|
المبعدون .. ظلال وظلمات وأفاق
ـ1ـ
حزن فوق جبل الشيخ، حزن وبؤس وظلام فوق هامة الأب الجليل، وثلج أبدي يمد بساطه تحت أقدام المتعبين يتزلج بهم مسرعاً نحو البحر، كأنما يود أن يغيب من الوجود بعد أن غيبهم عن الوجود؛ وحين يضعهم هناك في قلب دوامة الظلمة والإعصار يرقص مذبوحاً من الحسرة والألم، ويرتمي في الأعماق كمن ينتحر تخلصاً من عار تركه الناس على وجوه الناس، ومن أناس ما عاد يحركهم إحساس بالكرامة والقهر والألم فأسلموه للعبث، فأخذ يتماهى مع البحر فاتحاً رئات الخلايا للأملاح والأتراح. وعلى سفح الشيخ الغربي ليل قطبي الصفات يخيم فوق أبنائه المبعدين عن أهلهم وبيوتهم ومقدساتهم في فلسطين بقوة القهر العنصري الصهيوني، والتواطؤ الاستعماري الغربي، والعجز التاريخي العربي؛ ليل يفتك فتْكَته البكر بالأرواح والأجساد التي تحاول أن تتماسك فوق التلال وهي تتوشح بالماضي وبفضائل الحق والإيمان، يحرسها بؤس عبوسٌ ويمنع عنها حتى ذا مرحمة، قد يمد لها يداً بعون يسند جسداً يتهاوى في الريح.
ويتهجَّد مع أولئك النفر الصابر المثابر في صيامه وقيامه، يتهجد معهم بترانيم تنداح بين الخيام التي تنشب أظفارها في التراب والخصور، وتتثاقل رجراجة في المدى، تنشر النداء في كل الأرجاء، وتقيم أوتاراً في مقامها تشد إليها صقوراً تنشد مع الريح إلى حيث ترى مكانها في الأعالي مع الشهداء والصديقين، وتمنعها أجنحة مهيضة من التحليق والانعتاق؛ فتنهار على السفوح مترنحة في خضم النشيد الذي يسيل إيماناً وصبابة ووصباً وصبراً، وحتى أملأ في أحايين، تعلقاً بما قد يكون من أخوة وأحفاد وبنين:
"صامد يا شعبي صامد". و"الحمد لله والله أكبر".
جبل الشيخ المثخن بالجراح والهجر يتطامن، بكل ما يمثل ومن يمثل، يتطامن من تحت الأسى والقهر، ذليلاً يسحب أنفاسه وسواقيه، ذليلاً يغمد سيوفه ويفتح منافيه، ذليلاً يلجأ إلى الصمت والنوح، ويفقد كثيراً من قواه وحكمته ومعانيه؛ ويرتجف من هول ما يرى وترتجف موازينه، ويرتجّ في أعماقه شيء لا يترجمه إلا نوع من الإحساس الأزلي بين الإنسان والأرض، الاتصال المقدس بينهما، ذاك الذي يتجلى في التصاق إنسان بأرض وتماثل أرض في إنسان. يفقد جبل الشيخ كثيراً ويضيع فيه شيء كبير، ويستخرج أسراره ويجمع عيدانها فلا يزداد إلا حسرة وانكساراً؛ حتى ثلجه وبرده لا يحققان قسمة عادلة بيننا نحن المنتمين إليه والمحسوبين عليه!! فما بيننا وبين أخوتنا الجاثمين على امتداد سفوحه بون شاسع، فنحن في بيوتنا مع ذوينا حول المدافىء أو في نعيم التدفئة المركزية والمكيفات العصرية- ممن شملهم نعيمها- بعضنا يحتفل بأعياد الميلاد، وبعضنا يشارك المحتفلين الفرحين احتفالهم ويتابع ظلال بهجتهم، وأخوة لنا هناك تعزف لهم العواصف ألحانها، أو تعزفها بهم؛ تلاحقهم مزامير "رابين" على شكل قذائف وزخَّات رصاص وموجات حقد عنصري كريه وتوعُّدات وتهديدات، وقتل لأبنائهم وتدمير لبنائهم؛ ولا من يخفف معاناتهم ولا من يجعل موج أملهم في صعود، ولا من ينفخ في وجه الأفعى التي تطاردهم سمَّه وناره.
العالم يحتفل بأعياد الميلاد، والذين يدّعون في الغرب أنهم ألصق بالمسيح ورسالته من المسيح ذاته، يعملون "ليهوه" أكثر مما يعملون ليسوع، ويعيدون صلب المسيح ومسيرة الجلجلة الحزينة حين يمكِّنون أعداءه من قتله كل يوم في أجساد البشر الذين أحبهم، وحين يئدون، بأفعالهم الشنعاء ومكاييلهم المزدوجة، جوهر الحب والعدل والسلام، تلك التي عمل من أجلها في الأرض التي كرز فيها ودعا فيها للمحبة والسلام.
