صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الباحثون عن الحياة

الذين يعلقون آمالاً على تدخل أميركي مؤثر في محادثات السلام، من شأنه أن يخفف من صلف الكيان الصهيوني العنصري، أو يرغم قادته على تنفيذ القرارين 242 / 338 واحترام القوانين والأعراف الدولية، وقبول مبدأ الأرض مقابل السلام؛ تدخل يجعل ذلك الكيان يكفّ ولو مؤقتاً عن ممارسة القتل والطرد والاضطهاد ضد الفلسطينيين، وإيقاف بناء المستوطنات؛ أقول الذين يعلِّقون آمالاً على ذلك هم واهمون، أو حالمون يتعلقون بحلم لن يطول الاستغراق فيه، وسوف يواجهون الصدمة، ويجاهرون بإحساسهم بها، ذلك الإحساس الذي يحاصرهم ويكاد يخنقهم. فالولايات المتحدة لن تتدخل إلا إذا كان تدخلها لمصلحة " إسرائيل "، ولن تنقُض تعهداتها التي كان منها ألا توافق على أي قرار في مجلس الأمن يدين " إسرائيل "، وتمنع أي قرار يدينها خلال فترة المحادثات. ولم يكن هذا التعهد إلى جانب تعهدات أخرى تعهداً عارضاً، أو فعلاً في إطار تطمين " إسرائيل " وتقديم بوادر حسن النية إليها، وإقناعها بأن المنظمة الدولية لن تمارس ضغطاً من أي نوع عليها وهي تقوم بتعطيل المحادثات، أو تؤسس لتنفيذ برنامجها الحقيقي خلال تلك الفترة وهو ابتلاع الضفة الغربية والجولان وغزة وإغراقها بالمستوطنات والمهاجرين اليهود، وسحق إرادة السكان العرب كلياً وإذلالهم إلى الحد الذي يقبلون فيه بقاءً من أي نوع وحلولاً من أي نوع، بل كان ذلك التعهد التزاماً بتمكين " إسرائيل " من تحقيق مخططاتها.‏

ولقد ظهرت وتظهر كل يوم مؤشرات ودلالات على ذلك لمن يريد أن يقرأ ويستنتج ويعرف واقع الأمر.‏

فأميركا قامت بتعهدها بإلغاء القرار 3379 وأكرهت عرباً وأقنعتهم بالتصويت لصالح إلغائه، وأميركا صوتت ضد قرار يطالب " إسرائيل " بإيقاف بناء المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة، وهي سوف تقدم ضمانات القروض بعشرة مليارات دولار في الموعد المحدد، لبناء تلك المستوطنات، وستعرف كيف "تقنع" آخرين بتقديم الأموال اللازمة لتوطين يهود الاتحاد السوفييتي السابق في فلسطين المحتلة، وإيجاد عمل لهم، وتطوير قدرات " إسرائيل " العدوانية والاقتصادية.‏

فالولايات المتحدة لديها قضيتان أو مصلحتان رئيستان تحكمان سياستها في الشرق الأوسط بالدرجة الأولى وهما: النفط وإسرائيل، وحين يتم تعارض ما بين المصلحتين أو المبدأين الاستراتيجيين الهامين فإن الترجيح يتم لمصلحة إسرائيل، لأن أميركا ترى في بقاء الدولة الصهيونية قوية، ضمانة لتدفق النفط بشكل من الأشكال، لأن بقاءها، وبقاءها قوية، سوف يرغِم العرب على استشعار الخوف وطلب الود الأمريكي، وفتح أنابيب النفط حتى لو أرادوا إغلاقها.‏

لقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بدعم " إسرائيل " في حروبها ضد العرب، وستقوم بدعم تلك الحروب مستقبلاً، وهي على استعداد، حتى بعد أن أصبحت الدولة الأعظم والأوحد من حيث القوة والسطوة في عالمنا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أقول هي على استعداد لخوض حروب من أجل " إسرائيل " وإلى جانبها، وعلى استعداد لمناصرة عدوان " إسرائيل " واحتلالها وابتلاعها للبقية الباقية من أرض فلسطين والمحتل من أرض العرب.‏

و"إسرائيل " ترى اليوم الأزمة الاقتصادية الأميركية رؤية موضوعية وواقعية، وتعرف أن الرئيس بوش الذي ذهب يروج لبيع السيارات الأميركية في اليابان ويسوق البضائع الكاسدة في الشرق الأقصى سوف ينشغل تماماً بالانتخابات وسيلتفت إلى المشاكل الداخلية التي لا بد أن يوليها كل الاهتمام في هذه الظروف، وسوف ينشدُّ إلى ما يشده إليه الإعلام الذي توجهه الصهيونية والذي يلاحقه هذه الأيام بمقولات أميركية داخلية.‏

ومعنى هذا أن الإدارة الأميركية ستكون تحت رحمة ذوي النفوذ في أميركا: أصحاب المال، والإعلام، ورجال الصناعة الكبرى، وستحتاج إلى مساعدة الصهاينة ذوي النفوذ هناك، والصهاينة العنصريين ذوي المطامع والبرامج الطموحة في فلسطين المحتلة، وهؤلاء مترابطون ومسيطرون في أوساط على رأسها الكونغرس. فهل يمكن للإدارة الأميركية أن تواجههم في ظروف اقتصادية صعبة، وفي انتخابات على الأبواب، وفي مناخ دولي يكاد يغرقها بمشكلاته وأولياته ؟‍.‏

