صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

في مواجهة استراتيجية الخنق

المؤشرات السياسية والإعلامية، التي أطلقت في فضاء الشرق الأوسط انطلاقاً من واشنطن وتل أبيب، أكدت استمرار الاستراتيجية الأمريكية- الإسرائيلية القديمة المتجددة، تلك التي تقوم على قهر العرب بالقوة وبفرض التخلف عليهم وتأبيده، انطلاقاً من تحقيق التفوّق النوعي في التسليح والتَّقَانَة والعلوم والاقتصاد بالنسبة لـ " إسرائيل "، ومحاصرة العرب في المجالات جميعاً لمنع انتقالهم من الضعف إلى القوة في أي مجال.‏

وقد تلاشى كل أثر للتفكير في الاعتماد على فئة من العرب لحماية بعض المصالح الأميركية ولإقامة تعاون مباشرين معهم، وهو التفكير الذي ظهر بعد أزمة احتلال الكويت وحرب الخليج الثانية، لأن الصهاينة نجحوا في زرع الشك بكل تفكير من هذا النوع، وعززوا التوجه نحو استراتيجية جديدة تقوم على أساس تحقيق نصر على العرب والمسلمين ثقافياً وأيديولوجياً وسياسياً في القرن العشرين، والوصول بهم إلى انهيار شامل في القرن الحادي والعشرين؛ كما وعد وتوعَّد صهاينة وغربيون متصهينون في السنتين الأخيرتين.‏

وبدا أن الاعتماد على" إسرائيل "، بوصفها قلعة تمارس التوسع والاستيطان ونشر النموذج الصهيوني- الأمريكي وحماية مصالحه بالقوة، هو الاختيار الذي وقعت عليه الإدارة الأمريكية الحالية، وهو الذي ستأخذ به الإدارة القادمة سواء أفاز بوش أم كلنتون. وتشير الإعلانات الأخيرة، التي رافقت زيارة رابين إلى واشنطن وتلتها، إلى أن " إسرائيل " هي الوكيل الأول وربما الأوحد للغرب في المنطقة وأنها متعهد البرامج والخطط الذي يُعتمد عليه أكثر من سواه، بل ذاك الذي ليس له من ينافسه في منطقة يتعذر على الولايات المتحدة أن تتنبأ أو ترصد التطورات المتوقعة فيها بالدقة المطلوبة "، كما قال إدوارد مورفي. وهي منطقة ما يزال اعتماد الولايات المتحدة الأميركية والدول الصناعية على إمدادات النفط منها مستمراً ومتزايداً.‏

ويبدو الآن بجلاء أن الرئيس جورج بوش يأخذ بمقولة العنصري الصهيوني هنري كيسنجر الذي يقول: " لا تستطيع بالفعل أن تصدق أي شيء يقوله عربي". وقد أراد بوش أن يعلن ذلك دون ضجيج ودون كلام مباشر، بل من خلال الفعل النوعي باستقباله لرابين في منزله بولاية "مين" وبإعطاء " إسرائيل" ضمانات القروض بعشرة مليارات الدولارات من أجل تأمين هجرة واستيطان وعمل مليوني يهودي روسي حتى عام 1995، وهي دعوة سابقة تتجدد وتتأكد اليوم، وبالإعلان عن استمرار التعهد بتفوق " إسرائيل " النوعي على العرب مجتمعين، وتخويلها بإطفاء الحرائق في المنطقة. وهذا يعني تعزيز القوة واعتماد التهديد والقهر بتزويد" إسرائيل" بالعتاد والسلاح مجاناً من مخزون الجيش الأميركي، وبقيام الشركات الأميركية لا سيما: جنرال ديناميكس وماكدونالد دوغلاس بتعهد تطوير سلاح الطيران " الإسرائيلي " حتى مطلع عام2000، وتزويد " إسرائيل" بطائرات أميركية متطوِّرة تبنى في فلسطين المحتلة. وهذا يرمي إلى تمكين"إسرائيل" من امتلاك التقانة العالمية في هذا المجال، كما يعني كذلك الالتزام الأميركي بتطوير المرحلة الثانية من الصاروخ "الإسرائيلي" حيتس، ودفع تكاليف هذه المرحلة التي تقدر بأكثر من‏

/310/ مليون دولار، بعد أن كانت أميركا قد سددت تكاليف المرحلة الأولى من تطويره/360/ مليون دولار.‏

وهذا كله رغم كثرته لا يتضمن ما ينطوي عليه" التحالف الاستراتيجي" من إشارات ودلالات ومخاطر وبرامج، وهو ما سوف يظهر خلال فترة قريبة.‏

