صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

وطننا... والإرادة‎

عندما فتح جرح العرب الأكبر منذ نيف وأربعين سنة، واستمر نزيفه كل هذه السنين المرة، كانت النتائج مدمرة عربياً، وسلبية على العالم الإسلامي، الذي كانت نواته الصلبة ومازالت تتركز في قوة العرب.‏

وعندما اطمأن أعداء العروبة والإسلام إلى ضعف مزمن في بنية العلاقات العربية- العربية والعربية- الإسلامية أخذوا يقتحمون الساحات علينا ساحة ساحة، ويستنزفون دماءنا وقدراتنا وخيراتنا دفعة دفعة.‏

ويوماً بعد يوم نزداد نحن ضعفاً ويزداد أعداؤنا شراسة وعدواناً، ويفتحون جبهات جديدة، نساعدهم نحن على فتحها، حيث يزداد نزف الدم والقدرة والمال.‏

ومن يتأمل اليوم فيما يجري في ساحات الوطن العربي والعالم الإسلامي يجد عجباً وينزف ألماً وغضباً، وليس هناك اتعاظ ولا اعتبار بدروس مرَّت وخسائر كبرت، وصنوف من الفتك تستمر؟!...‏

وجرح العرب الأكبر في فلسطين مستمر ويستنزف الكثير الكثير، ويؤسس للضعف والمقت، ولما هو أسوأ منهما، مما تنطوي عليه أحشاء الزمن القادم.‏

وجرح العرب في الخليج ينغل حقداً وثأراً وبغضاً، ويستنزف ما لا يمكن حصره من طاقات وجهود وثروات بعد أن استنزف ما لا يمكن حصره أيضاً من دماء وإعمار وعلاقات.‏

وجراح في العمق تُنكأ وتُثار آلامها هنا وهناك، ودمامل تتوذَّم وتنفجر من آن لآن حسب توقيت يستند إلى تخطيط أو ينفذه، فتعيق الجسد على استشعار القوة والسلامة والحيوية والقدرة.‏

وتتقرَّى في الجسم العربي كل تلك الدمامل- الألغام فتجدها منتشرة في معظم الساحات: الصحراء الغربية- حلايب- واحة البريمي- دَبَا- نجران... الخ. وتضيف إليها ما بين وطن العرب وأوطان المسلمين من ألغام في كل جهة من جهات الحدود، تنتظر من يفجرها ويعبث بها!؟.‏

على النار الحامية قضايا قيد الإنضاج، وجراح قيد الفتح، ودمامل قيد التفجير، فالوطن العربي على المشرحة، وأبناؤه يندبون ويعانون ويُجرحون؛ وكلُّ له ألمه وعذره وشرطه وغايته وثأره.‏

العراق غدا محميات، جنوباً وشمالاً ووسطاً مقطوع الأطراف. والمحميات القديمة استعيدت محمياتٍ الآن، بعد فجر تحرير أشرق فأعاده العربي الأحمق ليلاً أسحم!؟.‏

وفي الجزائر نار، وفي مصر أخرى وفي تونس ثالثة، وفي لبنان وسواه رابعة وخامسة، وكل يشكو ألمه ويواسي نفسه ويضمد جراحه، وينتظر الشدة أو الفرج.‏

وفي الوقت الذي يعاني منه الوطن العربي -النواة التي يفترض أنها الأصلب للعالم الإسلامي - من كل هذه الهشاشة والأوجاع وتتوزع ولاءات أقطاره وأبنائه أيدي سبأ، نجد الهجوم الشرس يشتد على أطراف العالم الإسلامي كله والدم يسيل والبؤس يزداد، ونجد بعض بلدانه تتقاتل وتتناحر وتتعادَم وكأنها لا ترى ما يحيط بالجميع من تآمر وأخطار وبؤس.‏

فلننظر حولنا ماذا عسانا نرى، وماذا عسانا نفعل لنزيل قسوة ما نرى؟!‏

في البوسنة والهرسك براءة تُنتهك حتى النهاية، وإنسانيتنا تُداس، وتُقام لأخوتنا معسكرات الاعتقال ويذبحون بلا رحمة تنفيذاً لمخطط إبادة عنصري معلن على الملأ، ويكاد العالم الذي يقول إنه "متحضر" لا يُعنى بشيء ما مما يمت للإنسانية والعدل والسلم بصلة.‏

في أبخازيا يقتل الجورجيون المسلمين، وإلى جوارهم يحاصر الروس الشيشان ويعزلونهم عن العالم تماماً ويبطشون بهم.‏

بين الأذربيجانيين والأرمن يسيل الدم وينتشر الحقد وينمو، وفي جمهوريات آسيا الوسطى يشجُر الخلاف والقتل وتتهدد الفتنة بلاداً واسعة؛ وطاجيكستان مهددة بحرب أهلية تُضاف إلى الحرب المشتعلة في أفغانستان.‏

وعظيم الدولة النووية -مع التجاوز- الوحيدة من تلك المجموعة التي شاركت في بناء الاتحاد السوفييتي، أعني رئيس كازاخستان يخفق بجناحيه في "إسرائيل" حيث يتعهد بعدم تسريب أية قوة أو تقانة للعرب والمسلمين؟!؟.‏

على حدود تركيا والعراق وإيران ما يشبه الحرب بين قوميات كان يجمعها في آن سلام الإسلام. وفي زاوية أخرى من العالم الإسلامي نجد رايات الدم تتلون في كشمير وما جاورها، وعلى حدود بنغلادش شيء من ذلك.‏

أما في السودان والصومال وسائر بلدان إفريقيا السوداء فهناك إضافة إلى الاقتتال والفتن صولات "أندرو" الجوع والأوبئة تفتك بالناس؛ على غرار "أندرو" البحر الذي قدم هديته لبوش في أشهر الانتخابات. عالمنا العربي- الإسلامي يعج بالبؤس والجوع والضعف والدم والقهر والموت، وأعداؤه وبعض أبنائه يتعاونون- عن قصد منهم أو عن غير قصد- لإيصاله إلى حافة الهاوية؛ فهل يمكن أن نرى فيه ونرى له ما لا يرى الأعداء ومحدودو النظر من أبنائه؟!...‏

هل نطرح على أنفسنا أسئلة تحتاج إلى أجوبة منقذة ليكون هناك خلاص وأمل بعودة الحيوية والحضور- في ضوء القوة والعقل- إلى وطن الحضارة والعقيدة السمحة والإنسانية الحقَّة!؟!.‏

إننا مدعوون إلى التأمل والعمل بأسرع ما نستطيع لتدارك ما ينبغي أن يُتدارك قبل فوات الأوان، واستِحَار القتل والفتك فينا جميعاً. فالوطن أولاً وأخيراً هو وطننا، والمصير مصيرنا، ولن يخرجنا مما نحن فيه إلا فعل نقوم به على أساس من الاقتناع والثقة والعزم، فهل نفعل؟!...‏

الأسبوع الأدبي/ع328//1992.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244