|
هوامش على ((اتفاق غزة ـ أريحا ))
اتفاق غزة - أريحا مشروع " " إسرائيلي " " قدم للسياسة المصرية فتبنته وسوَّقته فلسطينياً وساهمت في رعايته، طُبخ في أوسلو الباردة وصدِّر إلينا ساخناً وتكفَّلت واشنطن ببقائه كذلك وبتقديمه بالإغراء أو بالإكراه إلى المعنيين، وبالدفاع عن تركيبته ومذاقه وأهدافه، وهي، مع فريق دولي واسع، تتابع ذلك لمصالحها ومصالح حليفها العهيد " إسرائيل ".
والاتفاق نتيجة واستمرار لاتفاق كامب ديفيد ولكنه يحقق للفلسطينيين أقل بكثير مما حقق لهم أو كان سيحقق لهم ذلك الاتفاق الذي عرب ففتك بالقضية العربية وبالعلاقات العربية - العربية وما زال.
- غزة - أريحا تم بسرية تشكل غدراً بالعربي الأخ الشريك في مراحل القضية كلها، والذي يفاوض جنباً إلى جنب مع الفلسطيني؛ ولأنه تم على هذه الصورة، وبتمويه متعمَّد شارك فيه العدو الصهيوني، وقام ذلك التمويه على افتراء مكشوف قال بان سورية ستعقد اتفاقاً منفرداً مع " إسرائيل "، وترافق الافتراء بحملة إعلامية مرتبة جيداً لإحراج سورية؛ فإنه زاد المرارة في النفوس وكسر جسوراً للثقة كانت تبني بعد أن تحطمت جسور الثقة بين العرب والعرب جرَّاء حروب ومؤامرات ومهاترات ومصالح ضيقة؛ ولقد أتى ذلك على ما تبقى من حلم باستعادة التضامن العربي ولو في إطار تنسيق يواكب تفاوضاً مفروضاً مرفوضاً بالنسبة لوجدان البعض؛ ولأنه كذلك فقد أثر تأثيراً مباشراً على العلاقات الهشة بين العرب، التي تحتاج على أن تكون على أقوى ما تكون عليه في هذه الظروف بالذات.
- غزة - أريحا نَسَفَ مؤتمر مدريد من أساسه والجهود العربية التي بذلت ليكون 242، 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام، وفرض الحل الشامل من خلال حضور عربي شامل، هو الأساس والمرجع؛ وجعل السياسة "الإسرائيلية" هي التي تنتصر لأنها كانت تريد دائماً حلولاً تجزيئيّة وترفض 242،338 ومبدأ مقايضة الأرض بالسلام وتعرض على العرب الآخرين مفاوضات سرية، وانفراداً في الحلول الجزئية ومرحلية في الحصول على الحقوق، مع حرصها على أخذ السلام كله جملة وتفصيلاً وتسويقه لصالحها في العالم لتربح من ذلك مادياً ومعنوياً .
وهاهي " إسرائيل " بعد الاتفاق المشؤوم تُرَتِّب العرب على بابها بالدور أو هكذا ترغب، وتقول لهم: فاوضوني سرياً وإفرادياً، وعلى ما يخصكم كأقطار فقط واتركوا شمولية الحل لا سيما فيما يتصل باللاجئين، وحق تقرير المصير، والقدس وتعالوا نجلس بعيداً عن بساط مدريد وخارج حدود صيغة مؤتمرها تلك الصيغة التي لا أرتاح إليها ولا أريد لها الحياة بل لا أريد أن يذكِّرني أحد بها ". على الرغم من أن صيغة مدريد صيغة فُرضت على العرب في ظروف معروفة للقاضي والداني بعد حرب الخليج الثانية والمتغيرات الدولية التي عصفت بالعالم؛ ولأن الاتفاق جاء كذلك: سرياً جزئياً إنفرادياً تآمرياً فإنه جعل مساحة أريحا موضوع تفاوض والمناضلين الفلسطينيين موضوع تفاوض والمفاوضين الفلسطينيين أنفسهم موضوع تفاوض؛ وعلينا أن نتذكر جيداً أن منظمة التحرير في إطار مدريد فرضت نفسها ومرجعيتها لاحقاً على الوفد الفلسطيني الذي كان تحت المظلة الأردنية، وفرضت مفاوضيها وممثليها في الثنائية والمتعددة وأحرجت " إسرائيل " لأن سندها العربي والدولي قوي، ولأن مرجعيتها، مرجعية مدريد، واضحة؛ أما في إطار اتفاق غزة - أريحا فإنها لم تستطع أن تفرض حتى مفاوضيها في طابا - هاني الهندي مثلاً - ولا هي استطاعت أن تفرض تنفيذ أول اتفاق لها مع " الإسرائيليين " في طابا حول الإفراج عن 760 معتقلاً، حيث لم يُفرَج عن معتقلي "حماس والجهاد الإسلامي" من الأطفال والنساء والشيوخ، وكأن الاتفاق اقتصر علناً على " فتح " وليس على منظمة التحرير وفصائلها.
