن تحالف معه؛ ولا أدلَّ على ذلك من مسيرة القضية الفلسطينية، والحصار المفروض على شعب العراق والشعب العربي الليبي، ومن الازدواجية القذرة، والتواطؤ العنصري البغيض في البوسنة والهرسك ضد المسلمين البشناق **.)
إن الأقوياء ومصالحهم وتحالفاتهم وتوازناتهم هي التي تعطي الفعل الذي يمارسونه أو يرونه موجهاً ضدهم لونه ومدلوله وعدالته ومسوّغاته، وليس القوانين والعدالة والمعايير الدولية؛ وهذا فضَّاح جداً بالنسبة للموقف من "إسرائيل" التي يناصرها الغرب، وبالنسبة للصرب الذين تناصرهم روسيا ويؤيدهم الغرب على أساس "ديني"، وفضَّاح واضح في ممارسات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية والصومال، وفي ممارسات "إسرائيل" في إفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، حيث كانت تدعم "الإرهاب " وتتاجر بالمخدرات وتصدر أسلحة الرعب؛ وهو على أوضح ما يكون فيما يتعلق بامتلاك الأسلحة النووية أو التوجه نحو امتلاكها في كل من : العراق ـ"إسرائيل" ـ كوريا الشمالية، إذ تكون لكل منها معاملة مختلفة حيال " معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية " حيث تصرخ ازدواجية المعايير من دون أن يلتفت إلى ذلك أحد؛ فقد وضعت تلك المعاهدة موضع التنفيذ عام 1970، ووقعت عليها الدول الخمس التي كانت تمتلك آنذاك أسلحة نووية بشكل معلن، ثم وقعت عليها مئة وخمسون دولة.
" وتلزم المعاهدة الدول التي تمتلك أسلحة نووية بالسعي من أجل نزع سلاحها النووي، كما تطالب الدول الأخرى بالامتناع عن امتلاك أو حيازة أسلحة نووية ووضع المنشآت النووية تحت الرقابة الدولية "(12) . ونحن نعرف ما حلَّ بالعراق، وما يفرض عليه بشأن الرقابة على تلك الأسلحة، والتهديدات التي توجه إلى كوريا، وندرك تماماً أن "إسرائيل" التي تمتلك أكثر من مئتي رأس نووي، وتعمل سرِّياً في هذا المجال منذ الخمسينيات، وأعلن في عدة مناسبات عن قدرتها النووية، أنه لم يطرح أحد من " الكبار " عليها سؤالاً حول هذا الموضوع، بل تُدعم قواها تلك بسرية واستمرار.
أيكون ذلك يا ترى لأن أسلحتها موجهة ضد نوع من المخلوقات ليس لهم علاقة بالبشر، أو لأن من توجه إليهم تلك الأسلحة هم " أعداء " للولايات المتحدة الأميركية والغرب والصهيونية، بحكم العرق والعقيدة والثقافة والتاريخ ؟؟!
ربما كانت الإجابة محجّبة بألف قناع، ولكنها لا تستطيع أن تخفي الانحياز والعداء المقيتين، وازدواجية المكاييل، والنفاق الغربي العريق؛ على أنني سأركز ما أمكن، على موضوع الإرهاب، والدول المصنفة " أميركياً " على أنها مساندة له.
إن أهم ما يوجه إلى تلك الدول، وأبرز ما يطلب منها، يمكن تلخيصه في الآتي :
1ـ ألا تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وألا تحمي من يقاومه، وأن تطرد كل من تشتبه في أنه " وطني " ويريد أن يقاوم "إسرائيل" من العرب والفلسطينيين والمسلمين الذين قد يقيمون في تلك الدول أو يمرون بها، أو يطلبون دعمها.
2ـ أن تحمي الحدود " الإسرائيلية " ـ المتوسعة ـ وتجعلها آمنة، ولاتسمح لأحد بتعكير صفو الأمن والاستقرار فيها.
