صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

أيها العربي ارفض (إسرائيل)

افتح عينيك جيداً وأنت تقرأ، وافتح أذنيك جيداً وأنت تسمع، وأعد على نفسك ما تقرأ وما تسمع لكي يستقر في وعيك معنى ما تحمله إليك الحواس، وما يجري في كيانك عبر منافذ الإدراك.‏

أيها العربي الحزين: الوقت ليل، والحبر ذل أسود، والريشة من جنح غراب، والجبن والغدر والصغار كل ذلك يطفح من القلوب إلى العيون.. ويتراقص في الأحداق، الأيدي التي ستوقع الوثيقة ليست من شمع في لون الجسد البشري، وأصابعها طالما عبثت بقلم كتب مصائر بشر، وقرر نهايات أعمار على طريق أعدل قضية بين يدي أسوأ محامين.‏

أيها العربي.. زمنك الراهن ليس رديئاً بل هو الرداءة، وموقفك الآن ليس تخاذلياً بل هو التخاذل، وسكوتك عما يجري ليس جبناً بل هو الإمحاء من ساحة الحضور في الوقت الذي ينبغي أن تكون فيه قمة في الحيوية والحضور.‏

أيها العربي.. إنهم ينهون باسمك معنى كرامتك ووجودك ويتنازلون بذلة عن حقك وأرضك، ويعترفون لعدوك بدولة على أرضك، وبوجود في وطنك وبحق في العيش بأمان، بعد أن سرق منك الوطن والكرامة والأمان.‏

فاسمع واركع، واقبل واخنع، وإلا سلّت عليك سيوف المستبدلين أريحا بفلسطين، والراكضين ليكونوا حماة للعدو ومحتمين من أنفسهم بالعدو، والساعين وراء عروش وسلطات ومناصب ولو على خوازيق الموت.‏

بعض الفلسطينين: أهل الحق والأرض والتاريخ.. أهل الشهداء والفداء، أهل القدس وبيت لحم والناصرة، يعترفون بأن فلسطين، إلا قليلاً منها، هي لليهود، وأن لهم أن يقيموا فيها وطناً ينطلقون منه للسيطرة على ما بقي للعرب من وجود ووطن ويجلبون إليه كل من يرغب في أن يستوطن بأمان واطمئنان في أرض لا يُمنع فيها الاستيطان؛ أرض كانت للعرب وصارت لليهود، وهم فيها اليوم أكثر أمنا واستقراراً من أي وقت مضى من التاريخ كما يقول‏

(أبا ايبان).‏

أيها العربي.. نفر من أهل القضية يبيعونها بأبخس الأثمان، ويغطون بقشة (غزة- أريحا) اعترافهم "بإسرائيل" وتنازلهم عن كل ما يمت إلى ذلك التاريخ بِصِلَة، بعد أن (ناضلوا) ليصبح قرار القضية، كل قرارها بأيديهم، ليغيب في ظل ذلك بعدُها القومي. وتضيع مسؤوليتها القومية، فيتقزم حضورها القطري مقارنة بقوة العدو وحضوره، وتضيع كلها في زحمة الضعف والامتهان والهوان، والاتهامات والإدعاءات والشعارات والعربدات السياسية، السرية وغير السرية.‏

العرب يديرون ظهورهم لتاريخهم ولقضية هي تاريخهم الحديث، بكل ما فيه وما له وما عليه؛ لقد تعبوا منها ومن (محاميها) فأداروا ظهورهم لها. وأرادوا وضع وزرها على كاهل أصحابها، وأصحابها حيالها أنواع في المواقف والمراتب والإمكانيات والصلاحيات والمسؤوليات:‏

-منهم من يُحكِم قبضته على المال والسلاح والرجال فيملك القرار، ويتصرف بـ "أملاكه وأقنانه" على هواه، وكأنه مالك الملك، لا يطاول شأنه شأن، ولن يتغير على مدى الأزمان، ثابت في الكون كما الكون، لا يرى إلا ذاته.‏

-ومنهم من يشكل قوام القوة ولا يملك الحرية ولا القدرة على التحرك بحرية ليكون له شأن في القرار. يمنعه الخوف من اقتحام جدار الخوف، فيبقى ناراً يستخدمها سواه على هواه.‏

-ومنهم من أحبط حتى العظم، جراء التجارة به وبقضيته وبدماء أهله وبسعادة أبنائه، فعاف القضية والثوب الذي يلبَسه. لشدة ما أصابه ولقسوة معاناته من الزيف والمزيفيين والتجار الفاسدين المفسدين، فأصبح منتبذاً منها ومنهم مكاناً قصياً، ولا يريد أن يسمع أو أن يرى؛ ويكتفي من العيش بأن يكون آخر من يدركه خبر الناس عن الناس.‏

