|
نحن وأحكام الغرب الخُلُقية
"المقاطعة العربية عمل غير أخلاقي " هكذا وصف الرئيس الفرنسي ميتران نظام المقاطعة العربية للشركات التي تتعامل مع " إسرائيل " التي تحتل أرض العرب وتقتل من بقي من سكانها تحت الاحتلال. قال ذلك في باريس قبيل زيارته المقررة إلى فلسطين المحتلة وبعد اجتماعه برأس الأفعى الصهيونية " حاييم هرتزوغ ".
ونحن نستذكر اليوم أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول قال عندما نشبت حرب بين العرب والمحتل الصهيوني " أنه من حق الإنسان أن يقاتل ليعود إلى بيته "، ولم يسم الرئيس الفرنسي ذلك الفعل عدواناً كما سماه آخرون . وكم بين القولين والموقفين الفرنسيين من فرق في فهم الأخلاق والخُلُقي، وكم بينهما من تمايز في التعبير عن موقف يبني على أساس متين من فهم للحق في سياقه التاريخي، وربط للفعل المحدث بذلك السياق، وإصدار للوصف أو للحكم الخُلُقي استنادا إلى إدراك معرفي أصيل مؤسس على المبادئ والمعرفة والفهم الدقيق لمعطيات التاريخ ولجوهر الحق، وعرض الأفعال والأقوال على معيار سليم ودقيق يبين الموقف والفعل في آن معاً، ويضع الحد على المفصل في كل رأي. فلو أراد الرئيس الفرنسي ميتران أن يرى إلى فعل "المقاطعة العربية " في السياق التاريخي للقضية الفلسطينية وموقف الغرب منها، لوجد من المعلومات والمعطيات التاريخية ما يبرر موقف الحكومات العربية، ولوضَع هذا الفعل " فعل المقاطعة العربية " في سياق القضية التاريخي، ولوجد أن استمرار الاحتلال والغطرسة والاستعداد للتوسع الاستيطاني، سواء بتطوير القوة العدوانية أو بجلب المهاجرين؛ أقول لوجد في كل ذلك عملاً عدوانياً متصاعداً يحق للعرب أن يقاوموه وأن يتخذوا موقفاً من كل من يدعمه؛ وأن فعلهم ذاك يبقى في حدود الفعل الخُلُقي المشروع.
أما إذا كان الرئيس الفرنسي يمهد لزيارته إلى فلسطين المحتلة بأقوال ومواقف تجعله مقبولاً في " تل أبيب " فإن عليه أن يذكر أن حرصه على أن تلعب فرنسا خاصة وأوربا عامة دوراً مؤثراً في مفاوضات السلام، وفي حل مشكلة " الشرق الأوسط " يقتضي منه أن يتخذ من المواقف ويعلن من الأقوال ما يجعله مقبولاً أيضاً من العرب، لا سيما من أولئك العرب الذين تحتل " إسرائيل " أرضهم وتقتل أبناءهم. وعليه أن يذكر جيداً أن الكيان العنصري الصهيوني هو الذي كان يرفض دائماً تدخل أوربا في القضية، وحضورها مراقباً أو من خلال الأمم المتحدة - بحضور تلك الأخيرة - في مؤتمر مدريد، وأن العرب هم الذين كانوا يصرون على مشاركة أوربا، ليس لأن أوربا عادلة ونظيفة ولا مصلحة لها في هذه القضية، وغير منحازة؛ بل لأن أوربا، أو بعض دولها على الأقل، هي التي غرست تلك الجرثومة الفتاكة في جسم الوطن العربي، ولأنها تعرف تاريخ ذلك الجرح وتتحمل مسؤولية خُلُقية حيال اللاجئين والمشردين والمحتلة أراضيهم، وحيال عشرات آلاف الضحايا الذين فتكت بهم العنصرية الصهيونية بالأسلحة الأوربية والأميركية، وبأشكال المساعدات والدعم المادي والمعنوي؛ وعلى أوربا أن تساهم بدور في حل مشكلة خلقتها.
يشير الرئيس ميتران، إضافة إلى إشارته المتعلقة بالأخلاق، يشير إلى أن على المعنيين بهذه القضية " أن يقبلوا ما فرضته الحرب العالمية الثانية من أوضاع ". وهو يرمى إلى تثبيت النتائج التي منها: ذهاب فلسطين والاعتراف " ب" إسرائيل " " دولة من دول المنطقة والتعامل معها ليس كأمر واقع فقط، وإنما كقدر صاغته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية؛ تلك التي كانت وما زالت هي الدول النافذة الرأي والقرار في السياسة الدولية، ولا سيما في مجلس الأمن الدولي. كما يذكِّر من طرف خفي بأن القوة هي التي فرضت " دولة اليهود " وأن ميزان القوة ما زال لصالح تلك الدولة لأنه ما زال لصالح من فرضها أيضاً ؟!؟.
