|
العرب والغرب والمستقبل
لم يعد الغرب بحاجة إلى ورقة التوت ليستر بها عريه وعورته وعاره فيما يتصل بممارسة العدوان والإرهاب، وتحت ستار مقاومة العدوان والإرهاب؛ وهو بعد قراريه المتعلقين بالجماهيرية الليبية 731 و 748 يخلع تلك الورقة ويرميها في وجه العرب أولاً وشعوب العالم النامي ثانياً، ويعلن بوضوح تام أن قضية تسليم المتهمين الليبيين ليست هي المطلب النهائي له، وإنما هي مدخله الذي تذرع به لاستصدار القرارين على أساس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لممارسة الضغط والتهديد والتخويف والتمهيد للعدوان للوصول إلى تحقيق أغراضه البعيدة؛ بعد أن تلفّع براية الأمم المتحدة ورفعها باسم عدالته هو، وهي عدالة مشبوهة ومشوهة وقذرة إلى أبعد الحدود، بعد أن فعل ذلك أخذ يطالب الجماهيرية عموماً والعقيد القذافي على وجه التخصيص، وبأسلوب فيه تحد وامتهان، بتنفيذ طلبات مذلة دون شروط؛ خلال مدة أقصاها الخامس عشر من نيسان. والطلبات لا تتعلق بموضوع الطائرتين الأميركية والفرنسية فقط، وإنما بتحميل ليبيا مسؤولية دعم كل من يضايق الغرب بمطالب عادلة من ايرلندا إلى الباسك ومن أميركا اللاتينية والهنود الحمر إلى الأفارقة والآسيويين المضطهدين وكل من يختار الخروج على شريعة الغاب الأنجلو سكسونية وكل من يفكر بالتحرر من الاستعمار وتحرير نفسه من النهب الاقتصادي الذي يمارَس ضده. فليبيا مطالبة الآن بتسديد فواتير قديمة تتعلق بالجيش الجمهوري الايرلندي وبتقديم معلومات حول أسلحة ذلك الجيش وذخائره وأشخاصه، ومطالبة بتقديم حساب عن كل ما يتصل بعمليات أبي نضال، وبإغلاق معسكرات التدريب، وبتسليم المتهمين، وبما يستجد من مطالب أميركية-بريطانية- فرنسية غايتها النهائية إحكام الحصار على البلد وإيصال الأمور معه إلى حدود التفجر الشامل، بغية توجيه ضربة عسكرية له؛ ليس لأن ليبيا كما يزعمون أسقطت طائرتين أميركية وفرنسية، وليس لأنها كما يزعمون تدعم الجيش الجمهوري الايرلندي وما يسمونه الإرهاب الدولي بانتصار أميركا، ليس لذلك كله وسواه مما قد تُختلق من أسباب فحسب. وإنما هم يفعلون ذلك بضغط أميركي أو بتواطؤ مع أميركا لتحقيق سلسلة من الأفعال المتكاملة في مخطط منسق ذي مراحل ضد العرب، وصولاً إلى تحقيق أهداف ثابتة وحيوية بالنسبة لمصالحهم ولمستقبل السياسة التي يخططون لها خلال القرن القادم.
إن أميركا أولاً وبتأثير الحركة الصهيونية ثانياً وتحت ضغط "إسرائيل" ثالثاً، وبتحالفها مع بريطانيا رابعاً وبتبعية فرنسا لها خامساً، إن أميركا هذه تريد أن تستكمل سيطرتها المباشرة على نفط العرب فتتحكم بإنتاجه وتصديره وتسعيره. لأنها تدرك جيداً وتبني سياستها بحذر على أساس ذلك الإدراك الجيد المبني بدوره على حسابات دقيقة، الأساس الذي يقول: إن من سيطر على النفط يسيطر على العصر القادم، والنفط معظمه بيد العرب، فمن يسيطر إذن على العرب يسيطر على النفط، ومن يسيطر على النفط يسيطر على العالم.
وليبيا تمتلك من هذا النفط كمية لا يستهان بها وهي قريبة مجاورة للجزائر ومتفاعلة معها، وقادرة من خلال الاتحاد المغاربي الذي تحرص على استمراره، على أن تؤثر على نفط المنطقة، وهي فضلاً عن ذلك قريبة جداً من الأسواق الأوروبية التي قد تكون هي المنافس المستقبلي لأمريكا في السوق، سوق السياسة وسوق الاقتصاد وسوق المال. وقبل أن تصبح أوربا الموحدة قوية وقادرة على أن تقول لا، لا بد من إحكام القبضة على عنقها؛ والذي يسلم رقبة أوربا لأميركا هي بريطانيا، التي تضع رجلاً هنا ورجلاً هناك، وتمُتُّ للأميركيين بصلات وقرابات وتقيم معهم شراكات لا يرتاح إليها الأوربيون الآخرون؛ وإن كانوا لا يملكون الآن أن يقولوا لها لا لأنهم مازالوا أتباعاً للأميركي القوي، الذي أجهز على السوفييت والشيوعية والماركسية، وأخضع نفط الخليج لسيطرته، ولقن دول العالم النامي درساً من خلال العراق، وشتت أحلام العرب بالوحدة والعزة والاستقلال، وأصبح قائداً للعالم بحكم القوة وقانونها الغاشم؛ فهم يتمنون أن يقول القذافي باسم ليبيا أو المغرب أو العرب، ولكنها ستكون لا لصالح أوربا وليس لصالح شعوب الأرض ومنهم العرب!؟!.