3ـ أن تعمل على توطيد سلطة الاحتلال وتوسعه الاستيطاني، وأن تقبل بكل ممارساته، وبتفسيره وتسويغه لكل تلك الممارسات، وأن تعترف بسلطته وبشرعية ما يقوم به في الأرض التي يحتلها، وفي المدى الذي يراه مدى استراتيجياً لأمنه العسكري والاقتصادي والاجتماعي.
4ـ أن تعترف "بإسرائيل " وبحقها في الوجود، وبسيطرتها على كل ما يقع تحت سلطتها وسطوتها من أرض وبشر، وأن تنهي الصراع العربي الصهيوني بما يثبت حق تلك الدولة وسيادتها في المنطقة، وتطبيع العلاقات معها إلى الحد الذي تغدو فيه تلك الدول وشعوبها ـ أي دول الوطن العربي ـ سوقاً استهلاكية وامتداداً استراتيجياً للمشروع " الإسرائيلي" المستقبلي، ذاك المتحالف مع مشاريع أميركية ـ وغربية ـ فرنسية الآن ).
إن أهم استخدام " للإرهاب الذي ترعاه سورية داخل لبنان كان يتمثل في فرض انسحاب القوات "الإسرائيلية " ومشاة البحرية الأميركية(20) كما يقول باري روبن، وسورية تشارك إيران، أو إيران تشارك سورية في حماية الشيعة في جنوب لبنان وتمكنهم من المقاومة لتحرير الجنوب، وتلك " تهمة " تعاقب عليها الولايات المتحدة الأميركية و "إسرائيل" والغرب ومجلس الأمن الأميركي المسمى دولياً. وعلى سورية غضبة أساسية لسبب رئيس آخر هو إيواؤها للفصائل الفلسطينية العشرة التي ترفض / غزة ـ أريحا / ولا تريد الاعتراف "بإسرائيل " والتنازل عن وجودها.
أمّا المأخذ الأساس على السودان كدولة إرهاب فهو أنه يقبل بأن تقيم فيه عناصر من حماس والجهاد الإسلامي ممن يفرون من اضطهاد " إسرائيل " وتصفياتها الجسدية وملاحقاتها الأمنية، وكأنأأن المطلوب منه أن يسلمهم إلى الموساد أو إلى الإدارة الأميركية لتقوم بتصفيتهم لأنهم يطالبون بتحرير وطنهم وبالعيش الكريم فوق أرضهم بحرية واحترام ؟!!
أمّا التهم الموجهة إلى ليبيا فهي كثيرة، تبدأ من دعمها وتمويلها وتأييدها لمنظمات فلسطينية تقاوم "إسرائيل" وترفض وجودها، مثل منظمة أحمد جبريل، وانتهاء بدعم ليبيا لثوار ايرلندا والهنود الحمر، وكل أولئك الذين كانوا يوماً على قائمة : حركات التحرر في العالم.
ولأنها تعارض مؤتمر مدريد، وقد تكون فاعلة ـ إذا لم تحصر وتحاصر وتلاحق ـ في التأثير عليه سلبياً، ولأنه لن يسمح بحضور عوامل تؤثر على المناخ الذي أصبح ملائماً لفرض تسوية على العرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وكارثة حرب الخليج الثانية، التي قاد إليها رأي خائب وقرار مُصَنَّع لخدمة الأغراض والمصالح الأميركية.
لقد قال برنارد لويس في محاضرة له في جامعة تل أبيب: " إن صعود الإسلام الأصولي، وهبوط العروبة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، خلقت واقعاً سياسياً جديداً في المنطقة، يمكِّن الزعماء العرب من انتهاج سياسة براغماتية تجاه "إسرائيل" " (21) وقد يكون القذافي معوّقاً أو معطّلاً في مثل هذا المناخ والواقع السياسيين.
