صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

أمل في حقول الألم

أغنية الشيطان تتكرر، تجرح ولا تطرب، وتُمل لكن لا تتوقف، تنتشر في فضاء المكان من حولنا وفي مسارات الدم من أجسادنا وتدوِّم رافعة إيقاعها من دون أن تشفي نفساً أو تعفيها من لكم السأم.‏

ويوماً بعد يوم تستنزف طاقاتنا وأحلامنا وأعمارنا، ونبقى دائماً على عتبة الحضور، نرفض الإهمال ولا نسجل فرض الحضور وزهوه ومشاركته. كرة الدم والقمع والاحتقار تكْرُج في بقاع نحن أهلها وتاريخها وانتسابها، وتكبر كلما كرجت، ويزداد معها الصراخ واللهاث والإحباط والألم: الصهيونية، الاستيطان، الإبعاد الاعتداءات، المفاوضات، الدم المراق، النشيج الذي يعتصر فروع شجرة الحياة، وصراخ مكتوم في مقابل موت محتوم.‏

أمة تدخل جحرها وتتوه فيه فلا تخرج منه إلاّ إلى القبر أو إلى سوق الرقيق، وهي تملك كل ما يجعلها براء من ذاك الداء، أمة هي بشأنها تجهض قلباً في تألق زهوه إن لم يستنفر تاريخاً من رقدته؛ ما لها كأنما لا موعد لها من الكرامة والجسارة والحظ الحسن والعصر الحديث؟! ويوم يهل عليها سعدها في أحسن أحواله، يبتسم لها أميركي صلف ويغمزها بطرف عينيه لتلحق به.‏

ونبقى أبناءها مبثوثين كالفراش حول بؤر النور نصرخ حتى نتلف وتغيب أصواتنا في عتمة جيدة التصنيع والتوزيع. ندور ونتراكم فوق نار المصباح، وهو يرتوي منا على مهل، ويرمق أفواجنا المتدافعة إليه ناهراً زاجراً أن انتظموا وانتظروا، فكل وارد مناهلي بأسرع مما يتصور. ويا ليت ورودنا تلك المناهل يكون لتحقيق شرف الحياة وشرف الأوطان، لكأنما هو موت الحي في موت معنى الحياة والكرامة لديه، موت يُراكم الأجساد في دروب الأحياء، ويُراكم الآلام في نفوس الأصحَّاء، نكتب ونزفر ونلوك الكلام، وهناك من يلوك أعمارنا ويصنع أقدارنا على مهل، ويراقب مواتنا على مهل؛ لا نحن ننتقل إلى الفعل المجدي المؤدي إلى إنقاذ ونجاة، ولا يكاد أحد منَّا يقرُّ أحداً على فعل منقذٍ مجدٍ أصلاً؛ وحتى في مجالات التوافق الضمني على أفكار ومناهج وبرامج تقربنا بعضنا من بعض، نختلف أشد الاختلاف ولا يجتمع لنا شمل على أبسط المسلمات. وحين يُشْهَر فوق رؤوسنا سيف التسلط والقهر نمد الرقاب ونطأطئ الرؤوس، وننفخ بصمت من تحت النير، وينظر أحدنا من أسفل إلى الآخر الذي يبادله النظر من أسفل أيضاً، ولكن القلوب تبقى شكَّاكة متنافرة غير مطمئنة ولا واثقة. ترفض أن ترتاح حتى إلى المصير المزري المشترك، إذ تحسب ألف حساب ريحٍ قد تأتي من ألْف باب وباب !! فربما كان قرين النير عميلاً مدسوساً، ورقيباً وزِّع بين الصفوف، أو طامعا بدور يؤديه لدى السيد الكبير الذي يدفعه، ويدفع له، ويزري به، ليعليه!؟.‏

وهكذا يزدهر القهر والشك والألم والموت، البغض والضعف والاستسلام. في سوق الكبار نعرض نحن " الصغار " أصنافاً من السلع، وتصانيف من الغباء، بعضها نادر مطلوب، وبعضها مرفوض لا يُشتري بفلسين اثنين !! ومن يروج سوقه يُشترى ويُشوى ويؤكل، ومن لا يروج يكسد ويفسد ويُسحق بالأقدام؛ فيكون المصير متقارباً بالنسبة لسلع مصدرها واحد، ومناخها واحد، والمتحكم بها واحد، والمستفيد منها واحد!! فمن يخرجنا من دوامة التآكل والاجترار والإحباط؟ ومن لنا، سوى أنفسنا يا ترى؟! ولا ينقذ الإنسان إلاّ عقلُه وقلبُه وفعلُه: رؤية وإيماناً وعملاً؛ وكأنما يتعطل منا العقل، ويضطرب القلب ويضمحل الفعل، أو يفني هذا ذاك، وذاك هذا، فيؤول الأمر إلى تراكمات الضيق والاعتراض والضياع.‏

من نار إلى نار نندلق وقوداً ساخناً، ويشمت من هو مقدم على الاشتعال بمن يشتعل، ناسياً أو متناسياً دوره وجلده. وتدور بنا عجلة العنف والفوضى، القهر والموت، تدور مرات ومرات على مدارها القديم الجديد المتجدد !! الحاكم يأكل المحكوم، والمحكوم يتلهف على تفتيت الحاكم، وأمر كل من الحاكم والمحكوم معاً، يستفيد من سقم رؤية الاثنين ورأيهما، وكل منهما يرتاح إلى دوره ومكانه ومستقبله، في ظل استمرار ذاك الترصد المقيت.‏