العالم يحتفل بأعياد الميلاد، والمسلمون في البوسنة أضاحي العيد يرفلون بأثوابهم البيضاء ويتجهون إلى النُّطُوع يخوضون بدم الذين سبقوهم إليها؛ وهم في فلسطين المحتلة قرابين العيد المقدسة يرضي بها اليهودُ زوارَهم حين ينحرونها على عتبات القدس والخليل وبيت لحم والناصرة باسم الأمن والأمان ومجد ابن الإنسان، الذي أرادوه أفعى يسحقونها روحاً وجسداً فلعنهم أولاد الأفاعي.
ومجلس الأمن كاهن أكبر يشف على نظافة الطقس وسلامته، ويدقق في تفاصيل نظامية الذبح، ويسجل الوقائع بكثير من الدقة والبرودة والتبتل والإعجاب والإخلاص، فالذي يأمر بذبح المسلمين وينفذه يأمر بذلك وينفذه باسم الأمن والشرعية الدولية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويأمر به قبل ذلك كله وبعد ذلك كله من أجل " رضا الله "، من أجل المحبة وإشاعة السلام، من أجل إعادة "شعب الله المختار" إلى "أرضه"؟!؟" على جثث "الغوييم"، الذين نبتوا في أرض فلسطين منذ أن وجد خلق فوق الأرض ووجدت فلسطين في الجغرافية. ولا بد بنظر الغرب الاستعماري المتصهين من اقتلاع "الزُّؤان" الذي يشكل قوام حقل الرب الذي منحه لأبناء "يهوه"، لكي تنبت حنطتهم وتتكاثر في الحقل المقدس الذي وعدهم به مالكه من دون الأرض "؟!؟" فكل خلق الله "زؤان" في حقل صهيون، وكل الأرض لا يعيرها الرب اهتماماً ولا يرضاها سكناً لمن "أحب" من دون خلقه"؟!؟" كما يتضح من تفسير ساسة الغرب لوعد الرب، ومن قراراتهم وسياساتهم الرامية إلى تنفيذ ذلك الوعد؛ وكما يتضح خصوصاً من ما جريات الأمور فيما يتعلق بفلسطين، قضية وشعباً وأرضاً، فلسطين التي قصدها موسى هارباً لاجئاً، فأحرق أتباعُه قلبَه بالهجر والكفر، ودفنوا أحلامه أو كادوا عند حدودها في رمل سيناء ونارها، فلسطين التي نبت فيها المسيح محرراً من جور اليهود وكفرهم، فلقي من أولاد الأفاعي الذين تكاثروا فيها وغلبوا على جزء منها في فترة من زمن، لقي منهم أذى وعنتاً وتعذيباً ما زال في النفوس أثره وتأثيره وتاريخه.
العالم يحتفل بأعياد الميلاد. وأولئك الذين يشاركون أبناء العالم الذي يحتفل بصفات الإنسان ومواصفاته ويجمعهم معه الشرط الإنساني والمصير الإنساني، يعانون في أعماق أرواحهم وأجسادهم من الظلم والبرد والجوع والغربة، ويحرَمون من أبسط حقوق الإنسان، ولا يحرك أمرُهم ووضعهم "خصر" سياسي راقص، أو معصم عدالة دولية قادرة على الإيماء للمجرمين لكي يكفوا عن الإرهاب والإجرام وإبادة النفوس بأشكال الإبادة المختلفة !؟.
إن ما يجري للمبعدين العرب من ديارهم وعن ذويهم لفظيع، وإن ما ينتظرهم من عيش ومصير لحالك السواد، في ظل وضع دولي مجيّر لمصالح قوة وحيدة عمياء، تقودها عصبة إرهابية ذات حقد وإجرام؛ عصبة سرقت وطن الغير وحولته لها وطناً، وسخرت قوة الغرب وسيَّجت بها سرقتها، وأبادت باسم الحماية من الإبادة شعباً وشردته وما زالت تلاحق جموعه، ومارست وما زالت تمارس أبشع أنواع الإجرام وإبادة الجنس البشري وإرهاب الدولة، وتشن على ضحاياها حرباً حقيقية، إعلامية ونفسية، باسم الدفاع عن النفس؛ في موجهة عزَّل إلا من الحجر والإيمان بالله والحق والوطن.
لقد آن للغرب أن يرى لو أراد أن يرى، ولقد آن لمجلس الأمن أن ينصف لو استطاع أن ينصف وأن يملك زمان قرار من قراراته، ولقد آن الأوان للعرب أن يدافعوا عن أنفسهم وحقوقهم وذويهم بالقوة لو أرادوا أن يختاروا الدفاع طريقاً ومواصلة الصراع ثابتاً من ثوابتهم القومية في القضية الفلسطينية.