-غزة - أريحا زلزل قضية وشكَّل ثغرة في الصراع العربي - الصهيوني وجعل " إسرائيل " تزاود على العرب كلهم أمام العالم وتدعوهم إلى أن "يخرجوا لصبح السلام بعد أن وافق الفلسطينيون على الاعتراف بـ " إسرائيل " وحقها في الوجود ". ومستند ذلك القول هو أن قضية فلسطين تخص الفلسطينيين أولاً !! ولكنها تخص العرب كأمة أيضاً، وحتى إذا زعم بعض الأشخاص أن فلسطين وقضيتها شأن فلسطيني خاص انطلاقاً من وراثتهم الشرعية (لسايكس - بيكو) ومقولات الاستعمار ونظرياته وحدوده وقيوده وتعليماته، فإنهم لا يستطيعون أن يلغوا من الوجدان والتاريخ وأرض الواقع حقيقة أن فلسطين عربية وأن القضية الفلسطينية انعكست بشكل أو بآخر على كل العرب - بتفاوت نسبي - وساهم فيها بالدم والمال والمسؤولية والمعاناة كلُّ العرب، بتفاوت ملحوظ فيما بينهم؛ ومن ثمة فهي قضية ذات بعد عربي - قومي شامل يحاول اتفاق غزة - أريحا أن يلغيه ويحاول بعض الفلسطينيين أن يشوهه أو يطمسه، ولكن ذلك غير ممكن على الإطلاق. وفضلاً عن البعد القومي للقضية الفلسطينية فإنها منذ نشأت أقامت صراعاً عربياً - صهيونياً شاملاً نظرياً وشبه شامل عملياً، وهذا الصراع بمفهومه وترجمته العملية وأبعاده وأهدافه ليس فلسطينيا حصراً لأنه صراع وجود يتصل بالهوية والحضور القومي والدور الحضاري، بالتاريخ والقيم والمفاهيم؛ كما يتصل بالمشروع الصهيوني ذاته الذي يرفع شعار " من الفرات إلى النيل" و"أرض"إسرائيل" الكبرى " التي هي الآن خارج فلسطين " سايكس بيكو " و " أرض " إسرائيل " التوراتية " أو " " إسرائيل " - رباتي".
وكل هذه الأبعاد لمشروع استعماري - استيطاني صهيوني تتصل بأرض العرب وثقافتهم ووجودهم الأمر الذي يجعل الصراع العربي - الصهيوني مستمراً ما استمر وجود صهيوني في أرض العرب وعدوان صهيوني عليهم ومشاريع توسعية وعدوانية موجهة ضدهم.
وحين يعترف الفلسطينيون، الذين هم رأس الحربة في الصراع العربي - الصهيوني، والذين تحملوا جراءة أكثر من سواهم من العرب؛ حين يعترفون بـ " إسرائيل " ويقولون " بانتهاء هذا الصراع " على نحو ما قالوا في إطار اتفاق غزة - أريحا فإنهم إنما يعلنون أحد الأمور الآتية:
- انفصالهم عن العرب، سواء أكان ذلك في حدود الصراع والتزاماته أو في حدود الانتماء ومقوماته، وفي جميع الأحوال الناتجة عن ذلك فإنهم يفصلون قرارهم عن القرار القومي أو يشككون بالقرار القومي ومرجعيته وشموله؛ أو يعلنون عدم جدواه وفراغه، ومن ثمة يقفون خارج تلك الدائرة. وهذا يقود إلى أمر آخر وهو:
- حيادهم حيال ذلك الصراع أو تحالفهم مع أحد أطرافه. وبما أنهم يعلنون اعترافاً بالعدو فإنهم يعلنون منطقياً اعترافاً بحقوقه وإقامة سلام معه. وهذا يؤدى إلى عدم خوض حروب أو صراعات ضد " إسرائيل " على أرضية صراع حول الوجود، وعدم خوض حرب معها إذا لم تدع المصالح والأبعاد الحيوية القطرية " إلى ذلك.
وهذا سيقود منطقياً، مع استمرار الصراع العربي الصهيوني وسخونته واشتعاله، إلى الوقوف أمام خيارات تسفر عن اتخاذ مواقف وقرارات: فإمَّا أن يكون أصحاب اتفاق غزة - أريحا / الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي أو الحكومة الاتحادية - أو الدولة / حلفاء للعدو " الإسرائيلي " أو محايدون يحمي هو أو حلفاؤه حيادهم؛ ومن ثمة فهم مفصولون بشكل أو بآخر عن قرار الأمَّة العربية وصراعاتها ومصيرها .
