صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

مثقفو التطبيع من صنعاء إلـى غرناطة

في ندوة ثقافية- سياسية موسعة، عقدت في صنعاء دعماً للانتفاضة المباركة قبل عدة سنوات، رفع نفر من المثقفين " العرب " ممن "يحتكرون" لأنفسهم النضج والحداثة والمعرفة... الخ وممن ينفخ في قصبهم الغرب فيمتلئ بأصواتهم الشرق، رفع أولئك أصواتهم مروجين للتطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، وكان ينتظرهم أن هم نجحوا في جر المثقفين العرب إلى ذلك، وعد بما يشبع غرورهم، ولكنهم شجبوا شجباً مراً، فصعّروا خدودهم كبراً، وراحوا ينعتون الآخرين، سراً، بأنهم ما زالوا تحت مستوى النضج المطلوب، ويتهمون الأمَّة العربية كلها بما هو أبشع وأشنع من الجلافة والتخلف، وشدوا رحالهم إلى العواصم الغربية التي أوفدتهم وأغرتهم بمهامهم تلك، يحثونها على الاستمرار في تصنيع الواجهات الملائمة وتلميعها وصولاً إلى وضع يمكنها من قيادة الثقافة في الشرق، ذلك الذي لم ينضج بعد ليسير حسب الطلب، تنفيذاً للخطط المرسومة.‏

وراحت تلك الدوائر تعمل بالتعاون مع الصهيونية والإدارات الأميركية، وتدفع أسماء إلى دائرة ضوء الإعلام، وتلمع واجهات وتهيئ نفوساً ومناخاً لساعة يرتب لها سياسياً وثقافياً.‏

وقبل أيام، وبالتحديد في التاسع من كانون الأول الجاري، وهو يوم دخول الانتفاضة عامها السابع، انعقدت في"غرناطة" ندوة: ثقافية- سياسية بإشراف اليونيسكو وتمويلها، تحت عنوان "لننتقل من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام" ثقلها: مثقفون فلسطينيون ويهود، وشارك فيها المثقفون الذين صنّعهم الغرب وهيأهم لمثل هذه المناسبات، وأولئك الذين روجوا للتطبيع مع إسرائيل، زاعمين أنهم ممثلي الثقافة العربية.‏

وهم في فعلهم هذا لا تحدوهم إلا الرغبة في الظهور على حساب الشعب والحق والقيم، ولا يريدون إلا تأكيد"مصداقيتهم" أمام الذين صنعوهم على أنهم"متحضرين" على النمط الساداتي، وأنهم يدفعون اتفاق رابين- عرفات إلى الأمام، ويشيعون من حوله هالة من الرضا ذات بعد ثقافي (؟ ؟!). وهم يدركون جيداً أنهم يرمون إلى تحقيق تعاون وتفاعل عربي- صهيوني برعاية غربية، لتحقيق تطبيع شامل، تكون الثقافة أحد وجوهه ويريدون اختراق الجبهة الثقافية العربية الرافضة للاتفاق، والاعتراف، والتطبيع، ولأن تكون"إسرائيل" جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والأمني للمنطقة.‏

