صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

دعوة إلـى عمل مغاير

لم يعد هناك مجال لتضييع الوقت في المماحكات الكلامية حول ما هو عادل وشرعي ومنطقي وأخلاقي، مع الغرب المتصهين والصهيونية العنصرية المنتشرة ظلاماً في فلسطين المحتلة، ولم يعد مجدياً ولا مفهوماً ولا سليماً، بأي حال من الأحوال، التغافل أو الغفلة والدخول على أرضية ذلك أو سواه، في حوار الطرشان مع عدو يرسم استراتيجية لقتلك واستعبادك واستلابك ويسارع في تنفيذها بكل الوسائل، تحت كل الذرائع، ويجعلك تجري ليلهيك عن نفسك، خلف منطقه وافتعالاته ومفاهيمه المشوهة، وتسويغاته للأفعال والتدخلات والممارسات التي أصبحت تزري بالعقل والحق والإنسان، ولم يعد مقبولاً الاستمرار في ثقافاتها وعقائدها وأخلاقها وخصوصياتها، وتسخر المنظمة الدولية وهيئاتها للأغراض الاستعمارية، وتشوه قرارات دولية وتمحوها بالتسويف، وتفرض قرارات دولية وتبيد بها إرادات وشعوباً ومعنويات دول، بالتنفيذ التعسفي والقهر الفتاك.‏

لم يعد ذلك مجدياً ولا مفيداً ولا مقبولاً بأي مقياس، بل أصبح الاستمرار فيه ينطوي على نوع من الاستهانة بالوجود القومي والإهانة للذات، والمهانة للتاريخ، وعلى إزراء بالحقوق والقيم والمقدرات.‏

في الوقائع التي يقدمها لا واقع الراهن أو يشير إليها، نحن أمة تفصّل لها المشكلات فتلبسها وتتباهى بها، ويرشح منها الوهن فتتغافل عن حالها، ويزيّن لها الافتتان بفتنة القتل فتذهب في ذلك إلى المدى الذي يرضي العدو، ويقرع لها طبل فترقص على إيقاعه حتى يكتفي الطبال، وترفع عليها مقرعة فيتفرق جمعها شذر مذر، كلٌّ يفرح بأن الضربة لم تطل رأسه بعد، وإن كانت ألقت أخاه أرضاً يتفحص بدمه.‏

وحين يركَّز أمر الفتك علينا، وفينا بأيدي الأعداء وأيدينا، فإنما يؤسس على ذلك فتك بكل من يرتبط بنا ونرتبط به، حضارياً وعقائدياً ومصلحياً، حتى الأخوة الذين باعدت بينهم ظروف الحياة وصروف المحن، من أبناء أمتنا، ينال كل منهم جرعة من كأس الصاب، وهو في مكانه من أرض البشر، ليرى الناس، كل الناس، كم هو عاجز ابن تلك الأمة، وكم هي أمته أعجز منه، وأقل قدرة على استنقاذه، فيكون في ذلك كله عبرة ومهانة ودفع نحو مزيد من السحق والمحق، ليزداد أمرنا في الناس خفة وهزالاً، ولتحقق على أرضية ذلك خططٌ أُعلنت، ثم غُطي الإعلان عنها بالاستخفاف المقيت، الذي يشكل جزءاً من مخطط تنفيذها.‏

وإذا كان ما نصرخ ونموت بسببه لا يزول إلا بفعل منقذ، فعل قوة واقتدار، وعلم، يجلو الغم ويزيل الهم، ويحرر الأذرع والإرادات والقرارات والأعماق، قبل تحرير الأرض من الاحتلال والأيدي من القيود، والعقول من استفحال الجهل، فإن توجهنا نحو ذلك الفعل لم تظهر ملامحه بعد، ورؤيتنا لمشروعنا البديل لم تنضج في الأماكن التي ينبغي أن تنضج فيها.‏

