صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

ضرورة مواجهة تكثيف الهجرة والاستيطان

لا أعرف كيف يمكن أن نواجه الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة التي أخذت وتائرها تتصاعد هذه الأيام موازية لجولات محادثات السلام.‏

فمن الواضح أن الحركة الصهيونية تنفذ برنامجاً خاصاً يتسم بالصرامة والسرعة والجدية لنقل أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين المحتلة خلال عام 1992، لفرض أمر واقع على العرب والعالم يقضي بمراعاة الحقائق الجديدة على الأرض حيث يتوطَّن اليهود في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 وتُوفَّر لهم المساكن والأموال اللازمة للاستقرار والعمل.‏

فقد بدأت رحلات السفن البحرية بين أوديسا وموانئ فلسطين المحتلة لنقل الآلاف شهرياً، وأضيف إلى ذلك فتح خطوط جوية خاصة بين عواصم بعيدة وتل أبيب، مثل طشقند، لنقل اليهود بالطائرات.‏

وهذا التطور يضعنا أمام خطر كبير، إن لم يوضع لزحفه حد فلن يجد العرب في الأراضي المحتلة ما يفاوضون عليه سوى سلامة أرواحهم وهم يهربون بعيداً عن أرض الآباء والأجداد.‏

لقد هيأت الصهيونية و" إسرائيل " الأموال اللازمة والظروف الملائمة لتحقيق مرحلة توسع استيطاني جديدة من مشروع " إسرائيل " الكبرى، ففي اجتماع الحاخامين من أنحاء العالم، الذي تم مؤخراً في فلسطين المحتلة، تحققت أشياء كثيرة على طريق حل مشكلة التمويل، عن طريق سندات مضمونة القيمة تمنح للذين يقدمون أموالاً لـ " إسرائيل " لسنوات طويلة وابتزاز دول ومؤسسات وهيئات ذات تمويل وتأثير شديد في أسواق السياسة والمال عالمياً، وإيجاد طريقة ُمرْضِية للحصول على ضمانات القروض الأميركية، والألمانية التي لم يتم التحدث حولها كثيراً في العلن.‏

وعلى الذين يتباشرون خيراً بتشديد الإدارة الأميركية في منح ضمانات القروض لـ " إسرائيل " بعشرة مليارات دولار، ويرون في إمكانية تقسيطها على دفعات- ملياران كل عام - وسيلة أو أداة ضغط في يد أميركا تمكنها من منع توظيف تلك الأموال في بناء مستوطنات، عليهم أن يتذكروا جيداً.‏

- إن أميركا صوتت هي و" إسرائيل " في الأمم المتحدة ضد قرار يوصي بوقف بناء المستوطنات.‏

- وإن تقسيط المبلغ فعل ظاهره إرضائي للعرب وباطنه إجراء عملي منطقي يأخذ بالاعتبار أن صرف مبلغ ملياري دولار أميركي سنوياً على الاستيطان أمر مقبول، وقد لا تستطيع وزارة الإسكان والمؤسسات الإسرائيلية استنفاد مثل هذا المبلغ فعلياً خلال العام الواحد، ولذلك فإن هذا يأتي في إطار تقنين وبرمجة لا يعوقان المشاريع بأي حال من الأحوال.‏

- أنه بعد انقضاء عام على بدء المحادثات في إطار مؤتمر السلام ستكون هناك إدارات جديدة في أميركا و" إسرائيل " ليست ملزمة بالضرورة بما سبق وأقرته الإدارات السابقة، وستكون فترة عام كافية لخلق واقع جديد في المنطقة يُطرح على العرب ليأخذوه في الاعتبار.‏

وإذن كيف يمكن أن نحول دون ابتلاع " إسرائيل " للأرض، وخلق واقع يشيع اليأس في نفوس أخواتنا في الأرض المحتلة؟!‏

- هل سيتم ذلك باستمرار ثورة الحجارة؟! إن ذلك فعل نبيل، ولكن علينا أن نتذكر جيداً أن الحجر لن يقف بوجه الدبابة، وأن كل حادثة تتم فيها مواجهة دامية يقتل فيها عرب وتقام فيها مستوطنات دون أن تكون هناك ردود فعل عربية وعالمية مؤثرة، الأمر الذي يطلق يد " إسرائيل " في متابعة تنفيذ برامجها في الاستنزاف والاستيطان!؟!‏