-وأميركا تريد أن تبتز الأموال الليبية لتخفف من ضائقتها الاقتصادية ومن العجز والتضخم في ميزانيتها.
-وأميركا تريد أن تمنع ليبيا ومن اتهمتهم- ويا له من اتهام أعلنه مدير المخابرات الأميركية غيتس في شهادة له أمام مجلس الشيوخ الأميركي -ببناء قوتهم العسكرية وبمحاولاتهم امتلاك الأسلحة العصرية، بما فيها أسلحة الدمار الشامل، وهم إيران والعراق وسورية وليبيا. أقول أميركا تريد أن تمنع ليبيا من بناء قوة تحرر قرارها السياسي الاقتصادي وتحمي ثرواتها وسيادتها ومواطنيها وتحقق أهدافها القومية والإسلامية.
وتريد أن تمنعها بالدرجة الأولى من امتلاك العلم والتَّقَانَة وخوض ميادين التجربة والتطبيق العلمي في أي مجال، ومن أن تضع أموالها في خدمة تلك الأهداف، وتوظف جزءاً من ثرواتها لبناء الإنسان فيها والخروج به من التخلف إلى التقدم، ومن الجهل إلى العلم، ومن التبعية إلى الانعتاق والإبداع؛ تريد أن تمنعها من الحصول على المعرفة والاستفادة من الثقافة التي تصنع الوعي وتحرر به الإرادة وتدخل على ضوء نوره المستقبل.
إنها باختصار شديد تريد أن تحول بينها وبين دخول العصر وأن تحول بينها وبين جماهير أمتها، التي قد تتلاحم معها فتستفيد من إمكاناتها وتفيدها في التعاطف مع أهدافها وتساندها من أجل تحقيق تلك الأهداف. وتريد أن تحول بينها وبين من يتعاطف معها ويتعاون معها من الدول النامية في العالم.
-وأميركا تريد أن تمنع ليبيا من ممارسة دور، أي دور يعكِّر مسيرة السلام، التي بدأت في مدريد وتريد أن تشل قدرتها على التحرك، وتحصرها في دائرة الاتهام والدفاع عن الذات بل وتجبرها على الخضوع والاستسلام؛ لتتمكن من تنفيذ خطتها الرامية إلى فرض استسلام مذل على العرب، وعزل مفاوضيهم وأقطارهم ومحاصرتهم بالقوة الإسرائيلية، لتسهيل تمرير تصفية القضية الفلسطينية وإعطاء " إسرائيل " دوراً بارزاً ومعترفاً به في المنطقة على كل الصُّعُد والمستويات.
ولا يذهبن الظن بأحد إلى أن ليبيا ستأخذ جزاء عن العرب مجتمعين فتفديهم بدم ونفط ومال، فالمخطط الأميركي لا ينتهي بذلك، لأن ليبيا ليست سوى حلقة من سلسلة يُراد لها أن تكتمل، واكتمالها يكون بفرض الإرادة الأميركية والهيمنة والنفوذ السياسي التام على البلاد العربية، واستلاب الثروات والأموال، وتصدير الثقافة الأميركية والقيم الأميركية لها؛ أي بمعنى أوضح بمحو شخصية الأمة وثقافتها وقيمها تلك التي تتجسد في عروبتها وإسلامها، أي في اللغة والدين ومقومات السلوك والخصوصية والهوية القومية؛ وهو ما أشار إليه الرئيس جورج بوش في خطاب الاتحاد الأخير الذي ألقاه أمام مجلسي الكونغرس حين قال: " إن العصر القادم سيكون عصر فرض الأنموذج الثقافي الأميركي والقيم الأميركية في العالم ". وحين أوحى هو وصرح كثيرون في الغرب- من رجال فكر وأدب وصحافة وسياسة- بأن القرن الحالي شهد انهيار الماركسية وأن القرن القادم سوف يشهد انهيار الإسلام.
ومن يقرأ خريطة التحرك الغربي بقيادة أميركا يرى بوضوح المرتكزات الآتية :
-تفتيت الوطن العربي وإضعافه لأنه النواة الصلبة أولاً وأخيراً للعالم الإسلامي. ويبرز ذلك في العمل على إجهاض كل أشكال التضامن العربي، وإذكاء الخلافات العربية- العربية، ووضع القوميات المتآخية في الأرض العربية في حالة مواجهة، وتبني قضايا بعض تلك القوميات تبنياً مباشراً؛ وجعل القومية بمواجهة الدين لإضعاف الإسلام تحت اسم مقاومة الأصولية، والقضاء على التماسك الاجتماعي والخُلُقي. وقد أخذت " إسرائيل " تركز على خطر الأصولية الإسلامية القادم وتعلن أنها هي القادرة على لعب دور كبير لوضع حد لهذا الخطر وهي بذلك تغري أميركا بالاعتماد عليها .
-تغذية الخلاقات بين الأقطار العربية والبلدان الإسلامية وبذر الشقاق والعداوات بين مذاهب إسلامية وبلدان إسلامية أيضاً لمنع أي تعاون أو تقارب أو تنسيق في أي مجال من مجالات الحياة.
