صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

لماذا (لا )

لماذا " لا " قبل أن نمتلك فعلياً مقومات قول " لا " وقبل أن نتمكَّن من القيام بالاستحقاقات التي تترتب على ذلك؟! سؤال يقف في الحلق، ويغص به المنطق ويظهرنا كمن يضع العصي في العجلات غير مدرك لما يفعل، أو كمن فاته شيء كثير وما زال يعيش في زمن ماض فهو كسكان الكهف يريد أن يصرف عملة لا تُصْرَف، وأن يعيش في عصر السرعة وقد تكلست عظامه من الرطوبة وأَلِفَ الظلام؟! بعض الناس ينظر بعطف وتفهُّم لأولئك الذين يقولون " لا " في زمن " نعم " فيرى أن الوجدان العربي الذي تكوَّن في ظل الحق والأخلاقيات والثوابت القومية لا يمكن أن يقبل بسهولة نقائض ما تكوَّن عليه ونهجاً نهجَه، وأنه لابد من ثورة عاطفية وانفعال وتمرد آني لتخف وطأة الصدمة وبعدها يعود أولئك إلى قبول الواقع وإلى التطامن في ظل الوقائع الجديدة والمعطيات التي يقدمها عالم متغير. وبعض الناس أيضاً يلتمس لأولئك الأعذار من موقع وموقف متعاليين، فهو في ظل العطف والاستصغار يقول: انفعاليون من فصائل الغزو القبَلي يهرس قلوبهم الثأر، ولا ينامون على ضيم لأنهم ما زالوا يعيشون مراحل تدفق البداوة والعواطف والأحلام والأوهام في أعصابهم وشرايينهم !؟.‏

أما أولئك الذين يقولون " لا " دون أن ينتظروا تحقق امتلاكهم لما ترتبه "لا " من مسؤوليات وتبعات، مشحونون بالمتناقضات ويريدون تحقيق ما يقرب من المستحيل في جو عربي تسيطر عليه أيام " النقائض "، وهم مسكونون بالهم والألم والأمل في آن معاً، رؤيتهم لم يضربْها بعد فلقُ الصبح، ولكنه لم يتناءى عنها فتيأس منه. ويبدو بجلاء أنه ليس من السهل عليهم أن يضعوا كل ما عاشوا عليه وناضلوا من أجله في سلة المهملات، فضلاً عن أنهم لم يفقدوا الأمل بحزمة الأهداف والتطلعات والأحلام التي تشكل بالنسبة لهم معنى الحياة وجوهرها.‏

" لا " قبل امتلاك مقوماتها والاستعداد لأداء استحقاقاتها على الوجه المرْضي، موقف لا يأتي من فراغ، ولا يستند إلى فراغ، ولن يبقى معلقاً في الفراغ. فهي تحمل ثقل صدق الحق والقضية والنضال الذي تم على طريقها منذ مطلع هذا القرن؛ وهي تعلن عدم موت الأمَّة وعدم موت الثقة بها، وتعلن أن الباب ما زال مفتوحاً نحو المستقبل ولم يغلقه الردم المتراكم من العدو وحلفائه وعملائه، وتعلن استعداداً لمزيد من التضحية والعمل من أجل البقاء ونوع الحضور ومعنى الحق، وهي ناقوس يقرع في كل أنحاء الوطن العربي لينذِر في صبح " الابتهاج المفتَعَل " بسلام " غزة - أريحا وسلام يهود.. لينذر بأن الخطر قادم، والمقاومة فرض عين، وفلسطين عربية، والقدس ليست كما يقول رابين " عاصمة أبدية لـ " إسرائيل " " ولا كما يقول بيريس " لا يمكن أن تكون مفتوحة لكل الأيادي إلا إذا بقيت عاصمة " إسرائيل " فنحن أفضل ضمانة لاحترام كل الأديان "!؟ ذلك لأن كذب الصهاينة يروج في الولايات المتحدة الأميركية وفي العالم الذي يخشى اتهاماتهم المكررة " بالعداء للسامية "، ولكنه لا يروج في منطقة تعرف جيداً أنهم هم العنصرية البغيضة مجسَّدة؛ وذلك من خلال التجربة المرة والممارسة المضنية، وأنهم أساس مصائب الآخرين في هذه المنطقة العربية، ولأن القدس، عبر تاريخ تَعَانُق الأديان السماوية فيها، نحن كنا سدنتها الأوفى والأعدل والأكفأ، من حيث المحافظة على المقدسات وإتاحة حرية العبادة وحرية وصول الجميع إلى مقدساتهم. لأننا نؤمن بالأنبياء ولا نفرق، ونحن لم نحرق المسجد الأقصى ولم نعتد على الكنائس ولم نلحق أذى بالكنس كما فعل اليهود بمقدسات الغير .‏