لقد تأكد الآن ما سبق ولاح في الأفق وأشرنا إليه في أوقات سابقة، من استراتيجية متطورة للقرن القادم تحقق ما دعا إليه الصهاينة وما روَّج له الغرب ،في سياسة وثقافة، من فعل يعتمد القوة والقهر لتحقيق انهيار الإسلام والعروبة في القرن القادم كما انهارت الشيوعية في القرن الحالي. وهو النهج الذي دعت إليه الزعامات اليهودية والصهيونية الغربية وما لخصته أقوال حاييم هرتزغ بأن الأصولية الإسلامية أخطر من الشيوعية !!؟ ومن الطبيعي أن يدعم الغرب "أصولية متطرفة" ليحقق بالأيدي العربية والغربية معاً مخططات تستهدف الأمة والعقيدة والوجود الحيوي للجميع في هذه المنطقة الحضارية العريقة من العالم.‏

لم يعد هناك مبرر الآن لانتشار الغشاوة ولاستفحال الوهم في أوساط سياسية وثقافية، عربية وإسلامية، بعد الذي كان في واشنطن ومين، وبعد الذي أُعلن في تل أبيب قبل أيام، بحجة أن سورية جربت صاروخين من طراز " سكود سي"، حيث هدد الصهاينة - العنصريون بمهاجمة دمشق. لقد أصبح التوجه الاستراتيجي واضحاً، ولم يتخل عن جذره القديم وإن كان قد وسَّع نظرتَه وأفقه وأهدافه، واختار برامج أكثر فعالية وواقعية، وأقل ضجيجاً وعلانية.‏

- إن الاستيطان سيستمر بدعم غربي، وبسكوت عربي. لأن القنبلة البشرية الموقوتة ستصنع في فلسطين التي احتلَّت قبل 1967 وتفجّر لاحقاً في الأرض العربية على أساس المحافظة على المجال الحيوي، ولكن بعد أن تتم عملية الأعداد والاستعداد، وبعد أن يتم أيضاً الاعتراف بحق " إسرائيل " في الوجود من قِبَلِ العرب، وتطبَّع العلاقات معها؛ وبعد أن يهضم اليهود ما قضموه من أرض وحقوق بعد 1967 وما استلبوه بالهجرة من وجود عربي محتمل على أرض هي قيد الاحتلال والاستيطان !؟!.‏

- إن الدول العربية التي كانت وما زالت تراهن على دور في الاستراتيجية الأميرَكية في المنطقة لن تفوز إلا بأن تلعب دور العرَّاب ومروِّج الهزائم والاستسلام في الأزمات، ودور بائع البضاعة السياحية في أيام السلم؛ وستبقى تُطحن بين رحى القوة القاهرة والجوع الضاغط إلى أن تعتاد الدور الذي يرسم لها، وتفلح في ترويجه عربياً لكسب أتباع على تلك الطريق.‏

- إن على العرب المهتمين باستمرار أن يمارسوا دوراً ملحوظاً في إبادة بعضهم بعضاً، وفي تطويع بعضهم بعضاً، ليُرفع عنهم "الاتهام"، سيستمرون في أدائهم على هذه الطريق، وحين يفلحون في الحصول على وثيقة حسن سلوك من السيد الصهيوني- الأمريكي" أو العكس"، سوف يعاملون كمستخدمين طيبين وكمستهلكين فقراء يستحقون العطف؛ وليس لهم أن يفكروا بما هو أبعد من ذلك. وعلى من يطلب منهم أن يكون حاكماً وراعياً وزعيماً أن يثبت أهليته لذلك بِشَكْم الناس وقيادتهم إلى بيت الطاعة الأميركي أو " الإسرائيلي "، لا فرق، وسوف يباح له ذلك تحت ذرائع مختلفة؛ ولكنه سيبقى بنظر " المجتمع الراقي " مخلاً بحقوق الإنسان وبحقوق القوميات والأقليات، ومخفياً تحت زيِّه الرسمي إرهابيا تحت الطلب.‏