كما أن ليبيا متهمة من قبل الولايات المتحدة الأميركية بإسقاط الطائرة الأميركية PAN -AM رحلة رقم 103 فوق لوكربي، ومتهمة أيضاً بإسقاط الطائرة الفرنسية رحلة رقم 772، إضافة إلى رصيد حسابات خاصة تمتد طويلاً وعميقاً، لم يكف في تصفيتها العدوان الأميركي على طرابلس /فيما يشكل إرهاباً دولياً فريداً من نوعه /ولا مهاجمة الطائرات الليبية وإسقاطها في خليج سرت، ولا القرصنة البحرية والحصار وأشكال الضغط والقمع والاضطهاد.
وإيران لها تاريخ حديث يتصل بهذا التاريخ الذي تقدمه كل من أميركا و"إسرائيل" والأحداث وعالم اليوم، وكله محكوم برأيها ورؤيتها. فإيران تدعم الحركات الإسلامية الأصولية التي ترفض الاعتراف "بإسرائيل "، وهي تساعد السودان الذي " يحمي الإرهابيين ". ولكن حقيقة أن السودان بدأ يقاوم الانفصاليين في الجنوب ويؤسس لصيانة وحدة أرضه وشعبه، ويدافع عن الثقافة العربية الإسلامية عند البوابة الإفريقية؛ فتبقى خلفية حقيقية للأحداث والأحكام لا بدَّ من أن يفكر فيها أولئك الذين لا يسيطر عليهم تماماً الإعلام الغربي، والمنظور الأميركي ـ " الإسرائيلي " للأحداث.
أمّا قصة العراق، فهي معروفة إلى الحد الذي لا أرى ضرورة للتوقف طويلاً عندها.
تبقى ملاحظات واستيضاحات تتصل بالفقرة الأخيرة /ج / من التصنيف، أي بالعنف والعنف المضاد اللذين يمارسان في بعض الأقطار العربية، لا سيما مصر والجزائر، بين سلطة ومعارضة كل منهما لجأت إلى العنف أو ألجئت إليه، وأدى تساقيهما كؤوسه إلى تجرع أبرياء للبؤس واليأس والموت جراء ذلك، فضلاً عن خسارة تلحق بالوطن وبكل أبنائه ومجالات نموه، وبالأمتين العربية والإسلامية.
إنني أفضل أن أنظر إلى هذا الأمر في إطار لعبة الوصول إلى السلطة والمحافظة على البقاء فيها، تأكيداً لأهداف وتحقيقاً لأغراض. ولا أود أن أنظر إلى ذلك على أنه صراع بين الكفر والإيمان، ولا بين التقدم والتخلف. ولا يمكنني أن أمر بذلك من دون الإشارة إلى خلفيات تدفع الأحداث والأطراف، قد يلعب فيها التسميم ) المخابراتي للقوى التي لا تريد بالعرب والمسلمين خيراً، دوراً كبيراً.
إن اللجوء إلى العنف، أتى في الجزائر بعد أن تعطل السير في طريق الانتخابات الديمقراطية، وتعطل الحوار. وربما نجد بعض الحق مع من يرفضون القول إنهم سوف ينهون الديمقراطية أو يلغونها بعد أن يصلوا عن طريقها إلى السلطة، لأن في ذلك نوعاً من المصادرة. فاللعبة الديمقراطية إمّا أن نخوضها مع الإقرار بكل ما ستسفر عنه ثم نقوّم الفعل والأحزاب والأشخاص والتنظيمات والممارسات في إطارها، وإمّا أن نحجم عن السير في طريقها. وليست مقبولة مقولة : الديمقراطية لنا، وليست "لأعداء الشعب " ) تلك التي طالما مورست ضد الديمقراطية والوعي والحرية والشعب؛ فمن الذي يحدد بدقة : من هم أعداء الشعب !؟ في وطن كل أبنائه يحق لهم أن يكونوا مواطنين صالحين ما لم يثبت عكس ذلك ؟!؟
أمّا لجوء التيارات الإسلامية إلى العنف أو قولها ـ تأكيدها بأنها إنما اضطرت إلى ذلك بعد أن سُدَّت عليها المنافذ، وأدركت أنها مستهدفة فاضطرت للدفاع عن نفسها، فذلك أمر يحتاج إلى تقويم وتدقيق وتمحيص، كما يحتاج إلى تفصيل في غير هذا المجال، واعتماداً على وقائع ووثائق ومعطيات لا أملكها؛ وكذلك الأمر فيما يتعلق بالآراء والمواقف والمعطيات التي تسوّغ سلوك السلطة.