في الواقع الذي تشير إلى بعض ملامحه الوقائع، نحن مكبلون بأصفاد وأغلال مزدوجة، منها ما يرميه علينا الأعداء ومنها ما هو من فعل أنفسنا وأخوتنا وأبناء جلدتنا.‏

- من يفاوض منا من أجل "سلام" على أرضية حرب الخليج الثانية والمتغيرات الدولية وما أصاب العرب من انهزام، يفاوض وهو يسند ظهره إلى وهم أو توهم عربي كبير يكبر كل يوم، ويمتد ويشتد كل يوم.‏

وحين تضيق دائرة الخناق على الواقف في تلك الساحة ويتوجه بصوته ويديه وعينيه لأمته، لا يجد إلا أذرعاً تغرقه في الدوامة، ولا يسمع حتى أصداء صوته، ويخال أنه يسمع صارخاً يصرخ به: أنت اخترت طريقك فاحمل صليبك فيها، إنّا نحمل صليبنا في طريق أخرى.‏

- ومن يواجه عدواناً وتفتيتاً لمقومات الحياة في كل ما يشكل قوام الحياة، لدى الوطن والناس، في بلده، لا يلقى إلا انصرافاً من أخوته عن مشكلة شعبه، وتشديداً على محنة ذلك الشعب.‏

- ومن يكتوي بنار الفتنة ويخوض دوامة القتل والاقتتال الداخليين، يجد في كل من حوله عدواً ومصدر فتنة وناراً تسعى إليه، فيزداد شكاً وتشكيكاً، ويوغل في طريق الدم، فاتحاً طريق الندم القادم، ولات حين مناص.‏

- ومن يدير ظهره لأمسه ولأمته يجد نفسه يغرق شيئاً فشيئاً في الغربة ويدخل شدق التنين، أو دوامة مغرقة، ويصبح، وقد قطع منتصف الطريق إلى ما يظنه شاطئ الأمان، وقطع حباله وأبحر في مركب الآخرين، يصبح مندفعاً بالمكابرة، مدفوعاً بصدمة الأمس القريب التي أخرجته من جلده وأذهلته عن نفسه وأهله، ولا يجد من يذهب في تنبيهه إلى خطورة ما يدرج فيه من إغواء وإغراء عاقبتهما وخيمة، لا يجد من يذهب في ذلك إلى حدود إمساكه من تلابيبه بدافع من حرص، وتحذيره بوعي وحكمة وإخلاص، إلى أن يعود إلى أهله وداره وتاريخه ومصدر العزة في قراره.‏

- ومن يجوع ويعاني ويخوض بحر المرارة لا يجد من أمته مسعفاً ولا منقذاً، بل يجد من يزيّن له الارتماء في حضن الموت الأمرِّ، حضن العدو الذي يحمل رغيفاً بيد وموتاً زؤاماً بأخرى؛ ما لم تهُدْ معه إلى ما يريد من تقدير وتدبير وتبشير.‏

إن وطننا يتناوشه اليأس، ومواطننا يغرق في سطحية وانحلال، ويستبدل الطموح العالي بتطلعات قصيرة النظر. ويكتفي الناس -تحت وطأة تراكم الإحباط- بأقل مما تكتفي به بعض ذوات التطلعات والطموح من الكائنات الحية.‏

فكيف بنا نبقي وكأننا معلقين بين السماء والأرض، في أعناقنا أنشوطة العدو، وأرجلنا تلوح على بعد أمتار من أرض تثبّت فيها الأقدام؟! شاخصة أبصارُنا إلى حلول يرسمها العدو ويفرضها وكيله أو شريكه الذي يرتدي مسوح الوسطاء، ويقرعنا بصواريخه وقنابله كلما رأى ضرورة لذلك، ونحن لا نملك إلا أن نسترحمه بنظرات تغرقها الدموع؟!.‏