-ومنهم من يتقدم الصفوف منادياً "باسم الله والحق والوطن" ويندفع ليموت مقدماً لقنديل الثورة دماً حتى يستمر نوره ويزداد اشتعاله. ويرى نفسه حامل أمانة للأجيال عليه ألا يفرط بها، وهي أن تبقى شعلة الثورة مستمرة في الاتقاد.‏

-ومنهم من ينتظر أن يحل القضية غيره، ليركب هو ظهره وظهرها، فيرتاح من الهم والغم والعري والعار، ويلقي الشوك والقطران في حضن سواه، ويذهب مزاوداً إلى المدى الأبعد في كل مجال وعلى كل مستوى وصعيد.‏

-ومنهم من يلهث وراء الحقيقة والصدق والشعار النبيل، ويركض وراء وطن ولو بوسع الكف أو العقال، لينطلق منه إلى متابعة الكفاح من أجل تحرير وطن بوسع الحياة والزمن. ولا يريد أن يكيله شيء أو يذله اعتراف للعدو بحق، ولكنه في سعيه ذاك ممرور خائف مرهق يبحث عن يقين، ويخشى أن يبيعه السماسرة في السوق. لكثرة ما أرهقه الركض وراء السراب ووراء الوعود، ووراء أولئك الذين يملكونه المجرة ويقبضون منه ثمنها ويبقونه مقيداً في الحفرة التي كان فيها منذ الخروج الأليم من البيت والوطن والحلم.‏

-ومنهم من يرى إلى أي درك انحدرت الأمور والمواقف، وانكشف أمامه الغطاء، وأدرك أن التصفية الرخيصة المذلة قد تمت. ويتلفت يمنة ويسرى منتظراً تدفق العرب -ويا طول ما ينتظر - ليمنعوا التفريط ويوقفوا الانفراط.‏

وهو غير مصدق ما يسمع من اعترافات، ورافض لأن يكون الرد مجرد حوقلات وانصراف عن الأمر، لأن بعض أهل يريدون أن يستأثروا به. إنه يرى القضية قومية منذ بدأت فكيف تصبح أقل من قطرية، وأضيق من فئوية، بعد كل ما بذل على طريقها من دم وتضحيات؟!؟ وهو في لهفته وخوفه وتلهفه.. يفقد حتى التحكم بأمر نفسه، فيسيل في الطريق.. ولا يبقى منه غير دمع وأسى يختلطان مع تربة الأرض التي تذكره بدم الشهداء في كل لحظة.‏

أهل فلسطين في الداخل: فريق تعب، وفريق أنهى العدو وجوده وأحلامه وتعبه بالموت، وفريق في السجن وقيد الإبادة وفريق يرى كل ذلك الألم الذي يتدفق كالقطران في الشوارع والساحات فيرد بأدوات منها اللحم والدم، ليشق عبر الليل طريقاً إلى النور، ويرفض أن تكون النهاية ضغثاً على إبَّالة، وتفريطاً ما بعده تفريط، بالحق والدم والأرض وحتى بالأحلام العذبة التي غدت تطاول الأوهام.‏

أيها العربي. لقد قيدوك بخبز يومك، وأغرقوك بدمع أطفالك، وخنقوا صوتك بالخوف والقهر، فما عاد لك صوت ولا رأي ولا موقف ولا رؤية، وصرت ترى ما ترى لك، وتبارك ما يقرر لك وعنك، وتطلب رضا أولي الأمر قبل رضا نفسك ورضا ربك وآل أمرك إلى أن تصبح قطعة لحم تَكْرُج على عجلات القدمين، تطلب حياة فما تحصل إلا على معاناة تزيدها الحياة أسى ومرارة وعناء.‏

أيها العربي.. اليوم يعترف بعض قومك وبعض أولي الأمر من قومك "بإسرائيل" دولة على أرض فلسطين، ويتنازلون عن أرض الأجداد، وعن تاريخ الأمجاد، عن المقدسات كلها وعن الحقوق كلها، ويرضيهم أن تعطيهم من الوطن، وبديلاً عن كل ما يحلم به الفلسطيني والعربي، غزة التي يتمنى الإسرائيليون لو يبتلعهم البحر، وأريحا التي يراها تاريخ التعصب العنصري، اليهودي ملعونة بنص التوراة، وملعون من "يبنيها ويسكنها" لأنها ليست من "أرض إسرائيل".‏

أيها العربي لقد نسيت نفسك كثيراً فنسيك بعض حكامك، ونسيك التاريخ، ولم يعد لك إلا موقع الأذلين: عِيرُ الحي والوتد. فهل تسمع وترى وتدرك ما أنت فيه، أم أن الوهم قد وصل إلى الحد الذي يجعلك لا تقدر حتى على التمييز بين ما تريد وما يراد لك؟!‏