-إحكام الحصار على العرب والمسلمين جميعاً حتى لا يملك أي منهم قوة عصرية، علمية أو تقنية أو عسكرية أو حتى اقتصادية، تمكنه ومن ثمة تمكنهم، من إحداث أي توازن من أي نوع مع " إسرائيل " بَلْهَ مع الغرب. حتى يبقى العرب والمسلمون قيد التهديد والابتزاز والخوف والنهب، ومن ثمة قيد التهافت الشامل والتصفية البطيئة لحضورهم الحيوي والثقافي والعقيدي. وحين تختار أميركا أهدافها وضرباتها وتحددها وتخلق حولها الظروف الملائمة، التي تمنع أن يساعد الأخ أخاه والجار جاره، وتحول دون وقوف الضعفاء مجتمعين لنصرة الحق والعدل بوجه القوة الجائرة المتغطرسة، فإنما تفعل ذلك لتحكم قبضتها رويداً رويداً على الجميع ولتجعل كل بلد يحسب حساباته بمعزل عن الآخر، فتأخذهم فرادى، وتفتك بهم وحدانا، وتفوز بجعلهم أرانب في حقل مكشوف.
إن الغرب بقيادة أمريكا لم يعد يحفل حتى بشكليات دولية وحقوقية وسياسية، تجعل للعالم ولمؤسساته وجوداً مستقلاً ومحترماً أو مهاباً من أي نوع؛ فلقد أسفرت القوة المتغطرسة عن وجهها القذر، وأخذت تنفذ برنامجها التدميري-الابتزازي ضد الآخرين بهدوء وبرود وثقة وتصميم. الجميع يقفون في الصف بانتظام، والعصا الغليظة فوق رؤوسهم، وعليهم أن يزحفوا أمام السيد الذي يوزِّع المهام والأرزاق والأدوار ونظرات الرضا والاستحسان، ومن يرفع نظره بوجه السيد تتهاوى على رأسه الضربات من دون رحمة. هذا هو العالم الجديد، ونظامه الجديد، إنه بكل بساطة نظام القوة القديم. القديم.. الجديد المتجدد؛ الذي يجمع في قَرَنٍ: نيرون وهتلر وستالين وبوش مع المحافظة على هوامش وخصوصيات فردية في الاختيارات الطُّغيانيَّة والطموحات والتطلعات الشخصية والقومية، ضمن أطر وظروف وأزمان ومواصفات مختلفة.
لقد بدأت اليوم مرحلة أخرى من مراحل تطويع العرب وإرهابهم، وتأتي هذه المرحلة في سياقها الزمني وتوقيتها المرسومين تنفيذاً لسياسة وخطة شاملتين تضعان المنطقة العربية كلها تحت النفوذ المباشر للاستعمار الأميركي-البريطاني وتنهيان الصراع والجدل حول "شرعية" وجود " إسرائيل" في المنطقة وحقوقها الكاملة فيها.
ويبدو بوضوح أن العرب سوف يستجيبون، ولو على مضض وبشيء من الضجيج والعجيج لما تفرضه القوة الغربية على العالم باسم مجلس الأمن؛ وقد بدأ كل منهم يُجري حساباته الخاصة ربحاً وخسارة جرَّاء تطبيق القرار 748، من الشقيق الجار إلى الأخ بعيد الدار. وإخال أنني لا أسمع إلا رفضاً في قالب انصياع، وتذمراً في إطار ارتياع، وهمهمة تضوع هينمة، ولا أرى إلا خراف الأضحى ينتظمها صف يؤدي إلى المذبح، تنظر إلى سكين الجزار تقطر دماً وهي تنتقل من رقبة إلى رقبة، فتسيل منها العيون، ولا تتحرك منها القرون؛ خوفاً-ويا عجباً كل العجب - خوفاً من موت قبل الموت، ولا يفصل الأول عن الآخر إلا لحيظات إن لم يعمرها الأمل بشجاعة وعمل، فهي الموت المتكرر في كل لحيظة من تلك اللحيظات.
الغرب الذي اتخذ قراره يحشد الآن قوته للتنفيذ، لا لتنفيذ قرار ما يسمى بمجلس الأمن بل قرار القوة التي تنفذ برنامجها في تصفية الرؤوس وتسويتها بالأرض، تمهيداً للسيطرة على الأرض وما فيها ومن وما عليها؛ ولا أراني أتجاسر على أن أطلب من العرب فعل شيء، لأنني بكل الوضوح والبساطة والثقة، أعرف أنه لن يتم شيء. وإذا كان ما يريده البعض مجرد الصراخ والاحتشاد في خواصر المدن، واستنزاف الطاقة أو تصريفها في الزعيق والنعيق، فإنني بكل بساطة، لا أرى لذلك ضرورة؛ فإذا كنا لا نملك غير تلك البضاعة التي عرفها الناس عنا وعرفناها عن أنفسنا طوال السنين الماضية، وعرفنا أنها لم تردع عدواً ولم تؤد إلى حشد قوة ذات فعالية ملموسة وتأثير حاسم، فإن الأجدر بنا ألا نكرر أفعالاً غير مجدية.
إن العرب يعرفون منذ عدة شهور أن ليبيا مهدَّدة بالعدوان ويعرفون أيضاً أن بلداناً عربية أخرى مهدَّدة به، أو سيأتي دورها؛ وطوال تلك المدة كانوا يغوصون في خلافاتهم وجراحاتهم، ولم يرتفعوا فوق سطح الأرض ليروا ما ينتظرهم وما يزحف إليهم، فهل ينتظر منهم أن يقوموا عندما تصطفق أجنحة الغربان فوق جبين الإنسان منهم، بحشد قواهم لإنقاذ العين التي تُسْتَمَل، والدماغ الذي تنهشه المناقير وتمزقه؟! اللهم لا أقول ذلك يأساً من أمة أعتز بالانتماء إليها في واقعنا المتردي هذا، ولا أقوله تثبيطاً لها وتيئساً من مخرج، ولكنني أقوله والألم يعتصر مني القلب ويستبد بالروح ويشتد على البصيرة، حتى ليكاد يحجب عني الرؤية والرؤيا، أقوله جرَّاء استقراء خبرة، وانطلاقاً من قراءة متجددة لتاريخنا الحديث والمعاصر؛ فلم يكن استعدادنا ناجزاً وناجحاً إلا فيما ندر، ولم تكن مواجهتنا لعدونا إلا مثلومة بالتسرع والفرقة وبالتردي في مهازل ومباذل ازدواجية الولاء وكثرة التبجح والادعاء والترجّح بين ما يترجمه عن كل منا الوجه والقناع.
