|
الصفقة حول المبعدين: هل يكتب لها النجاح؟!
ـ4ـ
أميركا، الحليف الاستراتيجي "لإسرائيل" وشريكها في التواطؤ ضد شعوب المنطقة لتأمين مصالح وأهداف بعيدة الأمد سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية، تروِّج نفسها كوسيط "نزيه" بين العرب والصهاينة، وتعقد صفقات خسيسة مع رابين وتعمل على فرضها، على العالم لأنه عملياً "إرهابي ويتعاون مع الإرهابيين".
إن هذه الصفقة التي رفضها العرب بشجاعة وتصميم، ورفضها المبعدون بتضامن مصيري رائع، وهوجم بطرس غالي لأنه رآها لا تحقق تنفيذاً للقرار (799). إن هذه الصفقة الأميركية -الإسرائيلية تسير علنياً في طريق الإحباط، ولكنها بين الشريكين المتحالفين أحد الثوابت التي سيعمل التحالف على أخذه بعين الاعتبار عند وضع الخطط والبرامج الخاصة بالمنطقة وكذلك عند التعامل مع القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني.
وسوف نذكر ذلك مستقبلاً حتى لو أعيد المبعدون جميعاً إلى فلسطين المحتلة تحت ضغوط عربية ودولية.
ذلك لأن اجتماع بوش -رابين الذي تقرر فيه منح ضمانات القروض قبل الانتخابات الأميركية الأخيرة كان في الحقيقة اجتماع مراجعة للأهداف الاستراتيجية وللوسائل الكفيلة بتحقيقها، وفي مقدمة ذلك كان مقاومة الإسلام المتشدد في قضية التحرير ووضعه في موقف الإدانة سواء تحت عنوان الأصولية أم سواها، وإعلانه إرهاباً ينبغي أن يقاوم بكل الوسائل، تحقيقاً لأهداف غربية -صهيونية، كانت أعلنت بعيد إنجاز تدمير العراق وانهيار الاتحاد السوفييتي، وإعلان نهاية الحرب الباردة؛ وملخصها العمل على تحقيق انهيار العروبة والإسلام في القرن القادم، واعتبار الأصولية الإسلامية بخطورة الشيوعية أو أشد.
إن المخطط يستمر، ولا تلجأ القوى الغربية، ولا سيما أميركا و"إسرائيل" إلى الهجمات الإعلانية الإعلامية الحماسية، على الطريقة العربية، حول هذا الهدف وحول ما تنوي تحقيقه؛ بل تعمد إلى تأمين كل ما يلزم لتحقيق ذلك الهدف من:
-قوة عسكرية أولاً، قوة قادرة على العمل ضد المناطق والمواقع المؤثرة، وإسكاتها.
-مناخ سياسي- واقتصادي ملائم كذلك المناخ الذي يخوض فيه العرب، حكام ومحكومون، طريق الدم والفتنة بين سلطة مسلحة دوماً تحافظ على النظام وما ترى أنه الأفضل ومعارضة مسلحة أيضاً تسلك طريق العنف لأنها تزعم ألا طريق سواها للوصول إلى تحقيق ما ترى أنه الأفضل.
وتضيع بين هؤلاء وبين من يقف وراءهم أو من يتعامل معهم بشكل مباشر أو غير مباشر، كل معاني الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأهمية الحوار، والالتفات إلى مخططات الأعداء، وإلى واقع الأمر الذي آلت إليه قضايا مصيرية وأهداف مركزية وأوضاع اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية تسحق الجميع وتهدد الجميع.
-وسط دولي سياسي وإعلامي، تهيئة الوسائل المختصة، يجعل كل ما يقوله الضحايا كذباً، وكل ما يقوله الطغاة والمعتدون والإمبريالي والعنصريون حقائق لا يرقى إليها الشك، وحقوق لا يجوز التطاول عليها!!.
لقد سارعت أميركا إلى القبول بإدراج المناضلين ضد الاحتلال في قائمة الإرهابيين، وطبل لذلك الأتباع والأعوان. وكعادة الدولة العلية التي لا ترى إلا بعين واحدة ولا ترى إلا ما يعجبها أن تراه، لم تلتفت إلى حقيقة أن "إسرائيل" تمارس إرهاب الدولة المنظم من سنوات عديدة، وتقوم بعمل عنصري مقيت هو التطهير العرقي بأشكال مختلفة منها: الأبعاد والقتل والتشريد والترويع بهدم البيوت وحرمان الإنسان الفلسطيني من موارد العيش ومقومات العمل والأمن والحياة السليمة. لم تلتفت أميركا إلى ذلك على الإطلاق بل أنها لم تره، وأفتت هي وكندا أولاً ـ وسيتبعهما الآخرون- أن من حق " إسرائيل " أن تدافع عن أمنها بالطريقة التي تراها ملائمة".