أيها العربي.. إن فلسطين تزول من المصور الجغرافي العربي لتحل محلها "إسرائيل" وستبدأ مراحل أزالتها من الذاكرة والوجدان. لقد وصل الحريق إلى ذاكرتك وقلبك ووجدانك بعد أن تجاوز عتبة بيتك منذ زمن، فهلا سمعت وأبصرت وأدركت؟! وهلا انقلب ذاك الإدراك إلى وعي وقدرة لديك، تجعلك مالكاً لزمام أمرك أو بعض أمرك؟!؟‏

لم يعد لك من القوة ما تدفع به العدو عن دارك ودارة قلبك، فالرمح في سويداء القلب.. ولم يعد لك من الأمل ما يغريك باستخدام أدواتك في المناورة والمداورة ودفع كرة النار أمتاراً بانتظار المعجزة. لقد حاصرك الأوصياء بالوقائع والوثائق والمواثيق والأعداء الحماة وبسكاكين الجزارين إن أنت رفضت، ومدوا أمام قلبك المرهف، ومعدتك الجائعة، وعينك الدامعة، بسط الرفاء والنعيم إن أنت أذعنت أكثر، وغبت أكثر، ومت أكثر؛ فما أنت فاعل ليبقى منك شيء يحييك ويحميك، ويدفع الذلة عنك ويعيد شيئاً منك إليك؟!‏

إذا قبلت فالأمر أكثر خطورة عليك من كل ما مر عليك، لأن هذه النافذة ستفتح عليك باباً والباب يصبح أبواباً، والمتربصون بك أكثر حقداً مما تتصور. وإذا لم تقبل فما بيدك ما تدفع به عنك إلا انتفاضة المعجزة فيك، أو معجزة تحولت إلى انتفاضة تصنع المعجزة.‏

أيها العربي.. إن الرمح في سويداء القلب وقد تموت أنت الذي تباشر رفع الرمح عن قلبك، ولكن قد تحيا أيضاً وتنجح في إبعاد الرمح عن سويداء القلب؛ وأياً كانت النتيجة فإن في محاولتك رفض الموت المذل والتوقيع الأذل، والانصياع لأمر يمليه عليك عدوك والمتواطئ مع عدوك عليك؛ إن في ذلك كرامة لك، وإرادة تمتد فيمن حولك وفي من يخلفك؛ وتبقى تمتد وتكبر إلى أن تصبح إرادة تحرير، وثورة شعب لا يمكن تقزيم ما قد تصل إليه وما تسفر عنه.‏

أيها العربي.. قل لا للاعتراف "بإسرائيل" دولة على أرض فلسطين.. قل ذلك الآن والرمح في سويداء القلب، لأن في ذلك حياة للحلم والأمل ولإرادة التحرير وحق العودة، حتى لو متّ أنت.. قل لا.. لأن في ذلك حياة أمة وكرامتها، وحياة الأمم وكرامتها لا تقاس بما يصيب جيلاً أو أجيال منها. قل لا "لإسرائيل" ولمن يعترف "بإسرائيل" لأنك بذلك تؤكد حقك وحريتك وتؤكد معنى الحق والحرية للإنسانية ككل.. لأن "إسرائيل" دولة عدوان عنصري قامت في دارك بقوة العدوان والقهر، ولا يمكن أن يقبل شعب الانصياع للظلم ولقوة العدوان والقهر، وإلا عادت البشرية كلها آلاف السنين إلى الوراء.‏

أيها العربي.. أرفض من يضع السكين على عنقك.. وإذا لم تنجح في دفعه عنك.. فسوف ينجح ابنك أو حفيدك أو حفيدُه في الثأر لك، وفي تخليص حقك منه، كما ينجح في زرع مهابته وكرامته فوق ذرا الأرض التي يعيش عليها نسلك.‏

أيها العربي.. إن الشهداء.. كل الشهداء ينظرون إليك.. وإن صوتك الضعيف الذي يرفض العدو والاعتراف به.. سوف يدوي ويدوي ويدوي.. ويصبح زلزالاً تحت عروش تقوم على الظلم والعدوان، ولا بد أن يهدمها يوماً فوق رؤوس بناتها.‏

أيها العربي المقهور.. أرفض الاعتراف "بإسرائيل".. ارفض ففي ذلك بداية الصحوة، وبداية النهاية للظلم والعدوان والقهر، الذي تمثله "إسرائيل" وتعمل لتوسيع دائرته من حولك.‏

أيها العربي.. ارفض وكن أنت. ولا تقبل فتصبح سواك. كن أنت ولا تكن سواك.. كن أنت ولا تكن سواك.‏

الأسبوع الأدبي/ع378//9/أيلول/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244