وإذن فلماذا يكابر العرب، ولماذا يفرضون مقاطعة " غير خُلُقيَّة " على من يتعامل مع " إسرائيل " في حين أنهم لا يستطيعون تغيير أي شيء مما أقرته القوة وفرضته وما زالت قادرة على إقراره وفرضه ؟؟.
إن منطق الجمهورية الفرنسية الحالية يختلف خُلُقياً عن موقف جمهورية شارل ديغول، على الرغم من أن جمهورية كل من ميتران وديغول ورثتا نتائج الحرب العالمية الثانية، ولكل منهما الحق بالإشارة إليها والحديث عنها، ولكن يبدو أن تحولاً ضخماً ما زال تياره مستمراً منذ غياب ديغول وحتى اليوم، ليس في فرنسا وإنما في أوربا كلها، وهو تحول يضع عنق أوربا في يد راعي البقر الأميركي، تلك اليد التي تحرك الصهيونية أعصابها وعضلاتها وأصابعها بقوة أشد وعلانية أكثر. وليس لنا، ولا نستطيع حتى لو كان لنا، أن نرى لأوربا رؤية ونقول لفرنسا قولاً يتعلق بسياسة أمريكا أو بالصهيونية؛ فنحن نؤمن بحق كل دولة بممارسة السيادة التامة، واتخاذ ما ترى من قرارات، وإقامة ما ترى من علاقات، ولكن عندما يتعلق الأمر بإصدار أحكام خُلُقية علينا، في ظل الانحياز لعدونا والسكوت عن ممارساته التي تزري بكل قيمة خُلُقية وإنسانية، وبالشرعية الدولية ذاتها ؛ وعندما يتعلق الأمر بقضية تقع مسؤولية الإخلال بالجانب الخُلُقي منها على الاستعمار، الذي تواطأ ضد شعوب كانت تحت الحماية (؟؟) وبلدان تعهد بأن يحافظ على أراضيها، ويوصلها إلى حالة من الاستقرار والتقدم تمكنها من ممارسة الاستقلال وتحمل تبعاته داخلياً ودولياً، فإن لنا الحق في أن نسمي الأمور بأسمائها، ونرفع الصوت عالياً لندفع عن أنفسنا أذى وتهمة، وأحكاماً جائرة، يصدرها أولئك الذين يعيشون نوعاً من الغطرسة في ظلال القوة.
فالفعل الذي قامت به الدولتان الاستعماريتان " فرنسا وبريطانيا " عام (1916) فيما يعرف باتفاقية " سايكس - بيكو" هو فعل غير خُلُقي.
ـ وإصدار وعد بلفور عام 1917 عمل غير خُلُقي.
ـ واستعمار سورية الطبيعية، وتقسيمها إلى أربع دول، عمل غير خُلُقي.
ـ وتبني عصبة الأمم لوعد بلفور ولفكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على حساب شعبها عمل غير خُلُقي.
ـ وممارسات الاستعمار الفرنسي والبريطاني، وكل استعمار، هو عمل خُلُقي بحق الشعوب والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، والقيم الإنسانية.
ـ والتنازل عن لواء إسكندرون لتركيا من قبل فرنسا التي كانت تحتل سورية تحت اسم الحماية، وكذلك التنازل عن كليليكا قبل ذلك، عمل غير خُلُقي.
ـ وإقامة دولة صهيونية في فلسطين على حساب حق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه، وحقه بإقامة دولته فيها، عمل غير خُلُقي، ومخالف لكل القوانين والشرائع والأعراف الدولية.
ـ والتواطؤ ضد مصر في حرب السويس والعدوان عليها، عمل غير خُلُقي.
ـ وتقديم أنواع الدعم " لـ " إسرائيل " " العنصرية المعتدية، التي تحتل أرض العرب بالقوة، وتقوم بإبادة السكان المدنيين، إبادة عرقية؛ ومساعدتها على امتلاك السلاح النووي، عمل غير خُلُقي بكل المقاييس.