ولكن الأمور ليست في هذا الاتجاه تسير، والنيات تتجه إلى الممالأة، وتضييع الفرص، وتضييع الأوقات؛ لأن الجسم العربي منخور بالتآمر والفساد والخلل والتدابُر، ولأن العدل الدولي مقود بخِطَام أمريكي- صهيوني، ولا ينطلق إلا عندما يكون في انطلاقه مصلحة وخدمة للإمبريالية الأميركية والصهيونية العالمية.
ولذلك فإن الحديث عن حقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة، وعن الشرعية الدولية، ومجلس الأمن القادر على تنفيذ قرار واحد من قراراته العديدة التي اتخذها ضد " إسرائيل " منذ عام 1947 وحتى اليوم، إن ذلك كله هراء في هراء. فالمجلس متصهين في أكثريته وقيادته، والفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية يطبَّق على العرب وليس على "إسرائيل"، والدول العربية أعجز من أن تفرض حضوراً في ساحة قرار دولي جاد، أو في ساحة مواجهة فاعلة مع العدو، لا سيما في الأوضاع العربية والدولية الحالية؛ ولذلك شاع التباكي وشاعت الشكوى، وازدهر البلاء والظلم والقهر والقتل بين ظهراني أهلنا في المحتل من أرضنا، وصار مسلسل إبادتهم واضطهادهم يومياً واعتيادياً يمر من دون أن يثير في أحد ثورة الدم والعزم؛ ويتكرر من دون أن يترك في النفس تبرُّماً واحتجاجاً واستهجاناً.
اليوم تجاوز عدد المقتولين بالجندي " الإسرائيلي " الذي اختطفته حماس وقتلته: الإثني عشر شهيداً من أبناء فلسطين، وتجاوز عدد الجرحى به الخمسين، وتجاوز عدد المبعدين به الأربعمئة رجلاً، وتجاوز عدد المعتقلين به الثمانمئة معتقلاً، عدا حالات الحصار والمداهمة والترويع والتجويع وهدم البيوت، فبربِّكم كم يبلغ ثمن صعلوك يهودي في زمن الذل العربي هذا؟! وما هي الدرجة التي بلغها الإنسان العربي في سلم حقوق الإنسان في العصر الأميركي اللعين، الذي يسوس الدول بسوس الفول وفأر الحقول ومسخ العقول؟!؟
إن البؤس الذي يخيم على سفوح جبل الشيخ، والذي يمتد اليوم إلى التلال القريبة من البحر سوف يزحف ويزحف ويزحف ليتجاوز الأجساد ويأتي على سويداء القلوب، وسوف يبذر بذوره في النفوس، كل النفوس، ويستنبت فيها ذلاً أكثر وقهراً أكبر، ما لم نضع حداً له بالعمل المنقذ لكرامتنا ووجودنا على أرض أجدادنا وآبائنا؛ إننا اليوم على مرمى الرؤية إذا ما استشرفنا الأمل وعملنا بجدية وعزم على تهيئة النفس لمقاومة العدو والرد عليه باللغة الوحيدة التي يفهمها: القوة، ولكننا غداً، سنكون أبعد من أن نرى الأمل ونستشعره، وسيكون الزمن قد قطعنا بسيفه فأحالنا أشلاء على درب الناس، فهل ترانا نستخلص العبر مما يجري لنا؟!. وهل نقوم بفعل علمي مدروس يلفت النظر لوجودنا ولحقوقنا ولقدرتنا على أن نقول ونفعل، وعلى أن نغيِّر نظرة العدو والعالم الذي ينصره، بالنسبة إلينا؟!.
إن ما هو صعب اليوم سيكون مستحيلاً غداً، ولكن مواجهة الصعب ممكنة وتفتح أبواب الاحتمالات وتفجِّر طاقات الشعب في الإبداع والمواجهة، ولكن مواجهة المستحيل ستكون صمتاً من نوع فظيع جربه بعض " قادة " العرب فاثبتوا أنهم نماذج متفوقة لقِصَر النظر وسوء التدبير؛ فهل ترانا نتدارك بعض ما يمكن تداركه اليوم، ونعمل ما يمكن أن يفتح للأمل باباً، أو يسد على العدو منفذاً؟!؟ إنني لآمل أن يتم ذلك قبل فوات الأوان، وآمل أن تكون قضية المبعدين مدخلاً لوضع بداية النهاية بالنسبة إلى مد الكذب "الإسرائيلي" والإرهاب العنصري، الذي يمارسه العدو تحت ستار "الديمقراطية" وحماية الأمن.
الأسبوع الأدبي/ع344//1992.
|