صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

إفلاس خُلُقي للغرب

الغرب الحديث يحتضر خُلُقياً في البوسنة والهرسك، ويشكل احتضاره ذاك إحدى أبرز العلامات الفارقة لما يسميه"النظام العالمي الجديد"؛ كما يشكل بداية النهاية لعصر من الخداع والكذب طال وامتد موجه وغمر حقائق كثيرة وسحب في تياره الكثيرين.‏

وإذا كان قد قدّر لدماء المسلمين أن تسيل وتسيل في تلك المنطقة من العالم، على أيدي الهمجية- العنصرية الصربية، فإنها تسجل تاريخ ذاك الانهيار ووثائقه، وتمغّر وجوه الغربيين وغررهم بلون يميز المجرمين من سواهم، كما تسجل بداية الوعي بحقيقة الغرب"المتحضر" وماهية تفكيره السياسي- الاجتماعي نحو الآخرين.‏

فلم يعد تواطؤ الغرب مع الصرب والكروات ضد المسلمين المحاصرين بكل أنواع الحصار وأشكاله، لم يعد خافياً على أحد، ولم تعد مباركة الغرب لمذابح"التطهير" العرْقي التي تتم هناك، وعلى أساس ديني محض، بحاجة إلى دليل أو برهان.‏

- فالغرب، منذ أكثر من عام، يعطي الفرص تلو الفرص للصربيين لكي ينهوا مهمتهم وهي إبادة المسلمين، ويقوم بكل ما من شأنه تحقيق ذلك، ولا يتردد أبداً في التكشير عن أنيابه وإظهار قوته واستعراض تلك القوة، ضد العرب والمسلمين خاصة كلما ارتفع إحساسهم بالمأساة التي تتم هناك، وكلما فكروا برفع أصواتهم من أجل وقف المذابح.‏

لقد ظهر ذلك في رد الفعل على قرارات مؤتمر القمة الإسلامي سابقاً، ويظهر اليوم على عرض بعض الدول الإسلامية، لا سيما إيران وباكستان وتركيا، بإرسال بعض القوات لتنضم إلى قوات الأمم المتحدة هناك في ساحة المذبحة، وتعمل بإمرة المنظمة الدولية، وهو يفعل ذلك لأنه لا يريد شهوداً يرون ويسمعون ويحدثون أخوتهم عما يجري هناك من فظائع، ولا يريد أن يدخل أوربا أحد من"العالم المتخلف" الذي يسميه"خارج أوربا" ليقوم بفرض سلام لم تفرضه أوربا، أو حماية " ملاذا ت آمنة " أو بتسجيل وقائع الإبادة الأوربية للجنس التي تتم منذ سنة ونيف دون أن تلقى ردعاً من أي نوع، ودون أن تجد من يتدخل ليضع لها حداً.‏

إنه زمن الإفلاس الخُلُقي والروحي والاجتماعي في الغرب، وهو لن يتوقف عند حدود إبادة مسلمي البوسنة والهرسك، وقتل الشعوب في مذابح صغيرة هنا وهناك، وشن حروب التجويع والترويج، بل سيمتد ويمتد ليشمل مدى أوسع مما نتصور، وفي مدة أسرع مما نتصور أيضاً، ثم يحرق المفلس ذاته، وطالما فعلت أوربا"المتحضرة" ذلك بنفسها وبالغير.‏

ألم يكن الغرب هو الذي أشعل في هذا القرن فقط نار حربين عالميتين كلفتا البشرية عشرات ملايين القتلى والجرحى والمشوهين، ودمرت من العمران ما يفوق الوصف والحصر والتصور؟!.‏

ألم يكن الغرب"المتحضر" ذاته وراء حروب فتكت بشعوب وبلدان في هذا القرن، وأرهقتها إلى حدود الانهيار وعدم الاحتمال، سواء كانت تلك الحروب للتخلص من الغرب المستعمر، أو للقيام بحروب بالوكالة عن الغرب الذي يتاجر ويتناحر ويستغل الآخرين، ويريد أن يمضي في استعماره واستغلاله واستثماره للآخرين، وفي تناحره أيضاً إلى المدى الذي لا يتوقف امتداده.؟!‏

ألم يكن الغرب وراء الحرب الباردة بتكاليفها- والغرب أوربا وأميركا المتكافلة معها أو المتناحرة معها- ووراء حروب الخليج وحروب"إسرائيل" وحروب وحروب وحروب؟!‏

وهل"الحضارة" هي حرب على الإنسان ونهب له، وإزدراء لعقله وضميره وحرياته إذا لم يكن أوربياً، أو لم يكن على دين الأوربي وهواه؟!.‏

هل"الحضارة" هي فتك بالذي لا يملك القوة لأن"المتحضر" يملك القوة وبالتالي يملك كل المبررات والمسوغات التي تجعله حراً في تصريف الأمور والأقدار حسب رغباته وحسب ما توحي به مصالحه وما تمكنه منه قوته؟!‏