ـ والموقف الأوربي من اجتياح " إسرائيل " للبنان عام 1982 ومن حصار بيروت عمل، غير أخلاقي. والقائمة بعد ذلك كله وقبل ذلك أيضاً طويلة ومتخمة بالأفعال المجافية للأخلاق، بالمفهوم " غير الاستعماري وغير العنصري " للأخلاق، أي بالمفهوم النظيف والسوي والطبيعي والإنساني والروحي النظيف لها.
فلماذا هذا الضغط علينا نحن العرب، ولماذا هذا التعالي، وتقديمنا قرابين؟؟ إذا كانت أوربا تريد أن تتخلص من مشاعر الإثم حيال ما يقال إنها ارتكبته بحق يهود غربيين، فعليها أن تدفع الثمن هي، لا أن تجبر العرب على أن يدفعوا ثمن أخطائها بحق الآخرين.
ولقد كانت جرائم أوربا بحق العرب أشنع، إذا ما أخذنا تاريخ الاستعمار وممارساته في الوطن العربي بعين الاعتبار ؟؟ وإذا كانت أوربا تريد أن تكسب ودّ " دولة عنصرية " قوية، وتنازع " أميركا " على صداقتها، وتستعيد تحالفها معها ضد العرب؛ فعليها أن تقرأ التاريخ جيداً وأن تعرف أن العرب قد يمرون بأزمات خطيرة، ولكن تاريخهم لن يستسلم؛ وإذا كانت أوربا معنية بمصير اليهود ومستقبلهم، فعليها أن تفسح المجال أمام الغربيين منهم ليعيشوا في أوربا وليعودوا إليها. وعليها أن تشجعهم على أن يتركوا البلد الذي يغزونه ويقتلون سكانه الأصليين ويقيمون فيه دولة للعدوان والظلم والعنصرية والقهر؛ دولة خلقتها القوة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وما زالت القوة الغربية الظالمة تناصرها وتتغاضى عن كل ممارساتها وجرائمها، وتَصِم كل من يدافع عن نفسه ضدها، ويعمل على تحرير أرضه من احتلالها بالإرهاب وتصفه بأنه غير أخلاقي (؟؟). إن الغرب غير منصف، وفي الغرب ممارسات وأحكام غير خُلُقية ضد الآخرين، وفيه عنصرية تتجلى بأشكال مختلفة؛ وعليه أن ينظف بيته وذاته قبل أن يصدر أحكاماً خُلُقية على الآخرين. كما أن عليه أن يعرف ـ أو أن يتذكر ـ تاريخ القضايا التي يريد أن يصدر أحكاماً خُلُقية وغير خُلُقية عليها.
وفي جميع الأحوال، وعلى الرغم من أحكام الرئيس الفرنسي السلبية على المقاطعة العربية لـ " إسرائيل "، ومن ثم على من فرضها، فإننا نرحب به في بلا د الشام - سورية الطبيعية، في فلسطين المحتلة ـ جنوب سورية ـ وفي القدس العربية؛ التي يختار أن يزورها وهي في قبضة الاحتلال العنصري الصهيوني ترتعش من وطء أحذية الذين آذوا المسيح، وولغوا في دمه، ومازالوا يلغون في دم الأبرياء الذين أحبهم المسيح وفداهم .
" نرحب " به نحن أبناء سورية الطبيعية في بلادنا فلسطين، التي ستبقى عربية والتي سيناضل أهلها، وكل العرب أهلها، من أجل عروبتها وتحريرها وهويتها الحضارية، لتعود عربية كما كانت دائماً، ولتبقى عربية.
" نرحب " به خُلُقياً، وكما عرفنا ونعرف نحن الأخلاق، في أرض المحبة، وفي كنيسة المهد، وفي القدس الشريف التي حافظ العرب، مسيحيون ومسلمون، على قداستها وخصوصيتها، وفتحوا أبوابها باحترام ومحبة لكل عباد الله واتباع المسيح، وصانوا الرسالة التي حملها يسوع، وأشعلوا شموعها في أوربا وسواها من بقاع العالم. ونأمل أن يذكر وهو في فلسطين المحتلة أن حواريي المسيح وأتباعه وأحفادهم، الذين تحملوا عبء نشر رسالته ومحبته وتمسكوا بأخلاقه، ليسوا هم اليهود وإنما هم الذين إذا هم وقتلهم اليهود ؟؟ وأننا في هذه المنطقة من العالم، مسيحيون ومسلمون وموسويون حقيقيون، عشنا ونعيش بتسامح أشد وبفهم للخُلُقي والإنساني، أسمى وأعمق وأوضح، مما نسمعه اليوم في الغرب الاستعماري.
الأسبوع الأدبي/ع339//1992.
|