صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الانتفاضة في عامها السابع

الانتفاضة الفلسطينية المباركة تدخل عامها السابع عزيزة قوية وأكثر تصميماً على تحقيق أهدافها من أي وقت مضى.‏

وهي إذ تسلك طريق التحرير، رافعة مشاعل الدم، مثقلة بالمسؤولية وأكاليل الغار، يسلك غيرها، من أبناء فلسطين، طريق اتفاق " أوسلو" مختارين الهزيمة وطلاء القار، وتحالفاً مع العدو لا يشرف ولا ينقذ ولا يحمي إلا مصلحة أولئك الذين يرون أن الوطن والقضية تقزَّما وتوحَّدا في أشخاصهم ومصالحهم فقط.‏

والانتفاضة في عامها السابع لا تحمل أهداف ما قبله من أعوام، فلقد أضيف إلى ذلك هدف إسقاط الاتفاق ومواجهة التحالفات الجديدة، والأوضاع الجديدة في الساحتين الفلسطينية والعربية فهل تراها ستكون أقدر على مواجهة استحقاقات المرحلة القادمة، أم أنها ستعاني من فداحة ما تلاقي وثقل ما تحمل؟!.‏

لقد كانت المعادلة سائدة خلال السنوات الست الماضية معادلة صعبة وغير مقبولة من الجميع تلك التي يمكن تلخيصها بالآتي :‏

"استمرار الإبادة في الداخل، واستمرار الصراخ في الخارج. "‏

فهل تراها تتغير تلك المعادلة الآن إلى الأفضل أم إلى الأسوأ ؟!‏

من المؤشرات التي تمت حتى الآن، لا سيما بعد اتفاق"أوسلو"، أن قيادة منظمة التحرير لم يعد يهمها إلا ما يجري لبعض فصائل فتح في الداخل وهي حيال أولئك قد تملك أن تحتج ولكنها لا تملك أن تطلب من رابين تقديم الاعتذار عن قتلهم مثلما فعل رابين بعرفات عند قُتل "حاييم مزراحي".‏

أما أن يهتم عرفات بمن يقتلون من"حماس" والجهاد الإسلامي، مثل عماد عقل وسواه، فذلك أمر مستبعد تماماً، وقد أشار أكثر من وزير " إسرائيلي " إلى حقيقة أن منظمة التحرير التي وقعنا معها الاتفاق لا تهتم بمن يعارضون الاتفاق من الداخل والخارج وهي تتعاون أو ستتعاون معنا من أجل تصفيتهم .‏

وهذا المؤشر يكاد يضيء صفحة الآتي، لا سيما خلال السنة السابعة من عمر الانتفاضة، وهي بتقديري سنة حاسمة بالنسبة لها.‏

فهل ستواجه آلة الحقد العنصري الصهيوني ومن سيتعاون معها رسمياً لتصفية الانتفاضة التي" لم يعد لها ضرورة " كما صرح أكثر من مسؤول في منظمة التحرير، لأن اتفاق" أوسلو " أنهى ما سماه عرفات" الإرهاب " و"العنف"، وهل تكون قادرة، وحدها، في حال استمرار المعادلة التي أشرنا إليها سابقاً معادلة: "استمرار الإبادة في الداخل، واستمرار الصراخ في الخارج "!؟ .‏

إن تحقيق مواجهة ناجحة واستمراراً مطلوباً، غدا وحده أحد أهم المؤشرات العملية على مقاومة"الاتفاق" المشين؟!.‏

إن جميع الدلائل تشير إلى أن الانتفاضة المباركة سوف تكون أكثر عزلة مما مضى، وأكثر إثارة للاهتمام، لا سيما في ظل الأوضاع العربية والدولية الراهنة. وإذا لم يتمكن الرافضون للاتفاق من تقديم رفد مادي وعملياتي للانتفاضة، بتعاون وتنسيق تامين فيما بينهم من جهة، وبتعاون مع الانتفاضة في الداخل من جهة أخرى، فإن النتائج ستكون ضئيلة أو معدومة، والخسائر المادية والمعنوية، في داخل فلسطين المحتلة وفي داخل صفوف الرافضين للاتفاق وللاعتراف بإسرائيل ولكل شكل من أشكال تطبيع العلاقات معها على أرضية الاعتراف بها؛ أن النتائج والخسائر ستكون محبطة تماماً.‏

أنا أعرف جيداً حجم المواجهات القادمة وظروفها وشروطها، وأعرف نوع الرفد الذي يمكن أن يقدم عملياً للانتفاضة من الداخل، وهو إذا ما وصل إلى أفضل حالاته سيكون دعماً مالياً وإعلامياً؛ وكل ذلك لا يحقق فعلاً ذا ثقل مؤثر يحسم الأمر لصالح استمرار الصراع العربي الصهيوني على أسسه ومبادئه وثوابته تحقيقاً لأهدافه المعلنة، وحفاظاً على جوهره: "صراع وجود وليس نزاعاً على حدود".‏