هكذا قال مالروني بالضبط بعد اجتماعه بالأميركيين منذ أيام فقط.
وهذا معناه أن أميركا تقر، في إطار التحالف القذر بينها وبين "إسرائيل"، تصفية الشعب العربي الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، ولكن بشكل بطيء ومتنوع، وتقر سياسة "إسرائيل" الرامية إلى تنقية فلسطين من العرب بكل الأشكال الممكنة، وتقر مبدأ إبادة الجنس أو لا تعترض على ذلك لأنها "لا تراه" أو لا تريد أن تراه في هذه المنطقة من العالم، وفي هذا الوقت بالذات.
وهي لا تنظر أصلاً إلى مواطنيها نظرة متساوية، فحين تضطهد "إسرائيل" أميركياً من أصل عربي وتسجنه بحجة أنه يتعاطف مع "حماس" في فلسطين تتغاضى أميركا عن مفهوم حق المواطن الأميركي لأن المعني بذلك عربي مسلم يزعج الحليفة "إسرائيل"؛ أما عندما يتعلق الأمر بمواطن أميركي من أصل غير عربي، ولا سيما إذا كان يهودياً تعرض لتوجيه سؤال، مجرد سؤال إليه، في أثناء ممارسته للتجسس مثلاً فإن الدنيا تقوم ولا تقعد!؟.
إن علينا أن ندرك جيداً أبعاد المؤامرة التي تحاك ضدنا، وعلينا أن نكشف الدور العربي فيها أولاً وقبل كل شيء، لأنه أخطر الأدوار وأشدها فتكاً في الجسم العربي وفي قوة المقاومة واستمرارها. وعلينا أن نعمد إلى فعل يؤثر واقعياً وعملياً في الساحة السياسية والنضالية ويكشف التواطؤ ويوقفه.
إن المساومة المعلنة- مثلاً- على قبول الصفقة الأميركية -الإسرائيلية حول المبعدين لقاء تمثيل منظمة التحرير في الحوار الفلسطيني -الإسرائيلي، على الرغم من ظهورها بمظهر التعجيز إن لم تتحقق والمكسب الكبير إن تحققت؛ ستترك آثاراً سلبية على مجمل النضال في الساحة العربية. ولجوء بعض الدول العربية إلى قبول الصفقة ومباركتها، ثم التراجع عن ذلك، ثم التملص من مواقف؛ هو عمل لا يجوز أن يتم في هذه الظروف التي تتصاعد فيها المواجهة بين الانتفاضة والعنصريين الصهاينة، ويُقتل يومياً فيها عدد من الأشخاص في غزة والضفة الغربية، ويجرح عشرات، ويطرد من الفلسطينيين مئات ويجلب إلى فلسطين مئات الآلاف من الروس.
إن المؤامرة أوضح من أن تخفى، والتواطؤ أكبر من أن يبتلعه فم، وعلى العرب، حاكمين ومحكومين، ألا يلعبوا لعبة ملوك الطوائف مرة أخرى حتى لا تذهب الملوك والطوائف العربية إلى الأبد.
إن مجلس الأمن سينعقد بعد تأجيل طال واستطال، لأن الموضوع يتعلق بعرب، وسوف لن يجرؤ على مخالفة السيد الأميركي في نهاية المطاف. فليكن لنا فيه موقف موحد مشرف حتى لو لم نحصل على قرار يفرض عقوبات على "إسرائيل"، لأن استعمال أميركا لحق النقض أو وقوف جنودها وأتباعها في المجلس معها، سوف يضع المخرز في عيون أولئك الذين لا يرون عيوب أميركا وتواطؤها، وسيجعل العالم الذي تحتقره أميركا أقرب إلى إدراك حقيقة الدولة التي تتشدق بكلام عن حقوق الإنسان والديمقراطية والعدل الدولي وهيبة المنظمة الدولية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن واحترام تلك القرارات؛ وتقوم باستخدام قوتها عندما يدفع لها بدل ذلك، وتحجم عن استعمال تلك القوة عندما يتعلق الأمر بإبادة جماعية لفقراء لا يدفعون نقداً، أو لجنس أو أبناء عقيدة مدرجين على جدول الإبادة في اتفاقياتها السرية وتحالفاتها العنصرية.
إن وارن كريستوفر وزير الخارجية الأميركية قادم إلى المنطقة لترويج الصفقة الأخيرة، فهل نستطيع أن نقدم له بمنطق غير استفزازي، وكمجموعة عربية متماسكة موحدة الرأي والرؤية والكلمة، حقيقة ما نشعر به وحقيقة إدراكنا للدور الأميركي غير النظيف وتحكمه بمصائرنا ومصالحنا وقضايانا، وبالمنظمة الدولية التي يفترض بها أن تمثلنا جميعاً؟!
نأمل ذلك من كل قلوبنا، وإن غداً لناظره قريب.
الأسبوع الأدبي/ع350//11/شياط/1993.
|