إن الغرب بقيادة أميركا سيصعِّد الموقف ولن يقبل من ليبيا حتى التراجعات المذلة في موضوع تسليم المتهمين، لأنه لا يريد ذلك الموضوع وكفى، وإنما يتخذه ذريعة لأهداف أخرى. وقد أصبح الآن في مراقي المطلبيات التي لن تنتهي إلا بشن العدوان للسيطرة على منابع النفط وإلغاء النظام "الجماهيري- القذافي" الذي لا يرضيه أو يزعجه من جهة و لا يتبعه ويتبارك به من جهة أخرى؛ والدور سيأتي من بعد على سورية تحديداً ومن خلال عدوان إسرائيلي يتم الإعداد له منذ فترة، عدوان تباركه أميركا ويسكت عليه الغرب، ويمكِّن " إسرائيل " من تحقيق مخططها الرامي إلى إنجاز مشروع " إسرائيل " الكبرى بنجاح واطمئنان وسلام، كما يمكِّنها من الاطمئنان إلى المستقبل وإعلان نفسها وصياً على المنطقة وفرضها لنفسها حامياً لها وناطقاً باسمها؛ وعلينا ألا نقرأ ذلك في شهادة غيتس مدير المخابرات الأميركية أمام مجلس الشيوخ فقط، بل علينا أن نقرأه في رسائل وإشارات وإعلانات عديدة وقديمة، بدت صارخة جداً يوم وصلت القوات متعددة الجنسيات إلى شرق المتوسط وإلى لبنان لتفرض اتفاق 17 أيار، الذي يلحق لبنان بـ " إسرائيل " ويقيم حزاماً من دول الفسيفساء الطائفية حول " إسرائيل " ويدمر قوة سورية ويقضي عليها؛ وأخذ ذلك التهديد يتجدد ويبحث عن تحقُّق ومناسبات ملائمة في أوقات مختلفة وأشكال عدة. ولعلنا نذكر أن تصريحات إسرائيلية وحتى أميركية في نطاق مجلس الشيوخ قد انطلقت إبَّان حرب الخليج الثانية لتقول: إن سورية مثل العراق تماماً: فيها نظام توليتاري، وتملك أسلحة تهدد " إسرائيل "، وهي تمارس الإرهاب، وتسيطر على أرض لبنان أو تحتله، وأنها من أجل ذلك يجب أن تُضرَب وتصفى قوتها التي تسيء إلى دول "ديمقراطية" في المنطقة، وتهدد السلام العالمي.
وقبل ذلك وبعده، كانت سورية وما تزال قيد الحصار من الغرب بالنسبة للمعدات والتجهيزات وبعض "السلع" الصناعية الدقيقة، وقيد حصار مالي واقتصادي جعل الليرة السورية تكاد تنهار أمام الدولار وتنتقل من سعر 6 ليرات سورية إلى 46 ليرة سورية للدولار الواحد، وكانت وما تزال على قائمة الدول التي تدعم الإرهاب بالنسبة لأمريكا والغرب، ولم تُسحب هذه التهمة ولا رفع ذلك الحصار، على الرغم من عدم وجود شيء يثبت تلك المزاعم ضد سورية وعلى الرغم من دخول سورية التحالف الدولي لتحرير الكويت وعلى الرغم من قبولها المبادرة الأميركية لعقد مفاوضات أو محادثات السلام، التي بدأت مع افتتاح مؤتمر مدريد؛ في حين أن جميع الأوضاع والمقاييس والموازين تشير إلى عدم إمكانية تحقيق سلام عادل في ظل الاحتلال وغطرسة القوة وانعدام التوازن بين القوتين اللتين تريدان أن تبحثا موضوع السلام، إذ لا يرسّخ السلامَ أبداً توازنٌ مختلٌ يُخِلّ بميزان العدل وميزان القوة.
كان الأمر وما يزال استدراجاً محسوباً وموقوتاً لوضع سورية في قفص الاتهام وتوجيه ضربة لها إمّا باسم مقاومة الإرهاب، وإمَّا باسم الدفاع عن الديمقراطية، أو تحت ذريعة تعطيل مسيرة السلام، أو امتلاك أسلحة التدمير الشامل، أو محاولة الحصول عليها، وحتى بحجة تخزين الأسلحة التقليدية التي تهدد مشاريع" إسرائيل الديمقراطية" في التوسع الاستيطاني على حساب العرب، وتوطين مليون مهاجر يهودي في أرضهم قبل نهاية عام 1995، أو بحجة إرغام سورية على الانسحاب من لبنان، وكل تلك الذرائع قيد الاستعمال.
