|
... أولاً وكنفدرالية إسرائيلية ـ
فلسطينية ..ثانياً
كانت "إسرائيل" ـ منذ كامب ديفد ـ تطرح على الفلسطينيين أمّا كونفدرالية مع الأردن أو معها هي، وترفض قيام دولة فلسطينية مستقلة بأي حال من الأحوال. وكانت أميركا لا ترى إلا ما تراه "إسرائيل" وترفض هي الأخرى مجرد الحوار مع المنظمة.
ويبدو أن "المنظمة " قد اختارت كونفدرالية مع "إسرائيل"، تبدأ المسيرة نحوها بخطوة؛ غزة أريحا. ولن يكون " الحكم الذاتي " الذي سيتم تحت السيادة والسيطرة والحماية الإسرائيلية إلا معبراً دموياً بين الفلسطينيين أنفسهم، وبين بعض فصائلهم وبين العرب ليتم الإعلان في ظل ذلك عن تلك الكونفدرالية التي سيزعم "فلسطينيون " أنها أفضل من كل ما قد تلقوه من العرب خلال قرن من الزمان، نصفه مشتعل ونصفه على أبواب الاشتعال .
إن بيريس يدور اليوم على عواصم أوربية ليقنعها بتقديم عون مالي للفلسطينيين وبالقيام باستثمارات هناك، وأميركا تعلن أنها سوف تمول مشروع غزة ـ أريحا وتخفف من الضائقة المالية لمنظمة التحرير، ومستشارو الرئيس عرفات يعلنون بأن المنظمة تخلت عن ميثاقها وعن ماضيها "الإرهابي " (كذا..) وأنها ـ أي المنظمة ـ يمكن أن تحل نفسها لأنها ليست غاية فحين يقوم الحكم الذاتي ـ الذي يحملون بأنه سيكون حكومة ـ سيتحول جيش التحرير إلى شرطة، ولن يبقى مبرر للكلام على الكفاح المسلح .
ولكن ذلك الجيش الذي سيمارس دور الشرطة سيخوض عاجلاً أم آجلاً في دم الفلسطينيين الذين يرفضون المشروع الصهيوني، وسيوجه بنادقهم للعرب الذي لا يعجبهم الخروج الفلسطيني على الإجماع والتنسيق والتضامن العربي. إن ما نقبل عليه اليوم بخطورة كامب ديفيد أو أشد، وهو مخطط توصلت "إسرائيل" إلى الاقتناع به في ضوء استخلاصات لعبر ودروس وحقائق كثيرة. لقد فهم الإسرائيليون جيداً أن المدخل الفلسطيني هو الأساس إلى القضية الفلسطينية ولإنهاء الصراع العربي الصهيوني على نحو ما. ولذلك سارعوا للتركيز على هذا الجزء من الحلقة العربية في مرحلة المفاوضات.
ـ لقد رغبوا إيقاف الانتفاضة التي أتعبتهم ولم يكن ذلك ممكناً إلا من داخل البيت الفلسطيني ولذا كان أحد الشروط المعلنة بشكل غير مباشر لمشروع غزة ـ أريحا هو إيقاف الانتفاضة تحت أسماء أخرى منها نبذ "الإرهاب " ووقف العنف، وسيتولى التطبيق الفلسطينيون أنفسهم ولاسيما في غزة..
ـ لقد أدرك الإسرائيليون أن الضغط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المستمر على الفلسطينيين، وهدم البيوت والملاحقة والقتل وظروف المعيشة المأساوية، والحصار كل ذلك يولد ثورة في النفوس، ويجعل العربي المحاصر من كل جانب ينشب أظافره حتى في الجدار ويبحث عن خلاص ويعمل عمل من لا تعلق له بشيء في الحياة. ولذلك بدأت بالتفكير على نحو آخر، نحو يجعل أولئك يرتبطون بمشاريع ومصالح تجعلهم أقرب للخوف على ما يملكون وما يطمعون بالوصول إليه من مصالح وأغراض.
ـ وجدت "إسرائيل" إن سلخ الفلسطيني عن العربي، لاسيما ذاك الذي يدخل المفاوضات، من الأمور الحيوية جداً بالنسبة لمشروعها التوسعي وخططها المستقبلية ولذلك رأت أن الانسحاب من غزة وأريحا، أو إعادة انتشار القوات فيهما خير من الانسحاب من الجولان كله كما قال اسحق رابين .
ومن هذه الإشارة البسيطة نستشرف ما ستكون عليه المفاوضات في المسارات الأخرى بعد توقيع الاتفاق الفلسطيني ـ " الإسرائيلي "، وما يمكن أن يتمخض عن ذلك كله من انعكاسات على حقوق الشعب العربي الفلسطيني من جهة، وعلى العرب المعنيين بالموضوع .