- إن من يتخلف من العرب عن مفاوضات واشنطن سوف لن يكسب العظْمَة التي سيُلْقَى بها له هناك بعد تعب شديد، وفوق ذلك عليه أن يفكر بالعقوبة وبالتكفير الصعب عند التوبة. وإذا أردنا أن نفهم من الإشارات والدلالات التي أُطلقت في فضاء سياسة الشرق الأوسط على أنها تهديدات ومؤشرات من شأنها أن تجعل الجميع يقبلون بدعم بوش لولاية انتخابية- رئاسية جديدة، وأنها لن تؤثر على التعهدات الأميركية التي قام على أساسها مؤتمر السلام، ولا سيما مبدأ تطبيق القرارين 242 و338 ومبدأ مقايضة الأرض بالسلام؛ فإننا نضل كثيراً ونبقى أولئك الذين يرون في السيد الأميركي " نبياً " لا يكذب ولا يخطئ ولا يراوغ !؟. وكل هذا لا مصداقية له، ولا يوجد تاريخ من التعامل يزكِّيه أو يقنع به؛ فالإدارة الأميركية مملوكة للتوجه الصهيوني، ملتزمة به ومؤمنة إيماناً اعتقادياً به. فالصهيونية المسيحية المتطرفة اليوم تتباهى بدعم الحلم اليهودي بصهيون، وتعلن اعتزازها بالدور الذي لعبته وتلعبه وستلعبه على تلك الطريق؛ فالرئيس بوش نفسه فاخر بما قدَّم ويقدم لـ " إسرائيل " وفاخر بالصهيونية ودافع عنها يوم ألغى القرار/ 3379/ الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية، ووسم تلك الحركة بأنها: " إنسانية " وقومية مناضلة وفكرة تستحق التقدير!؟ ونائبه دان كويل قال في اجتماع صهيوني: " من منا ليس صهيونيا ". ولم يكن ذلك قبل صدور بيان " الصهيونية- المسيحية " التي عقدت مؤتمرها في/ 27- 29/ أب 1985 في مدينة بال بسويسرا وفي القاعة ذاتها التي عقد فيها هرتزل أول مؤتمر صهيوني عام 1897 ودعت فيه بتفاخر شديد إلى دعم " إسرائيل " على حساب كل أعدائها " الكريهين " من العرب، وإلى تضييق الخناق على سورية وليبيا وإيران لأنها دول تهدد " إسرائيل ". أقول لم يكن قول القادة الأميركيين خصوصاً والغربيين قبل ذلك التاريخ بل بعده بشكل عام، لم يكن بالضرورة ثمرة له وإن كان الدفع المستمر على تلك الطريق من ثمراته. ولن نجد صعوبة في تبيُّن وقوف ذلك الاتجاه وراء الاستراتيجية الأميركية- الإسرائيلية الجديدة، ووراء أهدافها التي تطول العالمين العربي والإسلامي، وتأخذ بالاعتبار المناخ الدولي الحالي، الذي أفلحت السياسة الغربية في الوصل إليه والذي يفتقد فيه العرب لنصير كما يفتقدون فيه لوحدة الصف والموقف، وللقدرة على الابتكار وامتلاك التَّقَانَة المترجَمة أسلحة وتفوقاً علمياً- عملياً، فضلاً عما يصيب ساحاتهم من هزال وتآكل وتواكل وعلل.‏

وإذا كان أهل الغرب والصهيونية يخططون انطلاقاً من نظرة عدائية لنا، تاريخية كانت تلك النظرة أم حديثة متصلة بالمصالح، فما هو موقفنا ودورنا وردنا على ذلك؟!.‏

هل نركن إلى القول بأننا لا نملك أن نرد هجمة كاسحة عنا ولا بد من الانتظار على مضض، والاستسلام على مضض، والمراقبة على مضض؟! أم أن هناك فعلاً ما وتحركاً ما وطاقات ما، نلجأ إليها في الوقت المناسب؛ آخذين عامل الزمن بعين الاعتبار؟! إن الأمة لا يميتها إلا نفخ روح الهزيمة والاستسلام واليأس فيها، ولا يحييها إلا وضعها على طريق الحياة بحرية وكرامة، وبمبادرة صادقة، وسلامة انتماء للقومي والعقيدي والنضالي من التاريخ. وإذا كان من الحيوي والضروري مواجهة هذه الغطرسة المفروضة مواجهة مجدية، ولا بد من ذلك أولاً وأخيراً، فلنعمل بجهد متزايد من أجل ذلك، ولنفتح عيون الناس على ما ينتظرهم، وليكن كل مواطن على درجة من المسؤولية والثقة والوعي؛ لكي يطلق طاقة الإبداع لديه في الدفاع عن الوطن والوجود والكرامة. أما السكوت والتآكل وانتظار حكم الظالم فينا، فموت متجدد، وقهر لا يبدده إلا قوة تقيم العدل وترفع شأن الحياة وشأن الإنسان، في أرض البشر جميعاً؛ وهو نوع من الاستسلام لاستراتيجية الخنق التي يمارسها الغرب والصهيونية ضد أمتنا العربية.‏

فهل نستسلم لذلك ونساعد عدوَّنا على أنفسنا أم أن هناك ما ينبغي أن نفعله بدقة وسرعة وجدارة ؟؟ إننا ننتظر.‏

الأسبوع الأدبي/ع325//1992.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244