وهذا البعد إذا ما تحقق فإنه بعد خطير جداً يقوم بدور تفتيتي مؤثر في كيان الأمَّة العربية ويفتك بتطلعاتها وأحلامها التحررية والوحدوية والحضارية، ويؤسس لقيام فسيفساء بشرية متناحرة أو متضاربة الأهداف والمشاريع والانتماءات والتحالفات على الأرض المحيطة بـ " إسرائيل ". وهو ما كانت " إسرائيل " تسعى إليه في لبنان وسواه، وهو ما زالت تسعى إليه اليوم وغداً.
وإخراج فلسطين وفلسطيني (الاتفاق) من دائرة الصراع العربي - الصهيوني سوف يشجع فكراً وثقافة يبرران ذلك ويسوِّغانه ويدفعانه نحو الوجود والصمود، أو سيخلق مثل ذلك الفكر وتلك الثقافة.
وكما انتعشت الفرعونية في مصر على اثر كامب ديفيد وانتعشت طائفية أدت إلى انتعاش تعصب في مقابلها فسوف تولد، على ما تبقَّى من أرض فلسطين وبين صفوف أبناء شعبها المنتشرين في الأرض، مثل هذه الأمور؛ وسيؤدي ذلك إلى صراعات مطلوبة من " إسرائيل " بل ومشترَطة أساساً في الاتفاق، حتى على المستوى الفلسطيني - الفلسطيني. وقيام مثل هذا المناخ وتلك المعطيات سوف يؤدي إلى انتشار التصدّع في المفاهيم القومية وفي مقومات الوجود العربي والهوية والمصير العربي المشترك.
وبناء على ذلك فإن الصراع العربي مع أيَّة قوة، سواء أكان ذلك على المصالح أو على المبادئ ومقومات الاستقلال والوجود؛ لن يحظى بوحدة موقف ووحدة شعب ووحدة نضال ووحدة قرار،ولا حتى بتضامن هش حول ذلك الأمر،الذي يظهر خطورة كامب ديفيد ثم غزة -أريحا على مجمل العمل القومي،وعلى مفهوم الصراع العربي الصهيوني مع العدو الصهيوني،وعلى مفهوم الصراع العربي مع أي عدو محتمل؛ وتأثير غزة -أريحا على الصراع العربي-"الإسرائيلي" في بعده القومي ملحوظ. ولكن الاتفاق لا يستطيع أن يلغى حقيقة استمرار هذا الصراع لأنه مرتبط بوجودين فوق أرض لا تتسع إلاَّ لوجود وأحد؛ وعلى "الاتفاقيِّين" أن يحددوا اختيارهم وانتماءهم أو مواقفهم من ذلك.
وخطورة الاتفاق أنه يطرح عليهم هذا الخيار في ظل ضعفهم واستعداد الأعداء لتقديم كل دعم وقوة لهم تسندهم في وجه أمَّة ضعيفة مشتتة في حالة انحسار قوة وإرادة ووعي، على أرضية خواء داخلى وغياب نصير خارجي، وهذه الأمَّة هي أمتهم.
- غزة - أريحا اتفاق أملاه الصهاينة وإنجاز " إسرائيلي " يحل مشاكل " إسرائيل "، ولكنه حاضنة أميركية تقيمها لـ " إسرائيل " بعد اقتراب حالة الفطام أو تخوفاً من اقتراب وقته، لا سيما بعد أن بدأ الشارع الأميركي يطرح أسئلة تتعلق بالمال والمساعدات المقدمة للآخرين، في حين يوجد فقر وجوع وبطالة وأميَّة في أميركا؛ ولذلك تأثير كبير على إدارة كلنتون، التى جاءت للحكم أصلاً تحت شعار حل الأزمة الاقتصادية ومعالجة كل ما يتصل بها وينشأ عنها .
ولأن " إسرائيل " تحتاج إلى المال وإلى أن تُفتح بوجهها الأسواق، لا سيما أسواق بيع السلاح مستقبلاً، ولأن العرب مستهلكين جيدين لمجمل السلع بما فيها السلاح؛ فإن السوق العربية المفتوحة لـ " إسرائيل " تشكل حاضنة مثالية لدولة تعبت أميركا من تزويدها بالمال، وتريد لها أن تعيش وتزدهر، وتريد لها أن تبقى قوية لتساعدها في تامين مصالحها أيضاً تحت تهديد القوة إذا اقتضى الأمر .