والحال في مصر العربية يختلف عن الحال في الجزائر، ولكن الشكوى التي تبوح بها السلطات تتركز حول تدخل أجنبي يهدف إلى الاستيلاء على الحكم وتغيير توجهات البلاد، مما يسفر عن كذا وكذا من التحولات والمعطيات؛ والمعارضة لها اعتراضاتها ومآخذها وإيمانها ورؤاها. وما أريد أن أذهب إلى تبنيه من رأي يتلخص في الآتي :
ـ إن تمايزاً ينبغي أن يقوم بين الفعل الموجه للعدو الصهيوني من تيارات إسلامية وغير إسلامية، وذلك الموجه لأنظمة وتيارات وأحزاب داخل الأقطار العربية، ولا بدَّ من البحث عن صيغة ملائمة ومصطلحات ملائمة .
ـ إن المقاومة للاحتلال الأجنبي مشروعة ومطلوبة وتعدُّ عملاً قومياً ووطنياً، وفعلاً إنسانياً مشروعاً، أيا كان سلوك المحتل وسبب احتلاله ومسوّغات فعله، ومن ثم فإن اللجوء إلى العنف ضده لا يسمى إرهاباً وإنما مقاومة وطنية مشروعة وشريفة، خلقية وقانونية وإنسانية، إلى أن يتم التحرير والاستقرار في أرض الشعب والتاريخ بحرية، وتقرير المصير فوقها بملء الإرادة والاختيار.
ـ أمّا العنف المتبادل بين " سلطة ومعارضات " وصولاً إلى الحكم أو إلى فرض الرأي والرؤية فهو يغرق الأبرياء في دوامة تجعل الموت والظلم واليأس والقهر، كل ذلك يتعاون عليهم. ولا بدَّ من أن نبتعد عن ذلك مختارين الديمقراطية النظيفة والخاصة بكل بلد وظروف ومرحلة، لنصل إلى علاقات عمل وتعامل، وإلى بناء مجتمع مدني لا يفقد عقيدته وهويته، وإيمان ديني لا يفقد صلته بالعصر والحضارة ومتطلبات العيش والدفاع والتقدم؛ بعيداً عن :" تسخير الدين واتهامه " من قبل المعارضة والسلطة في آن معاً، أو من قبل معارضة ومعارضة.
ـ إن العنف الذي يشل الحياة والأداء السليم للمواطن والوطن لا بدَّ أن يتوقف عن النمو، وألا يدخل في ثأرية كيدية مقيتة، وألا يقود إلى تسلط من أي نوع. وعلينا أن نبتعد " سلطة ومعارضة " تيارات إسلامية وغير إسلامية ـ عن الأخذ بمقولات الإعلام الغربي التي ترمي إلى اتهام الإسلام بالإرهاب، وتظهر العودة إلى أصوله العريقة والسليمة على أنها مصدر التطرف والعمل " الإرهابي ".
في النهاية أريد أن أسجل الخلاصة الآتية :
1- إن الإرهاب الدولي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، ومسلسل الإبادة العنصري ـ الصهيوني الذي يستمر ضد السكان العرب في الأرض المحتلة، كل ذلك عمل إرهابي ـ عنصري ـ يشكل جريمة ضد الجنس البشري وضد الإنسانية، وتُحاكم عليه القوانين الدولية، ولا بدَّ من أن تتوقف هذه الممارسات ضد شعبنا؛ كما أنه ينبغي أن تعيها ذاكرتنا، لأن ما ارتكب منها ضد شعبنا ينبغي ألاَّ يمر من دون حساب قانوني عادل في المستقبل.