وترانا على مدار تاريخنا الحديث، من أقصى الوطن إلى أقصاه لا نمل من تخفيض سقف الطموح والأمل والرؤية والشعار؛ حتى الحدود الدنيا لتطلعات الناس، تصبح عندنا، جراء جهود المروِّجين والمسوِّغين والمتهافتين، حدوداً عليا للأمل والطموح.‏

تراجعاً بعد تراجع نعيش، ورتبة فوق رتبة في سلم الوهم نرتقي؛ نعوِّض ونعوِّض ونعوض، حتى صارت هذه الآلية - النفسية خير ما نتقن من أفعال .‏

في سوق " الحكمة " يكثر منا المنجمون، وفي أسواق التنجيم يتشمرخ الحكماء، ويمتد التيه الخالد زمناً يطول ويطول؛ نبحث عن ذواتنا، ويبحث بعضنا عن بعضنا الآخر، في لعبة " الاستغماية " التي نعرف - ونحن نلعبها - أننا نضحك خلالها على أنفسنا ومن أنفسنا. ونسوِّغ استهلاك القدرة والوقت، ونؤجل ميلاد الرؤية واليقين ونطمس معالم الطريق المؤدية إلى الخلاص، وبين الشعر والسياسة ننشر غسيلنا ولا نريد له أن يجف حتى لا يدخل مخابئه؛ ونطلب من الزمن أن يخلد عطاءنا ذاك، وأن يحفظ كل ما تقدمه له صفحات التاريخ .‏

مسكين التاريخ.. ماذا يسجل وماذا يهمل؟ مسكين الزمن ماذا يترك وماذا يحمل؟ ومسكين قلب الإنسان ماذا يحتمل ومتى ينكسر، ومسكين طفل عربي يولد، ماذا ينتظر !؟!‏

" إسرائيليات" العصر الحاضر و " أميركياته " التي نرتِّلها، تسجل أكبر مساخر الأبناء من الأجداد، وأكبر مساخر الناس من الاثنين ؛لأننا ننفخ في قرب' غيرنا وقربتنا مبقورة، ونغني في عرس سوانا والحزن يجتاح أعراسنا ودورنا وقلوبنا، ونبعث شهاداتنا وبرقياتنا إلى متاحف التاريخ الحديث ليعرف الآتون بعدنا أننا كنا نعرف ولا نقدر، وليدرك الآتون من بعدنا أننا كنا نعرف ما نرسم لهم من مصير، ومع ذلك نشدهم عبر خيوط الزمن إلى دوامة الأعاصير، وعمق المعاناة، ومستنقعات الحياة التي نهيئها لهم..‏

من يقول بصوت يُسمع ويُفهم أنه لا خير في معرفة لا تنقذ صاحبها؟! ولا خير في من يُلدغ من جحر مرتين وألفي مرة ومرة ويعاود النوم على باب ذلك الحجر مطمئناً أو متطامناً؟!‏

نكتب، ونكتب، ونكتب.. ولكن ليل الحبر الذي أخذ يطمس نجوم الأفلاك في عالم الرأي والرؤية، يزداد ظلمة واتساعاً؛ إذ ما فائدة أجمل الكلام وأعذبه وأحكمه وأكثره صدقاً وصواباً، إذا لم يتحول إلى إرادة وعمل وموقف وسلوك؟! وما سبب عدم تحقق ذلك، ولماذا لا يتحول القول إلى إيمان وفعل ومواقف في الحياة؟! هل لأن ما يكتب لا يقرأ، أم لأن ما يقرأ لا يحمل شيئاً مفيداً، أم أنه لا يفهم، أم لا يوجد فيه أصلاً ما يُفهم وما ينفع، أم لأن ما يفهم ويعلم لا يترجم أو لا يمكن أن يترجم، في ظل تداخل المعطيات والظروف والحالات، إلى فعل ينفع الناس؟؟!‏

أياً كانت الإجابة والأسباب فلا بارك الله في علم لا ينفع الناس، وبورك من يسعى إلى إيجاد صيغة يحقق فيها ذاك النفع. لقد تغلغل الإحباط، ولا نقول اليأس، في خلايا الناس وخلايا الوقت، ونكاد نغرق في بؤس يجعلنا نشرف على اليأس، فهل يعقل أن يكون المرء ضد نفسه إلى هذا الحد؟ وهل يعقل أن يعبث الآخرون بمصائر أمة عريقة كأمتنا العربية إلى هذا الحد؟! وهل يقف أبناؤها، على درجات مسؤولياتهم ومعارفهم ومراتبهم وقدراتهم، يتفرجون على الآتي، المحتم المجيء، دمن ون أن يملكوا لسوئه رداً ولا لقسوته دفعاً ؟!. وهل نعجز حتى عن استثمار اللحظة التي يُراق فيه دمنا على مذبح قضيتنا العادلة ؟!‏

الرؤية القاتمة محجوبة، إنها رؤية من خلال غيوم الألم، وليست رؤية من بوابة الأمل الذي يبذر حقول النفوس الطيبة باستخلاصات طيبة من حقول المعاناة والانتماء، ليزدهر فيها عطاء جديد ينفع الناس وينقذهم؛ وإننا لن نملّ من بذر حقول النفوس بالأمل وبما يزيل الغمة والألم.‏

الأسبوع الأدبي/ع355//18/آذار/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244