إن "إسرائيل" التي تقبل قيادة منظمة التحرير اليوم، وتتعهد بحماية عرفات شخصياً غيرت سياستها كلياً منذ تصاعد المقاومة اللبنانية والفلسطينية في الداخل والخارج، لاسيما تلك التي تقوم بها فصائل المقاومة الإسلامية، وأعادت النظر بأمور كثيرة إثر قضية المبعدين، وشاركت أطراف عربية وغير عربية في تنظيم جبهة بديلة للمقاومة، مناقضة لها متعارضة معها، فكان السكوت على وضع المبعدين، والتحرك الشامل أميركياً وصهيونياً وحتى عربياً من بعض الأطراف ضد التيار الإسلامي والمقاومة الموجهة "ل" إسرائيل " " من لبنان وفي الأرض المحتلة، وبدأت الألغام تفجر داخل الصف الفلسطيني والعربي، في الوقت الذي بدأت فيه خيارات أخرى تأخذ طريقها إلى الوجود، ومنها اعتماد قيادات عربية معتدلة بدلاً من تلك التي تسمى متطرفة، وعزل من يرى الصهاينة والأميركيون أنهم يسكتون على المقاومة أو يدعمونها بغية إضعاف موقفهم ومحاصرتهم. وكان الخيار قبول شراكة المنظمة واحتوائها وقبول إعلانها بنبذ ميثاقها وماضيها النضالي كله، وتحولها إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات لجزء من الأرض الفلسطينية بدلاً من مقارعة المقاومة وإبقاء المنظمة خارج حدود الاستيعاب.
وحيال هذا الوضع الجديد الذي يدافع عنه فلسطينيون ويرفضه فلسطينيون، ويتم خفية، وترحب به أميركا، ويهلل له الغرب، وتجمع من أجله الأموال، لا ندري هل نحن على أبواب " لحد " جديد في شرق فلسطين المحتلة وغربها، أم أننا حيال ما هو أخطر من ذلك بكثير، وهو امتداد اتفاقيات كامب ديفيد القديمة بانطلاقة الطرف العربي الأساسي والقوي فيها ليؤثر في سواه ويسوّق المشروع القديم الجديد عربياً، في ظل " نظام عالمي جديد " تكون فيه المصلحة الأميركية ـ الإسرائيلية هي العليا ويؤخذ فيه بالاعتبار أولاً وأخيراً، تسويق البضائع الأميركية من القمح إلى الطائرات الحربية، والمصلحة الإسرائيلية أمنياً واقتصادياً وانتشاراً توسعياً، حيث لا يجوز لنا في المنطقة العربية ومن جهة نظر مروجي المصلحة الأميركية ـ الإسرائيلية حتى أن ننتج قمحاً، إذا كان ذلك سيؤثر على تسويق القمح الأميركي، كما لا يجوز لنا أن نتكلم عن تحرير إرادة وقرار إذا كان السيد يريد لنا أن نبقى اتباعاً وعبيداً.
لقد كان لمشروع غزة ـ أريحا وقع الصدمة الشديدة، وكان للتواطؤ الصامت، وللاتصالات السرية من وراء الحكومات العربية المعنية ورفاق المفاوضات في خضم التنسيق المشترك والقائم مرارة كبيرة في الحلوق .
وسوف نجد أنفسنا، بعد توقيع الاتفاق الفلسطيني " الإسرائيلي "، ندرج يومياً من مشكلة إلى مشكلة، ومن مرارة إلى مرارة، ومن تفريط إلى تفريط. وسوف نترحم على أيام كان فيه التنسيق العربي والتضامن العربي الهشّان موضع انتقاد، وسوف تكبر أو تتضخم أناشيد وشعارات كانت تردد سابقاً من بيروت أو من سواها من العواصم العربية، مثل " يا وحدنا "، " ولقد خدعنا العرب وأضروا بنا " و " سال من دمنا على يد العرب أكثر مما سال من ذلك الدم على أيدي الإسرائيليين " سوف يتضخم ذلك ويملأ الفضاء المحيط بالقيادة التي ستتربع في غزة أو في أريحا وتوزع التهم والشعارات والأزمات بحماية إسرائيلية وبتشجيع ودعم أميركي صهيوني. وعلى العرب أن يواجهوا لحمهم ودمهم والدود الذي ينغل في أمعائهم وقلوبهم هذه المرة .
ولكنها فترة ستكون كتلك التي تعاون فيها أُمراء عرب مع الاحتلال الصليبي لفلسطين، ولابد أن يتبعها التحرير الشامل إذا ما وعينا الدروس واستخلصنا العبر، وعملنا بجدية وإخلاص من أجل تحقيق أهداف الأمة العربية في فلسطين وعلينا أن نعمل ما بوسعنا الجهد والعمل على ألا يسيل الدم الفلسطيني، والعربي بأيد فلسطينية أو عربية، وعلينا أن نسد الذرائع، ونحرص على تفويت الفرص التي ستفتعل من أجل أن تدور عجلة الدم والعنف تحقيقاً لمشروع "إسرائيل" ومشروع الغرب الذي يطمح إلى انهيار الإرادة العربية والشخصية العربية والإسلامية معاً، وجعل الناس تبعاً في هذه المنطقة من العالم.
إن التفاؤل مطلوب وموضوعي وإيجابي الأثر، ولكن عندما يقام على أرضية من الكلام والأحلام ينقلب إلى أوهام خطيرة، وعندما يقام على أرضية المنطق والعمل والعلم والإنتاج والإرادة الحرة الواعية، يصبح مدخلاً مشروعاً لتغيير الواقع، وحقيقة نفسية واجتماعية تجعل الحقائق الأخرى بمتناول القادرين على بلوغها.
الأسبوع الأدبي/ع377//2/أيلول/1993
|