|
في قوتنا وضعف العدو
الكلام على قوة " إسرائيل " العسكرية، وقدرتها على التأثير في صنع القرار الأميركي، ودخولها مرحلة المد الدبلوماسي والانتشار السياسي في قارات الأرض، وامتلاكها قاعدة صناعات عسكرية، على الخصوص، تمكنها من تطوير أسلحة، ومن أن تصبح مصدراً رئيساً للأسلحة، كل ذلك ينبغي ألا يحجب عنا الضعف الكامن في ذلك البناء، والمنافذ التي يؤتى منها العدو، كما أنه ينبغي ألا يمنعنا من البحث عن مصدر القوة لدينا، تلك التي تمكننا من الصمود وصولاً إلى المواجهة والحسم الناجحين. قد يبدو الكلام على صمود ومواجهة وحسم، من بضائع زمن فات، ومما هو خارج دائرة الزمن العربي أصلاً، ولكنني ممن يتشبثون بالعزف على مزمار عريق في الصحراء، إيماناً مني بأن روح الرمل سوف يتوثب عاصفة ويستعيد الحياة والكرامة والحياء، وممن لا يقتنعون بضرورة طي السجل الماضي للقضية واعتبار كل ما كان كأن لم يكن؛ وممن يقوم بينهم وبين فكرة " دولة يهود " معترف بها في فلسطين، جدار من دم الشهداء، ومدى لا يُحدّ من معاناة أجيال ممن شردوا ولجؤوا ونزحوا واقتُلِعوا من جذورهم. وأجيال عربية انعكست عليها القضية والمعاناة بأشكال مختلفة، ولذلك أراني منسجماً مع نفسي في أحلامها وتطلعاتها و "أوهامها " وهي تدعوني لأن أخرمش بأظفاري سطح حصن العصور القادمة الذي يسوّى بعناية وعلى أحدث طراز، ويُصقل ويُلمّع، ويحاط بآسية من الأحلام والأوهام.
إن الضعف الذي قلت إنه كامن في بناء كيان العدو المزروع في فلسطين المحتلة، يمكن التماسه في الآتي :
ـ الاعتماد على المساعدات الأميركية والابتزاز والجباية اليهودية لتغطية الاحتياجات والعجز والضعف الاقتصادي، واحتياجات التوسع والاستيطان واستيعاب المستوطنين، وقد لا تكفي مبيعات الأسلحة الإسرائيلية وعمولات مبيع الأسلحة الأميركية مستقبلاً لتغطية الموارد الضرورية للخزانة، ولن تتمكن الولايات المتحدة الأميركية إلى ما لا نهاية من تقديم المساعدات وحل المشكلات والضائقات المختلفة، لاسيما وهي تعاني من أزمة اقتصادية ومن بطالة مزمنة وضائقات كثيرة جرَّاء التزامات دولية وداخلية. وإذا ما حدث وقصرت ـ لسبب أو لأخر ـ في شد بعض العرب لدفع أتاوات غير مباشرة لـ "إسرائيل"، فإن الأخيرة لن تعوض ببساطة ما يأتيها من مساعدات وإعانات، ولن تتمكن من تعويض ذلك عن طريق الاستثمارات الزراعية نظراً لضيق المساحة والكثافة السكانية والاستثمارات السابقة العالية المستوى حتى الآن، في فلسطين المحتلة. ولذلك يتم التركيز الآن ـ وفي إطار التسوية العامة للصراع العربي ـ الصهيوني، يتم التركيز على :
ـ فتح أسواق الاستهلاك، على مصراعيها بإقامة المناطق الحرة، والعمل على فتح الحدود " للتجارة الدولية " التي تعني توجهاً للبضائع في اتجاه واحد، تستفيد منه " إسرائيل "، بوصفها منتجاً لبعض السلع، وسمساراً مروجاً لبضائع الغرب في أسواق العرب، حيث تصبح الوكيل المعتمد الذي يمول المنطقة بكل ما تريد .