ولأن هذا الفعل يشكل انتهاكاً لحركة الثوابت المبدئية: القومية والخُلُقية، التي تدفعها الثقافة العربية عالياً في هذه المرحلة، ولأنه يرمي إلى النيل من منزلة الثقافة العربية ومصداقيتها أمام الجماهير، وغرس الإحباط في كيانها بجعلها تنخرط في التفريط بالحقوق والمقدسات والأرض والمبادئ وتبارك من يفعلون ذلك وتشاركهم أفعالهم، ولأنه يتعارض مع ما ثبتته مؤتمرات الكتاب والمثقفين العرب، القومية والقطرية، وكذلك مع ما أعلنته المؤسسات الثقافية، والمؤتمرات الشعبية العربية والإسلامية، مثل: المجلس القومي للثقافة العربية، مؤتمر الشعب العربي، المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي، المؤتمر القومي في إطار مركز دراسات الوحدة العربية- ملتقى الحوار- الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب- جبهة ميثاق المثقفين العرب.... الخ.. فإنه يتوجب علينا، وفي هذا الظرف بالذات، أن نعلن بملء الصوت، أن الذين يترامون على أعتاب"إسرائيل"، وعلى جوائز تهيمن عليها الصهيونية وتتخذ واجهات دولية، والذين يزعمون أنهم يمثلون مؤسسات أدبية"هي في واقع الحال ميتة تماماً ومنذ زمن"، أن هؤلاء جميعاً لا يمثلون الوجه الحقيقي للثقافة العربية، ولا التوجه الراهن للمثقفين العرب، لا سيما موقفهم من اتفاقيات التفريط، والاعتراف المجاني بعدو الأمَّة الذي لا يمكن إلا أن يبقى عدواً ما دام يحتل شبراً من أرض فلسطين، كل فلسطين، وأن هؤلاء لا ينطقون باسم ثقافة الأمة، وإنما هم رموز سوق الكلام، والقضايا الكبرى للشعوب لاتباع في الأسواق. أن أولئك إنما يقدمون أنفسهم للناس على حقيقتهم: أحصنة مستأجرة في رهان خاسر، فالثقافة العربية ستكون -فيما نؤمل- الحصن الحصين الذي يدافع عن ثوابت الأمَّة العربية، وعن أرضها وحقوقها وكرامتها، وهي لن تفرط ولن تغطي مفرطاً، ولن تركب مركب غيرها، ولن تعترف بإسرائيل، ولا بالهزيمة، حتى لو انتهت معارك وعقود زمنية لصالح العدو، فإن ذلك لا يعني ولن يعني أبداً هزيمة تاريخية شاملة ونهائية للأمة، فالباب الذي ستلجه الأجيال القادمة نحو الكرامة والتحرير لابد أن يبقى مفتوحاً، ولابد أن يحشد الناس لكي يلجوه، ولن يقوم بذلك سوى ثقافة مؤتمنة على تاريخ الأمَّة وحقوقها وثوابتها وروحها المتجدد، ولن يصنع ذلك سوى وعي معرفي عميق بدروس التاريخ العربي وعبره، وانتماء صريح للأمة في ظروفها ومعطياتها وما يمثله واقعها من: خير وشر، إيجابي وسلبي، صحة ومرض، قوة وضعف، ولن يغير شخص جلده ودمه وانتماءه وقيمه لأن تغيراً طارئاً أو عميقاً أصاب شعبه أو أصاب بعض جسده، فذلك هو الانسلاخ النابع من أنانية مفرطة أو دونية مفرطة، ونتيجته وبال على الشخص ونسله وروحه المعنوية وثقافته وشخصيته في المدى البعيد.‏

إن الثقافة العربية، والمثقفين العرب، مسؤولون عن إبقاء الباب مفتوحاً أمام الأجيال القادمة لتقوم بالتحرير على أرضية الوعي والانتماء والمسؤولية، والإعداد والاستعداد العلميين الكافيين والكفيلين بإحداث نقلة نوعية في التفكير والتدبير والسلوك والإنجاز، والمثقفون مسؤولون أيضاً عن إبقاء ذاكرة الأجيال حية وعامرة بكل ما يؤكد هويتها وحقها وقضاياها وثوابتها التاريخية، ومقومات الوطن وقيم المواطنة، وبكل ما يجعل الإرادة حرة وطليقة، بعيداً عما قد يكبلها من وثائق ومعوقات أملتها ظروف طارئة أو متغيرات لا طاقة لجيل بمواجهتها. أن ذلك منوط بالتركيز على تربية وتعليم وتوعية وتكوين معرفي وعلمي وأخلاقي، يأخذ المستقبل بالاعتبار، ولا يتنكر للواقع، ولكن لا يستكين له وينسحق روحياً تحت وطأة مقوماته ومعطياته. أن الثقافة العربية مدعوة الآن إلى مقاومة التطبيع ورفض الاستكانة للعدو، لا إلى أن تصبح عَرَّاباً يدخل العدو معاقل العقل والوجدان بعد أن دخل الأرض وامتد في أبعاد أخرى؟!. ومن هنا فهي مطالبة بالقيام بفعل مؤثر وشامل، فعل نوعي تماماً ينصب على مجالات التربية والتعليم والتكوين العلمي وامتلاك الثقافة والتصنيع، واستخدام الوعي المعرفي فيما يساهم في تكوين، فردي وجمعي، جديدين، يلغيان ما لحق بالنفوس والأوطان من إحباط وبؤس وخذلان، ويمسحان من الذاكرة كوابيس السادات وعرفات وأشباههما، ويجددان الانتماء القومي للقضية الفلسطينية، ويؤكد أن استمرار الصراع العربي الصهيوني إلى أن يعود الحق العربي إلى أهله، مع التأكيد على ضرورة التأهل لتغيير الأساليب والأدوات والسبل التي جعلت من ذلك الصراع صراعاً سلبي النتائج على العرب على الرغم من توافر الإمكانات التي يمكن أن تعكس تلك النتائج فيما لو استخدمت بدقة وإخلاص وعلم لصالح الأمة.‏