لقد تكررت تصريحات شامير، ورؤساء المجالس اليهودية ووزير الخارجية الإسرائيلي ووزيري الدفاع والإسكان وسواهم بتهديد سورية، وفي نهاية شهر آذا ر 1992 وفي الوقت ذاته الذي كانت فيه أميركا والغرب التابع لها يعملون على استصدار قرار مجلس الأمن الأخير ضد ليبيا، في هذا الوقت أعيد التركيز على إنذار سورية وتهديدها؛ وكان ذلك هذه المرة في رسالة من أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي موجهة إلى الرئيس حافظ الأسد طالبوا فيها بأشياء غريبة وقديمة وعجيبة.
- الكف عن دعم الإرهاب وممارسته. وهم يعنون الكف عن دعم كل مقاومة من شأنها الدفع باتجاه تحرير الأرض العربية التي تحتلها " إسرائيل " .
- الكف عن التسلح.
- الانسحاب من لبنان.
- احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان.
- إطلاق مساجين سياسيين.
- تسليم الألماني"تيرنر" المتهم بجرائم ضد اليهود في العهد النازي، على الرغم من نفي سورية مراراً وتكراراً لوجوده في أراضيها.
- السماح لليهود السوريين بالهجرة إلى " إسرائيل ". لتقوية كيانها العدواني وإلا فالأمر الذي يترتب على عدم الانصياع لذلك معروف: حملة في مجلس الشيوخ والنواب الأميركيين يقودها اللوبي الصهيوني وأعوانه، وتدعمها وسائل الإعلام، تجعل الإدارة الأميركية تنصاع لمطالب ممثلي الشعب والديمقراطية والرأي العام الأميركي والعالمي، لأن أميركا عندهم تمثل العالم، وهم يمثلون أميركا، واليهود- الصهاينة يمثلونها!؟ وعند ذلك تقوم الإدارة الأميركية، بجر الأوربيين من شعورهم إلى مجلس الأمن، وتتخذ فيه قراراً تطالب فيه سورية بتنفيذ ذلك الذي جاء في رسالة أعضاء مجلس الشيوخ كله أو جله، لأن عدم تنفيذه يهدد السلم العالمي؛ وتربط ذلك بالفصل السابع، وتعطيها مهلة، كتلك التي أعطيت لليبيا، أو كتلك التي أعطاها غورو للسوريين يوم أراد احتلال سورية عام 1920؛ ثم تدعي أن المطالب لم تنفذ دون شروط، وأن الأمور تخرج عن إرادتها "العادلة"، فتقوم " إسرائيل " الديمقراطية الخائفة المسالمة، بعمل وقائي احترازي، تقوم برد "العدوان عن نفسها" وذلك بمهاجمة سورية، وتزحف أميركا وحلفاؤها الغربيون لإنقاذ الدولة العبرية "الديمقراطية" التي التزموا بأمنها وتفوقها أو استمرار وجودها بأمان، التي تملك أسلحة"التدمير الشامل" وتكدس في أراضيها من السلاح التقليدي ما لا "طاقة" لـ " إسرائيل " بدفع أذاه عن مواطنيها أنفسهم !؟.
وعندما ما يتم القضاء على قوة سورية ويجري إخضاعها للمطلب الأميركي- الصهيوني- الغربي، تنتهي القضية الفلسطينية، وتصفى المقاومة العربية، وكل شكل من أشكال التحدي لإرادة الغرب؛ وتنتهي الدعوات القومية والوحدوية والتحررية والتحريرية، تلك التي تحرك الشارع العربي وتزعج الغرب وتقلق " إسرائيل "، ويأتي من يقول: الآن انتهت الحروب الصليبية أو ها قد عدنا يا صلاح الدين !؟!.
إن النذُر التي تلوح في الأفق كثيرة وليس هذا " الإنذار " الذي وجه لسورية في رسالة أعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي هو الأخير، وربما كان الجيد فيه أن يجيء في ظرف وتوقيت يجعلانه مقدمة لفعل وتحقيقاً لغرض: أما الفعل فهو التهديد بالعدوان المنتظر المؤجل إلى أن يحين حينه، وأما الغرض المعجَّل فهو جعل سورية تفكر كثيراً وتحسب حساباتها جيداً في هذا الظرف بالذات وهي تواجه الأمور والاستحقاقات الآتية :
- فرض الحصار على ليبيا والاستعداد لضربها. فهل ستؤيدها وتحشد الشارع العربي حولها أم ستتركها تلاقي"قدرها" وحيدة معزولة مقهورة؟؟ وأخذ كل ما ينتج عن أي فعل تقوم به سورية بالاعتبار مستقبلاً في علاقاتها مع زعيمة كل العالم وصاحبة الذراع القادرة القاهرة: أميركا.
- الالتحاق باجتماعات اللجان المتصلة بالمفاوضات متعددة الأطراف، تلك التي ستنعقد قريباً ولم تلتحق سورية بعد بها، وأثرت على غيرها من العرب في موضوع عدم الالتحاق بها أيضاً.
- حضور اجتماعات واشنطن في 27 نيسان 1992 مع " إسرائيل " في إطار المفاوضات الثنائية- المرحلة الثانية من مؤتمر"سلام" مدريد ـ والسماح للعرب الآخرين الشركاء بحضورها، وعدم عرقلة ذلك أو لعب دور سلبي تجاهه؛ وهو الموقف الذي سبق لسورية أن اتخذته وأعلنته حين قالت ومعها عرب آخرون من المعنيين بتلك المحادثات: إن هذه الدورة من الاجتماعات يجب أن تؤجل إلى ما بعد الانتخابات "الإسرائيلية" حتى لا يكون في ذلك مجرد تقديم دعم انتخابي لشامير، الذي يرفض السلام برفضه الانسحاب من الأرض وتطبيق القرارين 242 و 338 ومبدأ مقايضة الأرض بالسلام"، وهو موقف لا تستطيع الآن أن تتخذه أو تفرضه، وستذهب إلى اجتماع لا جدوى منه، لتمارس مع الآخرين عبثاً لا طائل وراءه .