2- إن الولايات المتحدة التي تكيل بمكيالين، وتحابي، وتنافق بوضوح، تنفذ مخططاً ضد شعبنا ودولنا وأمتنا وعقيدتنا وثقافتنا؛ وعلينا أن ننتبه إلى ذلك فلا نغرق في المستنقع الذي تصنعه لنا، وأن نتعامل مع الواعين من مفكريها وسياسييها لتخرج إلى دائرة ضوء أفضل، ومعيارية خلقية أسلم، وإلى علاقات لا يحكمها الحقد وتاريخ البغض، علاقات تحترم سيادة كل الأمم والشعوب والبلدان وثقافاتها وخصوصياتها، وتراعي مصالحها والصلات الطيبة معها.
3- إن "إسرائيل" سوف تبقى وفية لطبيعتها العنصرية، وسوف تبقى كياناً استعمارياً ـ استيطانياً معادياً، وسوف تمارس ضدنا إرهاباً وتفتعل الحوادث والأسباب لشن حروب علينا ولتشويه صورتنا `في العالم؛ وما لم نملك قوة في كل مجال من مجالات القوة /علمية ـ اقتصادية ـ عسكرية ـ اجتماعية ـ تقنية...الخ / فإننا لن نحسم صراعنا معها، الذي كان وسيبقى صراع وجود مع وجود، وليس نزاعاً على حدود، مهما أقرت السياسات الحالية ونفذت من اتفاقيات.
إن "إسرائيل" كيان دخيل يعوق تقدمنا، ويغتصب أرضنا، ويشوِّه صورتنا و كرامتنا وتاريخنا، ويجلب علينا الويلات، وليس له وجود بيننا وفي وطننا إذا أردنا أن يكون لنا فيه وجود؛ وعلينا أن نعمل بنفس طويل ولنبدأ من التربية والمدرسة والنفس البشرية في أعماقها، لنقيم قدرة وإرادة ومسؤولية ومؤسسات مجتمع تسمح بولادة مناخ الوعي والتحرير والعمل من أجلهما.
4- إن معظم عوامل ضعفنا متأتية من أنفسنا، ومن تمزقنا وموالاتنا لأعدائنا، ومن ضياعنا بأشكال مختلفة، ومن البحث الرديء عن خلاص شخصي أو قطري أردأ وأقل جدوى، وليس لنا مخرج مما نحن فيه إلا بتأسيس علاقات نظيفة على أسس وقيم ومعايير سليمة، نستمدها من تاريخ العروبة والإسلام في وحدتهما المتألقة، ومن تعاليم الدين الحنيف ومعطيات العلم والعقل، كما أنه لا يوجد خلاص /فردي قطري/ من أي نوع، فالخلاص يكون قومياً أو لا يكون، في ظل المعطيات والمتغيرات الدولية والعربية الراهنة، وفي ضوء معطيات العلوم الإنسانية والعلوم المحضة التي تطالعنا بعطاءاتها ونتائجها المذهلة.
وقل " إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم ".
صدق الله العظيم
المراجع :
(1) :تقرير الأمم المتحدة 100/48/ A صـ 426، 23926 - 93.
(3) : المصدر السابق، ص 427.
(4) : عن جريدة السفير، تصريح مايكل ماكوري، 18 ـ 9 ـ 1993، صـ 1.
(5) : عن جريدة السفير في 16/3/ 1993.