إن الغرب يتفرج الآن على مذابح الصرب والكروات في البوسنة، ويتفرج على مئات المعوقين والرضع يذبحون أو يعيشون في ظروف مروعة، حيث ينشفون هكذا من قلة الماء والغذاء، ويبقون قيد الإبادة والموت صبراً وقهراً وحرقاً، في ظلال الحصار"الحضاري" لأوربيين من طينة أخرى"غير طينة البشر"؟!.‏

وحتى الأمم المتحدة تتفرج، ولا تملك أن تفعل شيئاً، فأنياب الأمم المتحدة تظهر وتختفي كما تريد أميركا ودول الغرب الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فنحن نراها تقتل الصوماليين حسب رغبة أميركا، بحجة أنها تدافع عن قراراتها وعن "نفسها"، وتتفرج على من ينتهكون قراراتها ويقتلون قواتها في البوسنة والهرسك، لأن أميركا أيضاً تريد ذلك، أو لأنها تواطأت مع روسيا"يلتسين" وإنكلترا "ميجر" على ذلك.‏

والنتيجة المباشرة: إبادة تامة للمسلمين في البوسنة والهرسك، وفتك بكل من يعادي المخطط الأميركي- الغربي حتى لو كان ذلك المخطط يدمره ويدمر وطنه ومستقبل شعبه.‏

والنتيجة النهائية: إفلاس أخلاقي وحضاري للغرب عامة، وانهيار لستار الوهم الذي يبنيه الغرب حول العقول. وانهيار الغرب الخُلُقي هذا وإفلاسه لن يكونا مجرد فتك بالآخرين يستمر إلى مالا نهاية، فالحقد يأكل الحقد كما يولده، والحسد عادل حيث يقضي على صاحبه، والانهيار والفساد الخُلُقيان يفتكان بالكيان من الداخل، بعد أن يترامى شررهما وشرهما على الآخرين.‏

ولن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي نرى فيه اللصوص يتقاتلون على ما سرقوه من الآخرين، والمجرمين يشهرون أسلحتهم على بعضهم بعضاً إذا ما استيقظت الفتنة فيما بينهم أو حصحص الحق من حولهم، وسأل بعضهم بعضاً، أو سألهم الناس عمن فعل ذلك؟ أو لماذا فعله؟! وبأي حق؟!.‏

إننا لن ننسى دماء الأبرياء الذين يبادون بوحشية عنصرية تتضاءل أمامها النازية ولا تفوقها إلا الصهيونية. لن ننسى دماء الأبرياء لا في البوسنة والهرسك، ولا في فلسطين المحتلة، ولا في لبنان ولا في أي مكان من الوطن العربي والعالم، وسنكتب شهاداتنا عن عصر الهمجية- العنصرية الذي يقوده الغرب أو يسكت عليه، سنكتب تلك الشهادات في أدبنا وكتبنا وعلى جدران قلوبنا وفي آفاق أرواحنا، وستتعلمه الأجيال ليتغلغل في تكوينها، لا لترث الحقد أو تحمله، ولكن لتوقف الجريمة والمجرمين عند حدود احترام الإنسان وحقوقه وحرياته وعقيدته الدينية ونظافة قلبه وإيمانه. ولا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.‏

فهل على اسم الرب يذبح الخلق لأنهم لا يؤمنون كما يؤمن"الجزار" الذي يحمل السكين؟! وإذا ما تبودلت الأدوار يوماً وحملت الضحايا سكاكين، فهل يبقى الناس يتساقون الثأر والعار إلى ما لا نهاية؟! أم أن هناك حدوداً للإفلاس الروحي والخُلُقي، الذي يسبب ذلك، تصنعه الحضارة ويصنعه الإيمان، ويصنعه الاعتراف بحقوق الآخر وحرياته، تضع لهذا الفتك البشري المتبادل حداً؟!‏

"إن القانون الخُلُقي الغربي" الاستعماري يحمّلنا اليوم رهَقاً، وحين يستند إلى شرعة"عدل" ذات مكاييل لكل حالة على حدة ولا يخجل من فعله ذاك، بل يلجأ إلى فرضه قانوناً"حضارياً" بقوة السلاح وبلغة القهر، فإنه يجبرنا على أن نحفر في ذاكرتنا وفي متون قلوبنا فعله ذاك ليكون شاهداً علينا يدفعنا لامتلاك القوة التي تحقق العدل، ولنكون شهداء على الناس لكي يعدلوا لا لكي يتساقوا كؤوس المحن باسم"الله" والإنسان والأوطان... الخ.‏

إن البشرية كلها تتلقى الإهانة وتحتَقر إلى حد الابتذال حينما يتعرض الأطفال والأبرياء والنساء والشيوخ إلى الإبادة، وحينما تتعرض الحقوق والحريات والعلاقات الإنسانية وكل مفاهيم الضمير الحي وقيمه إلى الابتذال والمهانة والإبادة... وهو ما يحدث اليوم في البوسنة والهرسك، على مسمع ومرأى من الغرب"المتحضر"، الذي يفقد بذلك كل مبرر للحديث عن الحضارة والحرية وحقوق الإنسان والتعلق بتعاليم الأنبياء والأديان؛ ويسجل بالدماء البريئة إفلاسه الخُلُقي التام.‏

الأسبوع الأدبي/ع371//22/تموز/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244