- الكف عن التحرك لإيجاد محاور جديدة في المنطقة تعرقل خطة أميركا الرامية إلى إعادة ترتيبها على هواها، ولا سيما ذلك الجهد المتصل بإيران ودول عربية أخرى.
- الكف عن التسلح وعن تحدي الأوامر الأميركية والخطط الاستراتيجية الغربية الهادفة إلى فرض " إسرائيل " الكبرى على المنطقة وجعلها الشرطي المهيمن عليها.
فهل تقبل سورية يا ترى بالانصياع لهذه المطالب التي يلوِّح بها لها الكيان الصهيوني بشكل مباشر وغير مباشر، سري وعلني، ظاهر وخفي؟؟ وهل تبتلع مرارة الإنذار وذله وتواكب الإرادة والقرار" الأميرو- دوليين " ذينك اللذين يرتديان مصبَّغَات ومذهبَّات مجلس الأمن والشرعية الدولية؟!
إن الحسابات دقيقة، والالتزامات الخُلُقية والقومية قوية، والمصير النهائي واحد، فما العمل وكيف المخرج؟؟!
إن الأهداف البعيدة والخطط والبرامج المرحلية والنهائية تكاد تكون واضحة وما ينتظر الأمة ابتداءً مما ينتظر أقطارها وما يعترض أبناءها غدا معروفاً أو متصوراً، فهل هناك مخرج ملائم ينطوي على أمل كبير غير عمل عربي مشترك صادر عن إرادة جماعية مخلصة واعية لواقعها ولما يحيط بها وما ينتظرها ؟؟!
الواقع العربي رسمياً وعملياً، في إطار القدرة على اتخاذ القرار المستقل والمواجهة على أرضيته، يشير إلى تعذر ذلك أو ضعف الأمل بنجاحه، ولكن الواقع العربي الشعبي والمادي، إن هو ضُبِطَ، رسمياً وواقعياً، يبشِّر باحتمالات وآمال وبإحداث تغيرات هامة؛ ولنا أن نتلمس شيئاً من ذلك ونتقرَّاه أو نُعْمِل التخييل لتصوره.
أوربا -عدا بريطانيا- ترى جيداً أن أميركا تحاصرها مستقبلياً بالسيطرة على النفط: إنتاجاً وضخاً وتسويقاً وتسعيراً، ومن ثم بالسيطرة على مستقبل الصناعة والتقدم التقني فيها، وعلى المال وزعامة العصر، وعلى قوة القرار والرأي النافذين؛ وأوربا الموحدة تعرف جيداً أن القوة الأميركية ستنافسها على الأسواق وليس على السيادة فقط. وأوربا عندما تجد حلفاء أقوياء يؤمِّنون مصالحهم قد تفكر جدياً بمستقبل الشراكة الصعبة مع أميركا، ولكن أوربا تبقى استعمارية وذات مصالح وشريكاً لأميركا في الغطرسة والاغتصاب ونهب العالم والسيطرة على الشعوب، وتشكل معها مدرسة في سوء الائتمان وفي تقديم تفسيرات ومفاهيم مصلحية -نفعية عن القيم والأخلاق؛ وهي شريكتها في سوء الائتمان على العدل والمنظمة الدولية، التي غدت دائرة استعمارية أميركية الوجه واليد واللسان. فهل ترانا نستبدل سيداً بسيد، طامعاً بطامع، وقد جربنا ذلك وعانينا منه وما زلنا نعاني منه حتى الآن؟! وهل كانت أوربا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أرحم بالشعوب من أميركا في النصف الثاني من القرن العشرين ؟!.
إن التفكير بذلك -فيما إذا تم تفكير به- ينصرف، وينبغي أن ينصرف، إلى العمل على إيجاد قطب جديد يخفف من وطأة القوة الغاشمة التي تضغط بكل ثقلها على العرب من بين شعوب العالم؛ وفي هذا الظرف بالذات الذي لا يعتبر ملائماً ولا مشجعاً للعرب بأي شكل من الأشكال .
فإذا ما نجح العرب بجعل المصلحة الأوروبية تتصادم مع المصلحة الأميركية، في العلن، أي إذا ما أخرجوا ذلك الخلاف قبل أوانه إلى حيز الوجود وساهموا بتعجيل ظهوره فإنهم يستطيعون أن يلتقطوا أنفاسهم قليلاً ويخرجوا السياسة الدولية من هيمنة القطب الواحد.
وهذا يستدعي سياسة تقوم على العلْم بالآخر، والقدرة على العمل في أوساط غير عربية، ويستدعي مرونة وتماسكاً عربيين، ووحدة رأي ورؤية، وصدور في كل قول وفعل عن قلب واحد؛ استشعاراً للخطر ودرءاً له عن النفس والوطن والثروة والمستقبل والعقيدة. ويحتاج إلى عمق رؤية وسرعة تنفيذ، ومعرفة بالآخر، وقدرة على تحقيق شيء يجعل العين ترى الزاوية الأخرى وتغري العقل والقلب بالثقة بما يريان وبقرب نواله .