(6) : نعوم تشومسكي، الإرهاب الدولي : الأسطورة والواقع، صـ 13، ترجمة لبنى صبري، منشورات : سينا للنشر، القاهرة 1990، ونورد هنا بعض التعاريف لرجال قانون يسوقها الدكتور محمد عزيز شكري في كتابه الإرهاب الدولي :
تعريف : ألِكْس شميد وألبرت جونغمان Alex Schmed & Albert I. Jongman في كتابهما الإرهاب السياسي، يعرف الإرهاب بقوله : الإرهاب هو أسلوب من أساليب الصراع الذي تقع فيه الضحايا الجزافية أو الرمزية كهدف عنف فعال، وتشترك هذه الضحايا الفعالة في خصائصها مع جماعة أو طبقة في خصائصها مما يشكل أساساً لانتقائها من أجل التضحية بها. ومن خلال الاستخدام السابق للعنف أو التهديد الجدي بالعنف، فإن أعضاء تلك الجماعة أو الطبقة الآخرين يوضعون في حالة من الخوف المزمن الرهبة ). هذه الجماعة أو الطبقة التي تم تقويض إحساس أعضائها بالأمن عن قصد، هي هدف الرهبة، وتعتبر التضحية بمن اتخذ هدفاً للعنف عملاً غير سوي من قبل معظم المراقبين من جمهور المشاهدين على أساس من قسوة، أو زمن وقت السلم مثلاً) أو مكان في غير ميادين القتال ) عملية التضحية، أو عدم التقيد بقواعد القتال المقبولة في الحرب التقليدية، وانتهاك حرمة القواعد هذا يخلق جمهوراً يقظاً خارج نطاق هدف الرهبة. ويحتمل أن تشكل قطاعات من هذا الجمهور بدورها هدف الاستمالة الرئيسي.
والقصد من هذا الأسلوب غير المباشر للقتال هو إمّا شل حركة هدف الرهبة وذلك من أجل إحداث إرباك أو إذعان، وإما لحشد أهداف من المطالب الثانوية حكومة مثلاً ). أو أهداف للفت الانتباه الرأي العام، مثلاً ) لإدخال تغييرات على الموقف أو السلوك بحيث يصبح متعاطفاً مع المصالح القصيرة أو الطويلة المدى لمستخدمي هذا الأسلوب من الصراع)).
عن د. محمد عزيز شكري من كتاب الإرهاب الدولي صـ 46، عن شميد وجونغمان في كتاب الإرهاب السياسي صـ 2-1.
يعرف أ. د. شريف بسيوني الإرهاب بما يلي :
الإرهاب هو استراتيجية عنف محرم دولياً، تحفزها بواعث عقائدية أيديولوجية )، وتتوخى إحداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة أو للقيام بدعاية لمطلب أو لمظلمة بغض النظر عمَّا إذا كان مقترفو العنف يعملون من أجل أنفسهم ونيابة عنها أم نيابة عن دولة من الدول ))، يسوق هذا التعريف د. محمد عزيز شكري في كتابه الإرهاب الدولي صـ 48 ط/1، منشورات : دار العلم للملايين عام 1992.
أمّا الدكتور عزيز شكري فيقول :
يمكن للمرء أن يستنتج بأن عدم وجود تعريف لأعمال الإرهاب الداخلي وعقوبة خاصة بها في تشريعات غالبية الدول ينفي وجود توصيف " جريمة" للإرهاب .... ) وطبقا للمبادئ العامة للقانون التي أقرتها الأمم المتمدنة " بمعناها الوارد في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، كمصدر من مصادر القانون الدولي العام، توجد جريمة دولية للإرهاب مستقلة عن غيرها من الجرائم ".
الإرهاب الدولي، صـ 56-57.
(7) : المصدر السابق صـ 59.
(8) : نعوم تشومسكي : الثالوث الخطر والمصير المحتوم، صـ 71، ت : علياء رافع.
(9) : عن السفير في 24/3/ 1994.
(10) : سيمحا فلابان، الصهيونية والفلسطينيون صـ 116.
(11) : نعوم تشومسكي، الثالوث الخطر صـ 93.
(12) : نعوم تشومسكي، الإرهاب الدولي، صـ 87.
(13) : المصدر السابق، صـ 88.
(13) : عن الحياة 3. 5. 1994 ص 15، السفير محمد الفرا، سوابق قتل السلام في سجل الإرهاب الإسرائيلي.