ولأن اليهود الأميركيين - أكثر من خمسة ملايين ـ يملكون أموالاً ويريدون توسيع استثمار اتهم في الشرق، فإن الاستثمار من خلال التفوق الأمني " الإسرائيلي " والهيمنة التامة على أرض العرب الغنيّة وعلى الشعب العربي " الكريم المتلاف " قضية حيوية تستحق المغامرة، لا سيما وأن فيها ضمان استمرار بقاء " إسرائيل " قوية، وضمان استمرار تنفيذ المشروع الصهيوني بطرق مختلفة خاصة: التوسع الاستيطاني وتمتين القاعدة الاقتصادية المستقلة القوية، التي تحتاج إليها القفزة القادمة نحو خطوة في مشروع " إسرائيل " التوراتية ".
ونظراً لأهمية هذه الأبعاد فقد اتخذ مشروع غزة - أريحا توجها اقتصادياً هو الأهم في الاتفاق، حيث يغدو " الاتفاقيّيون " مجرد مروجين للتطبيع والبضائع والسلع والمشاريع الصهيونية - الغربية ولهم سمسرة معينة " كومسيون "، وسوف يؤمن لهم ذلك دخلاً وتجارة في حدود " سلام المستسلمين " ويعطيهم امتيازات تشكِّل بديلاً للدكاكين السياسية السابقة التي كانت تدرُّ دخلاً. إننا نغير الواجهات والمواقع وبدلاً من دكان القرية نفتح " سوبر ماركت " مغطاة بالملصقات الإعلانية الصهيونية - الأميركية، وفوقها قرص كبير يسهل رؤية محطة الــ s.n.n وبقية المحطات الأخرى التي تتكفل بإعادة صوغ الإنسان الفلسطيني خاصة والعربي عامة صوغاً يجعله مستهلكاً من نوع جديد، لكل أنواع البضائع الثقافية والسلع الغربية والمواد السوداء التي تنخر الروح والجسم معاً وتفتك بالقيم والعادات والتقاليد والأخلاق العربية والشرقية، وتجعل إنسان المستقبل العربي أنموذجاً للتابع المريض الذي يستجدي قوَّته وأفيونه وقوتَه من مالك قراراه ولقمته وهمته ورسنه.
والاتفاق يهيئ الأرضية واسعة لهذا المنحى الاقتصادي الاستهلاكي والسياسي - التجاري بالذات، ويضع بتصرف مشروع مارشال جديد أموالاً تشغل الناس وتجعلهم في خدمة أطماع قريبة تجردهم من الكراهية والمثل والقيم والتطلعات الوطنية والقومية الأصلية والكبيرة.
وعلى هامش هذا السوق الذي ينشأ على مقبرة الشهداء العرب الذين عبروا بالدم الزكي والحناء والحداء القومي العظيم نحو فلسطين التاريخ، على هامش هذا السوق سوف تقام مناطق شبه حرة للقمار والتجارة والدعارة وهي مناطق مشتركة تمتد من إيلات على ساحل البحر الأحمر بطول خمسين كيلو متراً يرتادها أولئك الذين يصرفون أموالهم على هكذا اهتمامات وأكثرهم من العرب، فيكون مجيئهم إليها شبه يومي وصرفهم في مغانيها عظيم، وكأن ذلك الذي يجنيه تجار النهار وعماله يأخذه لصوص الليل؛ وهكذا يعود المال إلى شايلوك الذي لا يتردد في الربا كما لا يتردد بأن يقدِّم نساء وإغراء وسموماً ليكسب أكثر ويفتك بالآخرين أكثر تحت شعار استغلال "الغوييم " واستعادة أملاك اليهود منهم بكل طريقة ممكنة ولن يكون مستغرباً عندها إذا اشترك رابين أو بيريس مع مسؤولين فلسطينيين وعرب آخرين في إقامة واستثمار أحد أندية القمار.. أَوَليس اتفاق غزة - أريحا كله نوع من مغامرة كسب فيها " الإسرائيلي " الصفقة كلها وخسر الفلسطيني والعربي الذي أيَّدَه فلسطين والمستقبل وقامر بأرواح الشهداء وبحق المشردين بالعودة وبالوطن الذي كان والذي ما زال يرفرف على سندس أرواح الشهداء وأولئك الذين يعانون من أجل فلسطين وبسببها وتحت وطأة الصراع العربي - الصهيوني وذرائع لا تنتهي لأعمال وممارسات تتم باسمه وبسببه!؟ ولن يعدم ذلك النادي الكبير زوَّاراً يستطلعون آفاقه ويتمتعون بظلاله وهم يغضِّنون وجوههم احتجاجاً على إقامته، فالعرب لديهم هامش ذرائعي كبير وهامش أكبر للمناورات السلبية؛ ومن يعش يرَ الكثير والكثير، وسيكون من الأمنيات أن يغفروا لنا كتابة هذه الهوامش على اتفاق غزة - أريحا.
الأسبوع الأدبي/ع385//28/ت1/1993
|