- هل يتم ذلك بوقف المحادثات في مؤتمر السلام ليتحقق تجميد أو إيقاف للاستيطان؟! إن ذلك سيجعل " إسرائيل " تحمِّل العرب مسؤولية وقف المفاوضات وتعطيل مسيرة السلام، وهو أمر تسعى إليه، ولن يجعلها تتوقف عن بناء المستوطنات واستقدام المهاجرين لأن استراتيجيتها في هذه المرحلة تتركز فيما يبدو على تطوير القنبلة السكانية، وقضم الأرض التي يقف عليها العرب.‏

- هل سيتم ذلك باللجوء إلى المنظمات الدولية وفي مقدمتها مجلس الأمن؟! وما الذي قدمته قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ القرار 181عام 1947 وحتى يوم الناس هذا؛ وكلها قرارات تتم استناداً إلى الباب السادس من الميثاق ولا تخرج عن كونها توصيات غير ملزمة في نهاية المطاف؟!‏

وهل ينتظر أحد أن يكون للأمم المتحدة ولمجلس الأمن وضع أفضل في مؤتمر السلام بعد إلغاء القرار 3379 الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية، وبعد أن أصبح صهر الحاخامات وابنهم مسؤولاً كبيراً في تلك الهيئة المعتبرة؟!‏

إن ذلك وهم يفوق حدود الظلم الذي نحن فيه فلن يكون للمنظمة التي سقطت نهائياً في يد أميركا والصهيونية العالمية أي دور أو تأثير إيجابي على أعدل قضية وأبأسها في الوقت ذاته في تاريخ الأمم المتحدة منذ قيامها وريثة لتركة عصبة الأمم.‏

- هل يتم ذلك بالدعوة إلى ممارسة ضغوط دولية من خلال استخدام المؤثرات العربية على تلك الدول، لا سيما ترابط المصالح والمنافع؟!‏

إن الذين بأيديهم أوراق التأثير الأولى من العرب، لا سيما أولئك الذين يملكون البترول والمال، لا يريدون ولا يستطيعون فعل شيء من ذلك، فكل شيء غدا تحت سيطرة الغرب، وبشكل مباشر في الآونة الأخيرة، ولا يكاد يملك "المالكون" إلا التصرف بما يقيتهم ولا يميتهم مما يملكون، بَلْهَ التصرف حسب ما تمليه إرادة حرة وقرارات لسياسة عربية تخدم قضية الأمة ككل.‏

إننا، والسكين على العنق، ملزمون بالبحث عن مخرج ومضطرون للتفكير بجدية وهدوء، لأن الشعارات والمهاترات والانفعالات الصاخبة أوصلتنا بعد التي واللتيَّا إلى ما نحن فيه اليوم من بؤس الإحباط، حتى لا نقول اليأس.‏

إن ترتيب الساحة السياسية والاقتصادية العربية مدخل إلى مخرج، وإعادة التلاحم والتواصل والتفاهم إلى الأسرة العربية مدخل إلى مخرج، واستخدام القوة العربية المؤثرة في المصالح الغربية والدولية التي تصنع القرار السياسي العالمي أو تؤثر فيه مدخل إلى مخرج، وإن تقوية القدرة الدفاعية العربية، وحماية الإنسان، الذي تهان كرامته في كل دقيقة على الأرض العربية وتغرس فيه أحاسيس باليأس والدونية لدى كل فعل، والثأر للدم المستباح والأرض المنهوبة بالتعاون العربي الفعال في ساحة على الأقل من ساحات المواجهة؛ هو أكثر من مدخل إلى مخرج سليم، إنه وضع القدم على الطريق الصحيحة، طريق بناء القوة، وتحرير الإرادة والقرار، ومن ثمة الأرض والإنسان، فهل نفعل قبل فوات الأوان؟!‏

إننا لن نفقد الأمل بأهلنا وأمتنا وقادة الرأي في وطننا الذي عرف في تاريخه الطويل كيف يتجاوز المحن ويصمد للصعاب ويبقى في حدود شخصيته وثقافته ووجوده المتمايز والمتميز معاً بين الأمم والحضارات.‏

الأسبوع الأدبي/ع297//1992.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244