وإذا ما ربطت هذه الأسواق بمصالح جزئية لبعض العرب فأنها ستجد من يدافع عنها من أبناء المنطقة العربية ذاتها، حيث يصبح عيش أولئك مرتبطاً بالوكيل الأكبر " إسرائيل " .
وإذا ما قاطع العرب " رسمياً وشعبياً " شايلوك اليهودي الجشع، ورفضوا تطبيع العلاقات معه، وتماسكت مصالحهم وبقيت على الخط النقيض مع مصالحه، فإنه لن يستطيع أن يجد الموارد اللازمة لحل ضائقاته الاقتصادية، ولا تلك الضرورية للاستيطان وجلب ملايين اليهود وتوطينهم في فلسطين والأرض العربية التي سيسعى لاحتلالها على أرضية مشروعه الاستيطاني ـ التوسعي ـ التوراتي .
ـ كون المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة مؤلفاً من قوميات وأعراق وأبناء دول وثقافات ومجتمعات عديدة، مختلفة العادات والتقاليد والأعراف، ولا يجمعها إلا رابط قوي واحد هو " التلمود " والأوهام أو لأحلام التي بنيت على أرضية الدعوة الصهيونية القائمة أصلاً في جزء كبير منها على تعليماته. فهل تصمد هذه البنية الاجتماعية لخلافات كبيرة قد تنشأ بين الفئات المختلفة، على أرضية سياسية أو عرقية أو على أرضية التفريق الاجتماعي والسياسي والثقافي بين " الأشكنازيم " اليهود الغربيين و" السفاراديم " اليهود الشرقيين؟ وهل تصمد هذه التركيبة الملفقة أمام خطر حقيقي قد يهددها؟!
وهل يمكن أن تقوم خلافات تؤدي إلى حرب أهلية بين اليهود المجلوبين إلى الأرض العربية المحتلة بسبب الانسحاب لصالح مشروع السلام، أو بسبب إقامة دولة فلسطينية؟! إن كل ذلك احتمالات واردة ولها أساس مكين في أرض الواقع ولكن الاعتماد على ذلك وحده يقود إلى ما يشبه الوهم، لأن ما يطرحه اسحق رابين الآن، كان المقبور موشيه دايان قد طرحه سابقاً أمام ملك المغرب بموافقة رؤسائه آنذاك، ولأن ما بين أحزاب اليهود من خلافات ومشكلات يبقى تحت سقف خدمة الأهداف الصهيونية الاستيطانية، محكوماً بالمصلحة الاستعمارية الصهيونية والتلمود، ولكن هذا ليس نهائياً على الإطلاق، فالخلافات التي وقعت بين العلمانيين والمتدينين، وما يمكن أن نسميه باختصار " أزمة شالوميت آلوني " وكذلك ما يقوم في الشارع الاجتماعي هناك من تنافر وفساد وفضائح آخرها فضيحة وزير الداخلية " درعي " وما يتوزع عليه اليهود من مشارب ثقافية بعدد البلدان التي أتوا منها، وما يصيب أحلامهم وتطلعاتهم من إحاطات وما ينتج عن ذلك. كل هذا يوضح بجلاء أن كل الإمكانات والاحتمالات قائمة ومفتوحة إذا ما وجد من يستثمرها بجدية واقتدار ووعي لتحقيق أهداف استراتيجيات قائمة، ذات برامج مدروسة وصارمة، تعمل على تحقيقها عناصر مدربة مسؤولة مؤمنة بحقها، قادرة على المبادرة، وعلى استخدام أوراقها بشكل ممتاز في هذا المعترك.