أقول لا، لن تقوم الإدارة الأميركية بمغامرة في هذا المجال، وسوف تلعب على المضمون، والمضمون هنا هو أن تترك " إسرائيل " تتسلى بالعرب، لأنه ببساطة لا يرفع العرب صوتاً ولا رأساً بوجه أميركا ولا يملكون قوة. وهي عند الضرورة القصوى سوف تقول لهم بوضوح: " إسرائيل " تملك أسلحة نووية وأنتم لا تملكونها، وأخشى أن تضربكم في لحظة طيش من قادتها وأنا لا أملك أن أدفع عنكم الشر ولا أمنع حصوله، فـ " إسرائيل " تملك قرارها وتتصرف بما يحمي مصالحها ويحقق أهدافها، وأنا لن أخوض حرباً من أجلكم كما أن الاتحاد السوفيتي من قبل لم يخض حرباً من أجلكم، وقال لكم، وقد كان حليفاً لكم، بأنه لن يفعل ذلك؛ وعلى هذا فمن الواجب أن تعرفوا الواقع جيداً، وتضعوا كل الاحتمالات وتتصرفوا بوعي وواقعية ومسؤولية.‏

وترجمة هذا عملياً أن يقبل العرب أحد أمرين:‏

-سلام شامير الذي يعرضه مفاوضوه دون تنازل عن شبر من الأرض المحتلة، واستمراره في توطين اليهود في ما يسميه " أرض إسرائيل ".‏

-أو التوقف عن متابعة المحادثات وتقويض مسيرة "السلام" وتحمل نتائج ذلك ومسؤولياته.‏

وفي حال قبولهم للأمر الأول فإن خسرانهم واضح للأرض والحق والقضية. وفي حال قيامهم بالأمر الثاني فإن نجاح " إسرائيل " في مخططها الرامي إلى تفويض السلام وتحميل العرب مسؤولية ذلك، وإظهار هم بمظهر الرافض للسلام، سيكون مضموناً وسيتيح ذلك لأمريكا أن تعلن أنها قامت بما تعهدت به في أثناء حرب الخليج الثانية، وعملت على عقد مؤتمر سلام؛ واختار أطراف ذلك المؤتمر ولا سيما العرب عدم الاستمرار فيه لأنهم لا يريدون السلام، ولا يمكن أن تجبرهم هي على ما لا يريدون؛ وهي حيال ذلك تترك الأمور لأهل المنقطة ليحلوا أمورهم بالطريقة التي يرونها ملائمة!! وسوف تزعم أنها تنصرف إلى شؤون داخلية طالما أهملتها. ولن يكون ذلك الوضع ملزماً لها بشيء فثوابتها الاستراتيجية واضحة، وتحالفاتها واضحة، وهي تتعهد بحماية أمن " إسرائيل " ورفاه شعبها، ويبدو لها من وجهة نظرٍ تراها واقعية وموضوعية، أن أمن " إسرائيل " يقرره الإسرائيليون وهي توافق على ما يقررون، وسعادة شعب الدولة العبرية ورفاهه لا يمكن أن يتحقق طالما لم تكن هناك مجالات حيوية جغرافية واقتصادية، وموارد طبيعية على رأسها المياه، محقَّقَة لذلك الشعب، ولما كانت هنا ضامنة لرفاهه فهي تقدم المال له وتحمي مجاله الحيوي، الذي يوفر له الدخل اللازم للسعادة، كما تحمي الأمن الذي يوفر شروطها الأولية.‏

هذا المنطق الأميركي منطق معلن وصريح وتقوم الإدارة الأميركية بممارسته تثبيتاً له من جهة وإظهاراً لمفهومه لمن يريد أن يعرف ذلك المفهوم من جهة أخرى.‏

فكيف ترانا نواجه ذلك الواقع السياسي والدولي الساطع في وضوحه ومراميه وقوته ؟!‏

-هل نرفض الاستمرار في لعبة المفاوضات التي تقوم " إسرائيل " بعرقلتها باستمرار ولم تتوقف، احتراماً منها لها، لم تتوقف عن القتل والطرد وهدم البيوت وممارسة أشكال الاضطهاد؟!‏

-هل نلعب لعبة مقابلة تجعل عامل الوقت لصالحنا؟! وهل يمكن ذلك؟! وهل لتلك اللعبة من وجود بغياب مقوماتها ؟!‏

-هل نقبل منطق المراوغة " الإسرائيلي " ونجاريه حتى نصل في النهاية إلى عظْمة قد نعاف النظر إليها؟!‏

-هل لدينا بدائل عربية ودولية أخرى تخرجنا من دوامة اللعب والعبث والتواطؤ، الذي يرمي إلى إحراجنا أو إخراجنا، أو إلى تيئيسنا؟!‏

إن الأسئلة كثيرة، والمرارة تتراكم خلف كل سؤال، والوضع العربي يشكل أشد العوائق وأكثرها ضغطاً على الأمة، ولكن رغم ذلك كله، لا بد من العمل والبحث عن مخارج، فمن يتعلق بالحياة لا يكفّ عن العمل لاكتشاف ما يحميها ويحفظ مقوماتها واستمرار تدفقها.‏

الأسبوع الأدبي/ع295//1992.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244