إن قول " لا " قبل الإعداد لاستحقاقاتها بشكل ملائم يعتمد على رصيد الحق والتاريخ وعلى القوة الروحية والثوابت المبدئية التي نرفض التفريط بها؛ وهو في الوقت ذاته، ومن جهة أخرى إعلان ضرورة إعادة تجمُّع الأمَّة حول القضية القومية على أسس من العمل والتعامل والإعداد والاستعداد مختلفة عما سبق؛ وهذا يجعلنا نرى في " لا " التي نرفض ابتداء منها العدو ودولة القهر وحالة الذل، نرى فيها نداء للوعي والعمل على أرضية العلم لامتلاك القدرة على تحقيق معنى " لا " وهو مدخل لمعنى مقوماتها واستحقاقاتها. إن " لا " ترتب على من يقولها ضرورة إجراء مراجعة للذات والممارسات والاستعدادات لينشأ ابتداء من ذلك وضع مغاير للوضع الراهن الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه الآن من ضعف وارتباك وانشقاقات وتسليم بقوة الأمر الواقع الذي لا نرتضيه لأنفسنا ولأجيالنا. والمراجعة تقوم على وعي يمكِّننا من ممارسة النقد الذاتي والنقد الموضوعي بهدف إعادة البناء: بناء الذات وبناء الصلات وبناء القدرات العلمية والعملية والإنتاجية وفي هذا المنحى أحبِّذ لو تقوم التيارات الرئيسة، سياسياً وثقافياً وتنظيمياً، العاملة في ساحة الوطن العربي بمراجعة شجاعة بهدف الاستفادة من دروس الماضي واكتشاف المشترك الذي يجمع القوى المعنية بقضية مبدئية وأهداف مشتركة على طريق نضال وأحد، مع الاحتفاظ بهوامش الخلاف التي يجري حولها حوار بناء على أرضية احترام حق الآخر في الاختلاف واحترام معايير رئيسة تجعل الجميع تحت سقف الوطن والأمة والمصلحة العليا في البقاء والوجود والحفاظ على حيوية الحضور ومقومات الحياة والكرامة .‏

وأعتقد أن التيار القومي في الوطن العربي هو المدعو للقيام بمبادرات قبل سواه، لأن المرحلة تتطلب إعادة تأكيد للالتزام القومي والثوابت القومية بالنسبة للقضية المركزية في النضال العربي قضية فلسطين، وبالنسبة للوحدة التي لا يوجد خلاص قطري من أي نوع من دون خطوات على طريقها ابتداء من التضامن وانتهاء بها، مروراً بأشكال الاتحاد والولايات العربية المتحدة. ولا أجد مبرراً لعدم قيام التيار القومي بمبادرات داخلية وخارجية باتجاه التيارات الأخرى في الساحة العربية انطلاقاً من رؤية تحمل الراهن وتستشرف المستقبل، الذي ينبغي أن يكون للجميع وأن يشارك في صنعه الجميع.‏

إن التأسيس لمرحلة جديدة من التفاعل والتواصل بين التيارات المؤثرة في العمل العربي بكل مستوياته وأبعاده، وأقصد بصورة خاصة /التيار القومي - التيار الماركسي - التيار الإسلامي - التيار الليبرالي/ من الأهمية بمكان لجعل قدرات الأمَّة تصب في خدمتها وفي مجرى يهدف لانتشالها من التمزق والتفتيت، ووضعها على مسار الإنقاذ والنهضة والوعي العصري القائم على نظرة شاملة للحاضر في ضوء الموقع الحالي للعرب في العالم. وإذا ما التقت تلك القوى على برنامج مشترك يؤسس للعمل من أجل امتلاك مقومات رفض الانهيار ورفض الاعتراف بالعدو الصهيوني، ووضع حد للانتماءات المرضية والمشبوهة التي تقوم بها أطراف شريكة في المسؤولية والمصير، فإننا نبدأ فعلياً بتوفير الرصيد اللازم لاستحقاقات " لا ".‏