ـ إن العصب الحيوي الذي تحتاج إليه " إسرائيل " لتقدمها واستمرارها، ليس بيدها، وهو النفط والماء، ولما كان النفط يأتيها من العرب، لاسيما بعد كامب ديفيد، والماء تأخذه من المياه العربية في الأراضي التي تحتلها الآن وسوف تعيدها على أرضية " السلام " فان العرب قادرون على التأثير الجدي على العدو إذا ما اتفقوا على استراتيجية عمل موحدة فيما يتعلق بالطاقة والمياه.
ولكن هل يتفق العرب؟! وإلى أي مدى يمضون في اتفاقهم؟!
وهذه النقطة بالذات تقودنا إلى الدخول في الشق الثاني من الموضوع المؤثر وهو مصادر القوة التي لدينا نحن العرب. وقبل أن أشير إلى أي منها لا بد من التأكيد على أن كل ما سأذكره لا قيمة له إذا لم يوجد القرار السياسي العربي الذي يأخذ بمبدأ التحرير والمضي في الصراع العربي ـ الصهيوني إلى مداه، حسب ثوابته وأهدافه الرئيسة. لأن داء الأدواء في هذا الموضوع يكمن في القرار السياسي العربي على الخصوص، وفي قومية القضية والقرار.
إن مصادر القوة العربية كثيرة وكبيرة، وتشكل عامل تأثير على العدو وعلى أميركا التي تدعمه، ولا نريد أن نتكلم الآن على النفط والقوة العسكرية، والأعداد البشرية، والقدرة المالية، بل على قوة الرفض العربي الشامل للاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه، في أهمية إغلاق أسواق الاستهلاك العربية أمام البضائع الإسرائيلية وتلك القادمة من الغرب عن طريق الوكيل اليهودي في المنطقة، في مدى تأثير الموقف العربي الثابت من أحكام المقاطعة العربية، والقرارات التي سارت على هذا المسار منذ بدأ الصراع العربي ـ الصهيوني وتطور .
إن مقومات القوة العربية باتت في هذه المرحلة معنوية ثم مادية، فهل نتطلع إلى صلابة تامة في الموقف العربي الرسمي والشعبي تقوم على رفض الجسم الغريب الذي يسمى " إسرائيل " في الجسد العربي؟! أو أننا نمهد الطريق نفسياً واجتماعياً بالوسائل المتاحة أمام قبول هذا الجسم؟!. إن تطورات الأحدث وتوجهات الرأي تشير إلى سلبية الموقف العربي حيال حالة العداء، ويظهر ذلك جلياً في أكثر السياسات العربية وفي بعض الحالات الاجتماعية التي تبرز في أكثر من بلد عربي. فلم يعد اليهودي ـ الصهيوني مرفوضاً وعدواً يشكل وجوده خطراً على وجودنا، بل أصبح عند تلك السياسات والشرائح الاجتماعية والفئات، أصبح تعنته وصلفه هو المرفوض، وأصبح المطلوب منه أن يقبل بجزء من حقنا لنقبل بحق له في الوجود بيننا (؟!) ولم يعد الكيان الصهيوني كياناً معترضا عليه ككل، ومرفوضا وجوده كدولة في المنطقة، بل أخذ الاعتراف به ينمو منذ قمة فاس إلى أن أصبح مدوياً في السياسة العربية الرسمية هذه الأيام من أيام الناس، وصار المكروه المرفوض المزعج، هو تسويفه ومماطلته ورغبته في الحصول على الأرض والسلام معاً، ولو انه يعيد الأرض لربح السلام والاعتراف معاً، وربما تعاملاً إيجابياً ونوعياً من الدرجة الأولى من العرب الذين كانوا لا يقرون له بأي حق من أي نوع في هذه الأرض.