كل شيء مستهدف، ومبرمج على خرائط المحق والإبادة والإلحاق والإضعاف، كل شيء فينا وفي أوطاننا مستهدف وما تلميحات المجاملة والاعتراف بالأهمية، إلا استدراج لكسب الوقت وتهيئة المناخ وإحكام القبضة حول العنق، ومن يرتاح إلى ضآلة قمة جبل الجليد الطافية سوف يصاب بالغرق والروع حين يبصر ويتبصر ويكتشف حجم ذلك الجبل وثقله واتجاهاته.‏

فهل ترانا نبادر إلى خلق مناخ يمكّننا من استعادة التضامن العربي ولو في حدوده الدنيا، ليقوم على أرضيّة حضور عربي يدعم توجهاً عربياً واحداً خلف موقف وقرار؟!.‏

هل من أمل بتحرك عربي يضع حداً لحالة الانهيار والتمزق، ويجعل أولئك الذين "يفلتون" على أمتنا وقضايانا شتماً وتهزيئاً يتوقفون عند حدود، يفرضها المصير المشترك والفهم المشترك، لا الرجاء ولا التودد والشراء!!.‏

هل يجوز لنا، بعد كل ما وصلنا إليه، أن نتطلع إلى مبادرات سياسية عربية تلزم العرب، أو أولئك الذين لم يرموا قفازهم من العرب بعد، في وجه أمتهم وأخوتهم، تلزمهم بشيء أخلاقي وواقعي، ومصلحي لهم أولاً، حيال أمتهم وأخوتهم ووطنهم وقضاياهم؟!.‏

هل يتاح لنا، والعالم الصناعي يتوجه إلى فرض تصور وقرار وخطط، من أجل رفع المقاطعة العربية عن المتعاملين مع"إسرائيل"، أن ندعم موقفاً عربياً إيجابياً مؤيداً لاستمرار المقاطعة ولو في حدودها الحالية الدنيا؟!.‏

إن أصوات مشوهة ترتفع في فضاء الصحافة والثقافة عربياً تنادي بالذهاب إلى أبعد من رفع المقاطعة، وتقول بضرورة الذهاب مباشرة إلى التعاون مع"إسرائيل" حتى قبل أن يرفع الفلسطينيون قتلاهم من شوارع المدن والقرى المحتلة، وقبل أن يقول يهودي مجرد كلمة إيجابية بعودة الجولان والأرض المحتلة من لبنان؟! وهذا الذي يجرح ويفضح يعبّر عن سياسة وتدفعه سياسة، أو هو رأس رمح للأجنبي يتوجه إلى قلب المحرمات العربية والمقدسات العربية في آن معاً. فهل ترانا نستطيع الالتفات إلى عمل مجدٍ على أرض الواقع يساهم في بناء موقف قومي نظيف يمكننا من الوقوف بوجه الاجتياح السلبي العام الذي يجتاح أرواحنا وأقطارنا وقراراتنا.‏

إننا بحاجة إلى شيءٍ عملي، على أرض الواقع، وبحاجة إلى سياسة عربية تبقي شيئاً من التماسك القومي والروحي والأخلاقي في الوجود العربي، ونحن بحاجة، قبل ذلك كله، وبعد ذلك كله، إلى مزيد من التعمق في تدارس أوضاعنا وما آلت إليه قضايانا المصيرية، وموقعنا في العالم، ومقومات وجودنا وقوتنا ودفاعنا عن ذلك الوجود وتلك المقومات.‏

فهل نسرع إلى فعل شيء في هذا الاتجاه ونكف عن المماحكات العقيمة مع عدو وأنصار عدو، صمموا على إذلالنا وإعادة استعمار بلادنا، ونفينا من ساحة الحضور والحضارة؟!.‏

إننا بحاجة إلى عمل مغاير، ينبثق من منظور وشعور مغاير لما هو في الساحة، وإننا قادرون على فعل شيء، ولكن لا بد من أن تقوم الإرادة ليقوم الفعل وينتشر ويكون مجدياً. فهل نحن مقدمون على ذلك في زمن المقت والضيق هذا؟!.‏

إنني لشديد الأمل بأمتي وعظيم التفاؤل بمستقبلها .‏

الأسبوع الأدبي/ع369//8/تموز/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244