إن " لا " لـ " إسرائيل " ومشاريع الولايات المتحدة الأميركية تحتاج إلى جبهة تستشعر الخطر وضرورات العمل المشترك، كما تستشعر بجدية ومسؤولية واجباتها حيال الوطن والحق التاريخي للأمَّة وحيال الأجيال القادمة. والسير في هذا الاتجاه يستدعي مجاوزة كثير من عقد الماضي ومآسيه وأحزانه ووقائعه وتواريخه وخلافاته ويتطلب استعداداً مبدئياً لقبول الآخر الشريك في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، بل طرف الشراكة في الوطن والمسؤولية والانتماء. والسير في هذا الاتجاه يتطلب شجاعة وصراحة وجرأة في مواجهة الذات والآخر واستحقاقات الحاضر والمستقبل، كما يتطلب استعداداً لنبذ كل ادعاء بعصمويَّة أياً كان مصدرها، وببراءة من كل مسؤولية وتقصير أياً كان المبرر والسبب. إننا لا نريد فتح محكمة واستعادة سياط نجلد بها الذات والآخر، إننا نحتاج إلى دخول المطْهَر بكل الاستعداد للخروج منه أكثر قدرة على المحبة والتضحية وتقبُّل الواقع المر واستحقاقات المستقبل. وهذا يستدعي الحذر مسبقاً من نبذ الآخر أو العمل على إلحاقه من خلال الطلب إليه أن يلتحق بالمشروع الذي يُعْرَض عليه. ذلك لأن عملية إلغاء الشريك تتم في أكثر الحالات حين نستدرجه إلى قفص، أو حين نغلق عليه المنافذ بدفاعنا المطلق عن قفصنا الذي نحن فيه. والحوار الذي يقوم على حرية واحترام يكفل، أول ما يكفل، حق الآخر في صنع مناخه وفي المساهمة في صنع نتائجه.‏

إن " لا " نقولها لغزة - أريحا مثلاً أو للاعتراف بـ " إسرائيل "، أو لأشكال الظلم والقهر والاستغلال والحصار بكل أبعاده - الذي يفرض على أمتنا وعلى أجزاء من شعبنا، تتطلب حسابات قائمة على مستندات ومعطيات ومقومات قوة علمية وتقنية وعملية بالدرجة الأولى، وعلى اقتصاد ووعي وثقافة و ..الخ. أي على شراكة حقيقية تقوم على توحُّد تام في الرؤية مع مراعاة للظروف والمرحليات التي يفرض مراعاتها وجودُ دول وسياسات وتواريخ، ووجود واقع لا بد من السير عبره إلى المستقبل. وإن " لا " تتطلب أن ندرس بدقة أسباب فشل " لاءات " سابقة عليها، ابتداء من لاءات الخرطوم مروراً بـ " لا " التي قلناها " لكامب ديفيد " وتلك التي نقولها لغزة أريحا، وتلك التي نقولها أو سنقولها لـ " إسرائيل " وللمشروع الاستثماري الاستعماري الغربي. وهذا التوجه يطرح سؤالاً محرجاً نظراً لما رافقه دائماً من إحباط، وهو: هل نحن قادرون؟! وهل لا بد من خوض التجربة ... والمجرَّب لا يجرب عادة؟! وبكل موضوعية التفاؤل ومسؤوليته أقول: نعم.. إذا. "ونعم.. إذا " لها مبرراتها ومستنداتها ومعطياتها وشروطها. نعم إن ذلك ممكن من خلال توافر كل الخامات الأولية والمواد التي يمكن أن تصنع وضعاً جديداً وقوة جديدة. وإذا.. شرطية مفتوحة المداخل يلخِّصها بإيجاز شديد قوله تعالى: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم " وهذا يتضمن مناخاً ذاتياً وموضوعياً، فردياً وجماعياً، قطرياً وقومياً، نظرياً وعملياً، آمل أن يكون لدينا الاستعداد لتوفيره لنا ولسوانا،والقدرة على تحقيق ذلك.‏

الأسبوع الأدبي/ع388//18/ت2/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244