من زاوية أخرى يقوم جدل حول رؤية مغايرة تبرر النظر فيها معطيات، ولكنها تبقى محكومة برصيد الخبرة العربية المريرة في مجالها ذاك؛ وتلك الرؤية تتصل بكيفية الاستفادة من المتغيرات الدولية، من انتهاء الحرب الباردة وما طرأ على مكانة " إسرائيل " بنظر أميركا بالنسبة لمصالحها في المنطقة من تغيُّر، وجعل ذلك موضوعاً لعمل يتم إنجازه لإحداث فتور في درجة العشق الأميركي- الإسرائيلي، ولا نقول التوصل إلى جفوة فطلاق. وربما كان في ذلك نوع من تحقيق استراحة للمحارب العربي يلتقط فيها أنفاسه ويعيد تجميع قواه وتوزيعها في ساحة المعركة في ضوء العصر والخبرة المكتسبة.
ومما يشجع على إمكانية التفكير بذلك إشارات منها:
- استيقاظ الإدارة الأميركية، في فترة ما من عام 1991 وفي إطار قضية ضمانات القروض، على حقيقة وجود: دولة داخل الدولة؛ ومحاولة الرئيس الأمريكي تحدي اللوبي الصهيوني والتهديد باللجوء إلى الشعب الأمريكي جرَّاء سيطرة ذلك اللوبي على مجلسي الكونغرس.
- وكذلك قضية بيع " إسرائيل " لتقنية صواريخ"الباتريوت" إلى الصين، تلك القضية التي أثارتها أميركا ثم دفنتها وجعلت " إسرائيل " تغضب وتعلن بصلف وغطرسة وتعال كبير في صحافتها أن: "التطوير " الإسرائيلي " مبني على قوانين الطبيعة، التي ليست حكراً على أي شخص ولا لأشخاص فظين أيضاً في العاصمة الأمريكية، إن تكريس قوانين الطبيعة لمتطلبات أمن " إسرائيل " هو ثمرة عبقرية لرجال بحث وتطوير من إنتاج البلد. وحقيقة هي أن الإسرائيليين وليس الأمريكيين هم الذين طوروا طائرة من دون طيار، فكيف يمكن أن ينسب لـ " إسرائيل " تصدير تكنولوجيا أمريكية في هذا السياق"."1" وهم لا يكتفون بهذه الإشارة إلى تفوقهم وإلى اعتماد أميركا على "عبقريتهم" بل يذهبون إلى مدى أبعد حين يذكرون بأنهم هم الذين أوجدوا الطائرة من دون طيار"بيونير" واستفادت أميركا منها في استطلاع الآفاق البعيدة، وأن فكرة الصاروخ"حيتس" المضاد للصواريخ أقدم بكثير من أفكار الأمريكيين وتصاميمهم، وأن الرادار الطائر الأول طوروه هم في" التار أشدود " على يد"نيوليفي"، والدبابة من دون بشر التي تحمل اسم"المعجزة" هم مبدعوها، وأن صاروخ"بيتون 3 جو- جو يختلف اختلافاً جذرياً عن الصاروخ الأمريكي "سايدويندر"، وأن الصاروخين"كافيتس ونمرود" المضادين للدبابات وكذلك صاروخ "برق" وهو صاروخ بحر- بحر قد طوروها هم؛ وفي ذلك كله أدلة كافية على أنهم أهل السبق. فكيف يسرقون من أميركا وهم"يمُنُّون" عليها بتقديم زاد "عبقريتهم" لها؟؟!
ويذهبون في تعليل أسباب الادعاء الأمريكي ببيع " إسرائيل " أسرار الباتريوت إلى الصين بـ "الآن عندما تقلص كثيراً الطلب على السلاح سواء بسبب المصالحة بين الكتلتين أو بسبب السعر المرتفع لوسائل القتال الحديثة، تريد الصناعة الأمريكية اختراق أسواق الإصلاح والتحويل. سيحظى الأمريكيون بهذه الأسواق فقط إذا طردوا منها دولاً أخرى. إن مصاعب الصناعة الأمريكية المترهلة هي في منافسة صناعة صغيرة ومرنة كالصناعة الإسرائيلية، ومن جهة أخرى يريدون تشويه سمعتها وطردها من السوق "."2" إن هناك إذن مصالح متضاربة فيما يبدو، ويريد الإسرائيليون أن يتنكروا لحقيقة أن أميركا تمول كل بحوثهم وتطوير صناعاتهم العسكرية وتسليحهم وتسكت كذلك على تجارتهم بتلك الأسرار التي يزعمون أنها ملكهم وليست ملك الأمريكيين. وسواء أكان الأميركي يرى أنه المالك لأنه الممول، و" الإسرائيلي " يرى أنه المالك لأنه المبتكر، أو أن القضية متداخلة والكذب " الإسرائيلي " فيها أكثر من الزعم الأميركي بكثير؛ فإن هناك قضية يقول الإسرائيليون فيها: إن أمريكا تحاول"نشر دعاية كاذبة بوعيها الكامل" ويقول الأمريكيون فيها: إن " إسرائيل " تسرق تقنيتها وأسرار أسلحتها وتبيعها في السوق، لا سيما للصين وتقبض الثمن وهي تريد أن تضع حداً لذلك العبث بأسرارها.
وهذه القضية حاولت " إسرائيل " استثمارها لصالحها بزج العرب فيها، حيث اتهمت السعودية بتسريب تلك الأسرار إلى الصين، لولا نفي الأميركيين أنفسهم لعدم إمكانية ذلك لأن صواريخ"الباتريوت" في السعودية لا يصل إليها السعوديون أو خبراء غير أميركيين أبداً.