إن كل المقولات والمحرمات السابقة سقطت، ولا أدخل الآن في كيفية سقوطها ومبررات ذلك السقوط وأسبابه وفي كون ذلك مقبولاً ومستساغاً ومسوّغاً بالدرجة المرضية أم لا، وإنما إلى ما يمكن أن يسمى " واقع الحياة السياسية العربية اليوم ". والمتتبع لبعض المصطلحات الحديثة العهد، يصاب بدوار أعتى من دوار البحر لمن يتأثر به، ذاك هو دوار البر السياسي العربي الراهن، فبعض دول الخليج العربي أوقفت المقاطعة العربية للشركات التي تتعامل مع العدو وهي تذهب إلى المدى الذي تعلن معه أنها تطمئن إلى تعاون مع " إسرائيل " أكثر من اطمئنانها لبعض العرب، ولو أن هذا الكلام قيل قبل اجتياح العراق للكويت لما كان الكفر أشد منه استنكاراً عند أبناء الخليج العربي أنفسهم.
وفي المغرب العربي الكبير تبعت تونس خطا المغرب ورضيت باستضافة إحدى لجان المفاوضة المتعددة الأطراف، وكأنما العرب الوسطاء يكثرون ويكثرون لإقناع العرب الذين تحتل أرضهم، أو الذين مازال رفض العدو يتدفق ناراً في دماء عروقهم، لإقناعهم بالقبول والإقبال على الفرصة السانحة .
وفيه أيضاً قام حجيج جماهيري بزيارة للقدس مروراً من مخفر إسرائيلي وتحت علم صهيوني، وقام " أبي ناتان " الصهيوني الذي يعمل لوجود " إسرائيل " ودعم كيانها بطريقة مغايرة لطريقة إسحق شامير واسحق رابين بزيارة إلى الجماهيرية ليجتمع بقيادات فيها، وقد وسع هذا اليهودي دائرة عمله التي كانت تنحصر بالقيادات الفلسطينية .
وفي فلسطين " التشرد والثورة " تقوم لقاءات بين وفود لكتاب فلسطينيين وآخرين يهود في الدول الاسكندنافية وغيرها، دون أن يثور حول ذلك ضجيج؛ ويجتمع وفد من شبيبة حزب العمل الصهيوني مع وفد من اتحاد طلاب فلسطين في الدول الاسكندنافية أيضاً، ويصدرون بياناً مشتركاً، من دون أن يسبب ذلك جرحاً أو هزة للوجدان الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً !؟.
وتجري هنا وهناك خطوات ولقاءات ومبادرات الغاية منها تسويق العدو وترويجه نفسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً بعد أن تم تسويقه سياسياً، وما على الغاضبين إلا أن يضربوا رؤوسهم بالجدار حتى تنفلق فهذا هو ما يفرضه العصر الأميرو ـ إسرائيلي وما يفرضه " منطق الواقعية السياسية " الآن.
وكم من كلمة حق أريد بها باطل في التاريخ ولكنها غيرت وجه التاريخ، وها نحن، عرب اليوم، نخوض في ماء عكر قوامه " حق يراد به باطل "، و " باطل استقوى حتى صار حقاً ؟!؟ ربما مشت القافلة بعيداً وخلّفت وراءها صراخ جرحى أو مصابين ميؤوس منهم ومن شفائهم، ولكن ما الذي يفعله المجروح سوى أن يتألم ويوقد نبضه ناراً يستدفئ بها، ويستمطر شآبيب الرحمة على وضعه ووضع سواه؟! ومن يدري لعلّ في ذلك خيراً ولعلّ فيه فائدة .
إن لدى العرب ما يدافعون عنه، وما يدافعون به، وتنقصهم الإرادة، وينقصهم القرار، وينقصهم أن يكونوا على قلب واحد، فهل تراهم يكونون؟! .
إنني لا أشك بأمتي، ولا بقدرتها، ولا بحيويتها وإمكانية انتصارها على نفسها وعلى عدوها في قادمات الأيام، وربما من أجل ذلك وبسببه لا أكفّ عن العزف على ناي الرمل، ناي الحي العريق الذي لا يطربني سواه.
الأسبوع الأدبي/ع368//1/تموز/1993
|