(14) : أر نولد توينـبي، دراسة في التاريخ مجلد 8 ص 290 عن جريدة الحياة في 3. 5. 1994 ص 15.
(15) : نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 4083 تاريخ 1994.4. 7-6.
16 ) : نعوم تشومسكي، الإرهاب الدولي، صـ 91.
* : موضوع قرار المجلس رقم 731 الصادر في كانون الثاني /يناير من عام 1992 وحسب المفهوم والتفسير والتصوير الأميركي :
" يطالب هذا القرار ليبيا بالتعاون الكامل مع السلطات الأميركية والبريطانية في التحقيق بشأن حادث تفجير طائرة الركاب الأميركية PAN - AM بان أم رقم 103 عام 1988، كما يطالب ليبيا بالانصياع لمطالب القضاء الفرنسي في حادث تفجير طائرة الركاب الفرنسية رقم 772 عام 1989، ولقد قتل في هذين العملين الوحشيين من أعمال الإرهاب الدولي أكثر من 400 شخص .....) ويطالب قرار مجلس الأمن الدولي ليبيا بتسليم الليبيين المشتبه في تورطهما في حادث تفجير الطائرة الأميركية فوق لوكربي للمحاكمة في الولايات المتحدة أو في بريطانيا. كما يأمر القرار ليبيا بالتعاون مع السلطات الفرنسية فيما يتعلق بحادث تفجير الطائرة الفرنسية رقم 772 وعلاوة على ذلك فإن ليبيا مطالبة بدفع تعويضات لأقارب ضحايا حادثي التفجير والكف عن دعمها للإرهاب الدولي.".
نشرة السفارة الأميركية رقم 4097 تاريخ 27 ـ 4 ـ 1994 صـ 4 ولكن هذه التهمة وجهت لأكثر من دولة، فقد وجهت لـ : إيران ـ ليبيا ـ سورية ـ أحمد جبريل، وكانت سلاحاً بيد الولايات المتحدة ترفعه بوجه من تشاء عندما تشاء، وقد أحييت هذه التهمة بعد نهاية حرب الخليج ثانية وركزت الاتهام على الجماهيرية الليبية، ولذلك أيضاً علاقة بمؤتمر مدريد وما تلاه.
(17) : هذه الواقعة مسجلة في الصحافة والوثائق العربية، وقد اخترت أن أشير إلى توثيق نعوم تشومسكي اليهودي لها في كتابه "الإرهاب الدولي " صـ 80.
(18) : تشومسكي، الإرهاب الدولي صـ 80.
**) قالت مادلين اولبرايت ممثلة الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن في خطاب لها أمام المجلس بتاريخ 24 ـ 4ـ 1994
لقد تعرض المدنيون في غوراجدا لهجمات قاتلة يوماً بعد يوم من قبل صرب البوسنة. وليس لهذه الهجمات الجائرة على المدنيين مسوّغ عسكري وغايتها هي إرهاب سكان غوراجدا لحثهم على ترك منازلهم ومدينتهم وهدفها هو التطهير الإثني. وهي أعمال يستنكرها ضمير هذا المجلس وتشكل إهانة للقانون الدولي )، نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 4096. تاريخ 26 ـ 4 ـ 1994 صـ 5.