وفي هذا الفعل- الاتهام أو تحويل الاتهام من قبل إسرائيل "نشر دعاية كاذبة بوعيها الكامل" دون ما أدنى لبس لدفع الأمر عنها وإلباسه للسعودية، محاولة لتعميق الخلاف بين العرب والأمريكيين للإبقاء على الصلة المصلحية والاستراتيجية بين " إسرائيل " والأمريكيين. فهل نتمكن نحن من الاستفادة من حقائق كثيرة إذا ما عرفها الشعب الأمريكي ووصلت إليه بإقناع ووثائق فإنها قد تربك الإدارات التي تحاول أن تتجاهل رجل الشارع هناك وتعزله عما يجري لصالح علاقة ذات طابع عدواني- عنصري- استعماري- احتكاري وليس للشعب مصلحة فيها؛ وقد يفيدنا هذا مرحلياً كما أسلفت بتحقيق استراحة المحارب والتقاط الأنفاس؟!
لقد سكتت الإدارة الأمريكية عن قضية سرقة أسرار الباتريوت وبيعها بعد أن أعلن عن تهديدات عديدة شخصية وعامة وعن أخطار منها الأصولية الإسلامية.
إن كلاً من الأمرين أو التوجهين سواء مع أوربا وصولاً إلى تنازع المصالح بينها وبين أميركا، في محاولة للإسراع بإظهار القطب الآخر في الصراع السياسي الدولي حتى لا يستمر عرج العالم طويلاً، أو باتجاه أميركا لتخفف دعمها لـ " إسرائيل " ولمشروعها التوسعي- الاستيطاني، أقول إن كلاً من الأمرين أو التوجهين محفوف بمخاطر ومستنبت على أرضية علاقات ومصالح متبادلة وعريقة وشبه ثابتة بين الإدارات الأمريكية والصهيونية أو إسرائيل، لا سيما إذا ما أخذنا بالاعتبار العامل المشترك لدى أولئك وهو عداؤهم التاريخي للعرب والإسلام ورغبتهم في وضع حد للصراع"الصليبي" الذي ما توقف يوماً منذ بدأ. ولكن التفكير في بذل جهد في هذين الاتجاهين قد يفيد، ولا أدعو إلى الأخذ به قبل تمحيصه وإعمال الرأي فيه لاستبانة ما قد ينطوي عليه من مخاطر وأضرار لم أرها. على أن ذلك مما يبدو لي متاحاً في ظروف لا تتاح فيها قدرة على المواجهة المسلحة وإجراء المفاضلة بين خيارات عديدة متاحة في هذه الظروف العربية والدولية وفي ظل الأحداث المتلاحقة والضربات المتوالية.
إن التفكير بمخرج ضرورة حيوية وحياتية، والتوجه نحو فعل يعزز الحضور والمواجهة والتصدي أمر يرتبط بالوجود والكرامة ويعبر عنهما في آن معاً.
ولم نصل ولن نصل أبداً إلى درجة الخضوع والاستسلام والارتماء على أحذية جلادي الشعوب ومصاصي دماء الآخرين، من تجار الدم والسلاح والأخلاق، فقيمنا وشيمنا وتاريخنا الحضاري المجيد، وعقيدتنا وأخلاقنا، كل ذلك يمنعنا من الاستسلام والانهزام، ويلزمنا بالدفاع عن الوجود والمستقبل والثقافة والعقيدة السامية، والأمة التي عزَّت بها وروتها بالدم حتى نمت وانتشرت. وهذا كله، فضلاً عن مقومات إيماننا، يدفعنا إلى التفاؤل الموضوعي بإمكانية إيجاد المخرج، وبحتمية الوصول إلى شاطئ نجاة نستأنف ابتداء منه مسيرتنا الإنسانية، لإعادة الحق والعدل والقيم النبيلة إلى الأرض والإنسان، ولإعادة الحرية بمفهومها الخُلُقي والإنساني والدولي إلى عالم يفتقدها.
لا بد من العمل بكل الوسائل، وعدم الاستسلام لظلام اللحظة الحاضرة ومعطياتها الشحيحة القاسية. لا بد من التحرك ومن تذكُّر أن العالم أوسع بكثير من المدى الذي نبصره بعيوننا ويرتاده خيالنا، وأن الأمم أكبر وأعرق وأكثر من أولئك الذين أعمتهم القوة والمصلحة، وأغرتهم الأطماع بالانطلاق من وهم أنهم خالدون ولا نهاية لبطشهم، وأنهم قدر العالم ومصيره، وأنهم الأنموذج الأعلى والأسمى والأعدل في الأرض، وأنهم حكام العالم بلا منازع.
إن التاريخ يقدم العبرة، والشعوب تصنع المعجزات، والإيمان بالله وبالحق والشعب، يفجر في الضعفاء طاقة وقدرة لا نهاية لهما تحققان مقومات النصر والإبداع في الصمود والتصدي، وتمكِّنان من تحقيق نصر وبقاء لقيم الحق والخير والعدل والحرية، تلك التي شوهتها الممارسة الأمريكية- الصهيونية- الاستعمارية، وتنذر بتدميرها نذر تفيد باستمرار العصر الأمريكي- الصهيوني في القرن القادم على حساب الضعفاء، والعرب في المقدمة من أولئك الضعفاء، إذا لم يتَّحدوا ويؤمنوا ويتحدّوا وإن غداً لناظره لقريب.
الأسبوع الأدبي/ع309-310//1992.
|