- أن الذين يريدون أن يثبتوا في"غرناطة" أو في سواها، مشروع عرفات- رابين، في جسم الثقافة بعد السياسة، وفي العقل والوجدان والذاكرة العربية، إنما يعيشون وهماً، ويدركون صعوبة ما يذهبون إليه، ولكنهم، رغم ذلك - يتسلحون له بأدوات وإمكانات واستعدادات عدة، وبقوة " إسرائيل " والغرب المتحالف معها، وبضعف منهزمين ومحبطين ومفرطين من العرب، وبمن ينخرهم في الأعماق أمثال: "عدنان ياسين" على مدى السنين، من الفلسطينيين، وهؤلاء ليسوا وجه الأمَّة ولا قلبها ولن يكونوا كذلك حتى ولو وقفت إلى جانبهم قوى تسندهم. وإذا كانت لأولئك جولة، أو حتى أكثر من جولة، فلن تكون لهم الغلبة على أمة مرّ عليها كثير من البغاة والمستعمرين والطغاة والأدعياء والعملاء والأجراء، فما ذلت ولا وهنت، ومازالت صامدة بثقافتها وعقيدتها، بهويتها وشخصيتها، تقاوم وتبني وتعيش، وترفع صوتها الخاص بين أمم الأرض، فوق أطهر الربوع وأعرقها حضارة وحضوراً.‏

وقد تجاوزت هذه الأمَّة كل من مر بساحتها من الغزاة ولم يمح رسمها ولا اسمها ولا إنجازها من التاريخ، كما لم يشملها النسيان، نعم أن هذا قول يستند إلى ماض، ولكن مَن مِن الأمم لم يسندها ماض في الشدائد والمحن، وأية أمة من الأمم لم تنفع بدروس التاريخ لتنهض وتكافح وتستعيد حقاً أو حضوراً؟!.‏

ومن الذي يفعل ذلك، وينير شموعاً في العتمة لتعبر الشعوب برازخ الزمن؟! أليسوا هم قادة الرأي وقادة الوعي، أليسوا هم الكبار من ساسة وأدباء ومفكرين وشعراء ومناضلين؟!. وهل أولئك لا وجود لهم في أمة العرب؟! حتى يهيل علينا"مثقفون" عرب من غرناطة سيل التطبيع والتركيع متعاونين مع الصهاينة الذين أثبتوا اليوم بما لا يقبل مجالاً للشك بأنهم الورثة الشرعيين لنازية هتلر وفاشية موسوليني، وأنهم منبع العنصرية البغيضة ومجراها، ومعبدها وسدنة ذلك المعبد؟! إليكم أيها الساعون إلى زرع جسم صهيوني في وجدان عربي، تذكرة مرة ما زالت صفحاتها حية في الذاكرة التي تريدون مسحها، ذاكرة العربي المعتدى عليه والمسلوبة أرضه، عشرات ألوف الشهداء، وعشرات المذابح الجماعية من قبية ونحالين ودير ياسين إلى صبرا وشاتيلا وتدمير قرى الجنوب في حرب الأيام السبعة قبل أشهر، إليكم تكسير العظام، وتهديم البيوت على ساكنيها بمدافع الدبابات وقتل عشرات الأطفال وتشريد الملايين خارج أراضيهم، وممارسة الحقد الذي تدلى قنابل فوق العواصم العربية، لا سيما بيروت، إليكم وقاحة بن غوريون ومائير ودايان وشامير ورابين وبيريس وايتان وشارون.. والقائمة تمتد طويلاً.. وما فعله أولئك وما انتزعوه من أرض وعيون وقلوب.. هي من الأعز الأعز على أمَّة العرب.‏

- وإليكم حادثة تافهة ولكنها ذات معنى يتصل بالكرامة وحق الإنسان الذي يتشدق الغرب بالحرص عليه(؟! ؟) كما يتصل بالطبيعة العنصرية لليهودي الجبان الذي تنكشف طبيعته تماماً في مثل هذا الموقف الذي أسوقه إليكم.‏