ولكن أحداً لا يقدم الصرب على أنهم إرهابيون، ولا يذكرهم الإعلام الغربي على أنهم عنصريون يمارسون إبادة الجنس على أساس " عرقي ـ ديني " فهل ذلك لأنهم قبل سنوات أعلنوا تحالفاً مع الصهاينة وقال فيه مسؤولون من الطرفين إنهم يتعرضون ـ هم والصهاينة للاضطهاد، فصدق الأميركيون خاصة والغربيون عامة أنهم يقومون بأعمال الإرهاب المضاد، أو الدفاع عن النفس بضربات " وقائية " تتقن ""إسرائيل" " استخدامها والحديث عنها، وتتقن الولايات المتحدة الإصغاء إليها وتفهم مغازيها وتقوم بتغطيتها سياسياً ودبلوماسياً كما تحسن تشجيعها وجعلها تعس تحت الرماد، وتحرق ببطء خبيث؟! ربما.. فلم يعد أمام الولايات المتحدة إلا أن تتكلم علناً بعد كل هذه السنوات من الصمت، والكلام لا يتحول إلى قرارات على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة كما هي الحال مع العراق، لأن الصرب ليسوا العرب وليسوا من المسلمين، ولذلك يبقى القرار /713 / الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن حظر السلاح على البوسنة مطبقاً على " البشناق " فقط، وغير قابل للتعديل، بينما يمد الروس الصرب بالسلاح والمقاتلين، وكذلك تفعل "إسرائيل" فالمعركة واحدة في النهاية لأنها ضد أعداء مشتركين؟!؟
(19) : نشرة السفارة الأميركية بدمشق 4097 تاريخ 27 ـ 4 ـ 1994 مقتطف من تعليق إذاعة صوت أميركا يوم 27 ـ 4 ـ1994 الذي يعبر عن وجهة نظر الحكومة الأميركية، وقد تقصَّدت أن آخذ النص من هنا وليس من المعاهدة لأن هذا يؤكد موقف الإدارة الأميركية اليوم من المعاهدة والنص، والمطالبة بالتنفيذ والمحاسبة في ضوء ذلك.
(20) : نعوم تشومسكي، الإرهاب الدولي.
(21) :دافيد أفيدان، دافار 19 /11/ 1993 عن السفير 20/12/1993 ترجمة كمال إبراهيم.
(1) فبعد أن هاجم الثوار الفرنسيون سجون باريس وضواحيها وقتلوا مجموعة كبيرة من مؤيدي الملك المحتجزين فيها 2أيلول 1792)، عمدت "لجنة الترصد" إلى تبرير ذلك العمل في مذكرة وزعتها على جميع المقاطعات وجاء فيها أن تلك الأعمال "كانت إجراءات عادلة قام بها الشعب بهدف كبح جماح ألوف الخونة بواسطة الإرهاب". وفي خطاب ألقاه أحد مندوبي الشعب في إحدى جلسات المجلس الثوري، جاء هذا النداء: " أيها المشرّعون، ضعوا الإرهاب على جدول الأعمال.. وليحوّم سيف القانون فوق جميع المجرمين".
قال روبسبيير بهذا الصدد: "ليس إلى قلوب المواطنين والتعساء يجب توجيه الإرهاب بل إلى ملاجئ المجرمين الأغراب حيث يقتسمون الأسلاب ويشربون دم الشعب الفرنسي".
الموسوعة الفلسفية مجلد صـ
(2) يقول فولتير: "تقوم في جعل الآخرين يتصرفون تبعاً لاختياراتي". للحرب"فعل عنف يهدف إلى إجبار الخصم على فعل ما أريد".ـ الموسوعة الفلسفية صـ32
(3) هذا ما كان ك. رايت- ميلز يقوله: "سلطة للناس على الناس قائمة على أساس أدوات العنف المشروع منظوراً إليه على أنه مشروع".ـ و"إن الدولة تشكل أداة قمع تمتلكها الطبقة المسيطرة.المصدر السابق ص31
(4) يقدم الدكتور أحمد جلال عز الدين تعريفاً للإرهاب فيقول : " الإرهاب هو عنف منظم ومتصل بقصد خلق حالة من التهديد العام ، الموجه إلى دولة أو جماعة سياسية ، والذي ترتكبه جماعة منظمة بقصد تحقيق أهداف سياسية . " / الإرهاب والعنف السياسي ـ منشورات دار الحرية للصحافة والطباعة والنشر القاهرة ـ صـ 49
وقدمت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب التعريف الآتي للإرهاب : " كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر."
|