ولذلك فإن رفض إسرائيل، ورفض الاعتراف بها، ورفض اتفاق"غزة- أريحا" والتمسك بثوابت الأمَّة العربية وبمقومات صراعها مع الصهيونية، كل ذلك ينبغي أن يعبر عن نفسه وعن حضوره، منذ الآن، بشكل مغاير تماماً لكل ما سبق من صور الدعم للانتفاضة والتضامن معها والتبني التام لأهدافها، ولكل ما قدم من أشكال الإعداد والاستعداد لخوض الصراع العربي الصهيوني.‏

من الجلي الواضح اليوم أن التوجه الرسمي العربي، في مجمله -عدا بعض الأقطار- لم يعد يقر مبدأ الصراع بمقوماته الثابتة وأهدافه الرئيسة، وأنه مع الاتفاق والاعتراف، فكيف سيكون موقفه من الانتفاضة، وهي تناقض توجهاته ومفاهيمه الراهنة؟! هل تراه سيقف منها موقفاً غير ذاك الذي يدعو إليه كل من عرفات ورابين معاً؟! وهل سيجنبها السحق والمحق والإبادة؟!.‏

هل سينصفها ويرعاها معنوياً، أم سيعتم عليها وينضم إلى الطاعنين بها؟! كل تلك أسئلة مطروحة وأجوبتها تكاد تكون معروفة.‏

وإذا كان هذا هو شان الانتفاضة المتوقع مع التوجه الرسمي العربي، فهل سيكون شأنها أفضل مع التوجه الشعبي العربي؟! وهل تراه قادراً على منحها أكثر من الكلام والعواطف، وبعض المال في أحسن الظروف؟! وهل هذا سيكفيها لتواصل جهادها في ظل الحصار الذي سيفرض عليها!!‏

يتراءى لي أن من صور الدعم المجدي وأشكاله، الرفد البشري بعناصر قادرة على الأداء العمليَّاتي، ولكن ذلك كان محظوراً وغير ممكن في ظل وضع عربي رسمي أكثر تأييداً للانتفاضة، فهل تراه واقعياً التفكير بدعم من هذا القبيل في ظل الوضع العربي الراهن، وهو دعم ضروري في وقت تستمر فيه أعمال التصفية البشرية لرجال الانتفاضة وأبطالها؟!.‏

إن ذلك مطروح للتفكير، ولا بد أن يتم النظر جدياً بكل أشكال الدعم المطلوبة للانتفاضة في عامها السابع على ضوء المتغيرات الجديدة، والواقع السياسي العربي والدولي حيالها، والواقع الفلسطيني الرسمي أيضاً، وهو واقع لا يستهان به ولا بتأثيره.‏

إن علينا أن نبقي شعلة الشهداء مضاءة ومرفوعة، وعلينا أن نبقي الانتفاضة مستمرة، وعلينا أن نجد صيغ الدعم الفعلي لها؛ إذا ما أردنا أن نكون أكثر مصداقية وتأثيراً وفاعلية مما مضى.‏

إننا نذكر جيداً كيف أن " لاءات " الخرطوم انقلبت في ضوء الأداء العربي الهزيل/رسمياً وشعبياً/ إلى أكثر من نعم، وكذلك الرفض الذي كان"لكامب ديفيد"، وننظر الآن"بواقعية سوداء"، ومأساوية أن صح التعبير، إلى الموقف الرسمي العربي من اتفاق "غزة- أريحا"، فلا نجعلن موقفنا من الانتفاضة في عامها السابع وبداية مسيرتها النوعية الجديدة في ظروفها الحالية، على شاكلة ما سبق للأمة من مواقف حيال قرارات واتفاقيات سابقة.‏

إن نوع السلوك والأداء والفعل والتفكير هو الذي ينبغي أن يتغير.‏

ومن أجل الوصول إلى ذلك لا بد من تغيير جذري في أساليب التعامل والتواصل بين الفئات التي تتخذ موقفاً رافضاً للاعتراف والاتفاق والتطبيع.‏

لا بد من تصالحها أولاً، ومن برنامج عمل مشترك لها ثانياً، ولا بد من اعتمادها على الشعب وتواصلها معه على أساس من المصداقية والوعي، ولا بد من معرفة ما يحرك وجدانه وما يضعه على طريق العطاء غير المحدود؛ وربما من أجل هذا كان وما زال مطلوباً: إقامة الحوار بين التيارات الرئيسة الفاعلة في الساحتين العربية والإسلامية من أجل اكتشاف المشترك وتعزيزه، ومن أجل وضع استراتيجية عمل ومرحليات تحرك تجعل لـ"لا" معنى"لا" ومردودها ومصداقيتها، وتجعل لكل كلمة - موقف تأثيراً واحتراماً ومهابة.‏

إن الذين يقدمون الدم في فلسطين المحتلة وعلى الحدود معها لا سيما الانتفاضة والمقاومة الوطنية اللبنانية، كل أولئك يستحق منا أن نقدم له بصدق جهداً ودعماً وتأييداً وشراكة في المصير، فهل نفعل ذلك بسرعة وصدق وفعالية يؤكدها ويحققها العلم والعمل !؟.‏

قل: " إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " وقل: "اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون ".‏

صدق اللّه العظيم.‏

الأسبوع الأدبي/ع391//9/ك1/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244