في معسكر أنصار/3/ أضرب الموقوفون جراء المعاملة السيئة للغاية التي يعاملهم بها سجانوهم، ووصل حال أولئك حد البؤس التام، الأمر الذي دفعهم إلى الإضراب، فمر عليهم وهم في تجمعهم مسؤول المعسكر، صهيوني قح، وسألهم من وراء الشريط وهم في داخله سجناء عزل تماماً، سألهم باحتقار: هل تظنون أنفسكم رجالاً؟! أروني من الرجل منكم؟!.‏

وكرر السؤال مرات.. وهنا ارتفع الدم إلى رأس أحدهم فوقف أمامه- عن بعد طبعاً وراء الشباك- وقال: أنا رجل وهنا تناول قائد المعسكر رشاشاً من أحد الجنود الذين يحرسونه وأطلق عليه عدة رصاصات حتى استشهد. ولكم أن تتصوروا الذعر والذل الذي أعقب ذلك.‏

في المهجع المجاور ضج الموقوفون فانتقل إلى هناك، وكرر الأسئلة الاستفزازية ذاتها، وتكرر الموقف ذاته من سجين عربي آخر يعرف تماماً ما جرى، وأطلق الصهيوني عليه النار بالطريقة ذاتها، ثم تكرر الفعل...‏

هذه هي الطبيعة العنصرية التي يدعو المثقفون"المصنعون" إلى تطبيع العلاقات معها، وإلى زرعها في وجدان الناس عندنا، فهل ترى يقبل الناس عندنا هذا النوع من الناس؟! وهل تراهم ينسون ما عانوه وما امتلأت القلوب منه؟! إنه سؤال يلقى على المثقفين المترحلين من صنعاء إلى غرناطة يحملون التطبيع وينمونه.‏

وعلى فرض أن الصهيوني تعلم من دروس الماضي وأراد أن يغير طبيعته -وهذا غير ممكن- فهل هناك منطق يبرر أن نقبل إعطاء وطننا"للطيبين" ونعيش مشردين في أرجاء الأرض؟!.‏

ومن ذا الذي يقبل ذلك، ومن ذا الذي يفرضه علينا؟!.‏

إن القضية أيها السادة ليست بين شعبين مستقرين، وبلدين جارين اختلفا على أرض أو على مصالح فتقاتلا ولا يمكن أن يستمر قتالهما إلى أبد الآبدين.. ومن ثمة لابد من الصلح؟! أن القضية تتصل باغتصاب أرض، وسرقة وطن، وتشريد شعب، وبمشروع يراد له أن يذل أمة ويحطم قوامها وقيمها ووجودها كله، وهو يسير حسب مراحل مراعاة للمعطيات والظروف. فكيف يراد لنا أن نضع الفأر في"عُبِّنا" وننام؟!.‏

وكيف يراد لنا أن نهدي بيتنا لمن يسرقه ونروح نرجوه أن يصالحنا ويعيش معنا على ألا يكرر السرقة؟!.‏

وكيف يراد لنا أن ننسى آلامنا وشهداءنا وأوطاننا وبيوتنا المسروقة، أو المهدومة، ونلبس أثواب"المتحضرين" الذين ينفقون كل يوم حفنة من الدولارات في"الشانزليزيه" تأتيهم من"غامض علمه" ولا يكترثون بمن يفترسه البرد وشوك الأرض ويعيش حالة التشرد والنفي، أو بمن يلوذ بظله من الذل، وقد فقد ظله بعد أن عرته اتفاقات الذل؟!؟‏

إن على الرائحين بين أحلامهم وأوهامهم من صنعاء التي لفظتهم إلى غرناطة التي أغرتهم، أن يعرفوا جيداً أن دور الثقافة النظيفة المنقذة هو غير هذا الدور، وهي مع السلام الدائم وهو سلام يقوم على العدل واسترداد الحق، وأمان القلوب باطمئنانها إلى خلو الديار من الذئاب والحقد والخوف والتآمر، ليتسنى لها أن تنام ملء جفونها، وتشبع قلوبها قبل عيونها من النوم. فهلا أدركوا ذلك فاستراحوا وأراحوا؟! أم تراهم شقاؤهم والشقاء بهم مهنة ومحنة؟!‏

إن الله وحده يعلم وينصر ويحق الحق ويكشف الصدق.‏

الأسبوع الأدبي/ع392//16/ك1/1993‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244