صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

أميركا.. هل تنهار؟!.

قرأت كتاب هاري فيجي وجيرالد سوانسون المعنون بـ (الانهيار القادم لأميركا) وهما يتنبآن بالإفلاس التام والشامل/اقتصادياً/ عام 1995 ويقدمان أرقاماً مذهلة عن حالة العجز التي تعاني منها الموازنة الأميركية حيث سجل عام 1992 وحده عجزاً وصل مبلغ/400/ مليار دولار ليجعل مجموع الديون المترتبة على الولايات المتحدة تصل إلى ما يقرب من/4000/ أربعة آلاف مليار دولار ثلاثة أرباعها تحققت في السنوات العشر الأخيرة.‏

ويتوقع الباحثان أن يصل العجز في نهاية عام 1993 إلى/640/ مليار دولار حيث تصل نسبة ما يدفع من إجمالي الضرائب التي تجبيها الإدارة لتسديد فوائد الديون إلى 92% عام ويقضي التضخم على نفوذ أميركا ويجعلها تتخلى عن موقعها العالمي وتركع طالبة الطعام.‏

وحين فرغت من قراءة الكتاب سألت نفسي: هل تصل الولايات المتحدة حقاً -إذا لم يتدارك الأميركيون أنفسهم بتدارك اقتصادهم- إلى وضع يصبح فيه الدولار حيال المارك نهاية عام 1995 كوضع الروبل أمام الدولار في بداية عام 1994؟! وهل يتلاشى الظل الكريه لهذا المسخ الذي يجثم على العالم؟! وهل يتخلى الأميركي عن عنجهيته وصلفه ويمتنع عن التدخل البغيض في شؤون الآخرين!! لأنه سيشعر بوطأة الدَّين والحاجة، أم أنه سيرد على ذلك الوضع بمزيد من الابتزاز والاستغلال للآخرين في كل أنحاء العالم ليجعلهم يدفعون، بقوة السلاح، ما ينقذه من ورطته وديونه؟!.‏

إذا صح ما ذهب إليه الباحثان فإن السياسي الأميركي المغامر، أو المقامر لا فرق، لن يستسلم للإحباط، وسيحاول أن يصدر مشاكله بكل الوسائل، وسيدفع الآخرين إلى تحمل أخطائه وحل أزماته، وسيجبرهم على توزيع الحمل الذي ينوء به كاهله؛ ذلك لأنه سيبقى مالكاً للقوة، وسيبقى سيد الابتزاز ولن تردعه الأخلاق والمبادئ، فهي ليست موجودة في السياسة، كما حاول أن يثبت من خلال البراغماتية التي جعلته يرى من الآخر المنفعة، والصيد، ونقاط الضعف، فيزيده من ذلك أضعافاً على ما قد يكون فيه أو لديه.‏

وعلينا أن نتذكر جيداً ما يذكرنا به جون كيونسي آدامز/الأميركي القح:‏

(نذكّر أن الديمقراطية لن تستمر إلى الأبد، فهي تستهلك وتقتل نفسها. ولم يحدث أن شذت ديمقراطية واحدة عن هذه القاعدة، ولا جدوى من إعادة تذكيرنا بان الديمقراطية أقل طموحاً وأنانية وبخلاً من الملكية والأرستقراطية. ولكن هذا ليس حقيقة، حيث تكمن جميع العواطف السابقة في قلوب كل الرجال والحكومات، وفي لحظة من الغفلة تستفيق القوة والعنف والخيانة من سباتها.)‏

ونحن نلمس هذا في كل يوم ولكن ملمسه يبقى ناعماً ومغلفاً بحرير النفاق والمداجاة ويظل ملفَّعاً بالرغبة والرهبة بنظر الضعفاء والخائفين، الذين يرجون قرب الأقوى وينتظرون تفهمه أو عطفه، لا فرق. ولكن حين يكتشفون أن فقره سوف يجعله يشهر سيفه عليهم ويطالبون بتقديم كل ما لديهم فإنهم سوف يستشعرون الرعب والاحتقار فقط، وسيلوذون بالفرار تاركين كل ما لديهم لحامل السيف المسلول والقلب المعلول والوجه الذي يقطر صدءاً ونذالة وحقداً.‏

إن المنطق يقتضي تفكيراً آخر، والمبادئ الإنسانية، والقوانين الدولية، وشرعة حقوق الإنسان، وأصول التعامل بين الشعوب والدول والجماعات والثقافات كل ذلك يقتضي منطلقاً آخر، ومن ثمة توقعات أخرى في حال وصول(السيد) الأميركي إلى وضع (العبد الفقير).‏

ولكن التاريخ يعلمنا أنه لا يردع القوة إلا القوة، ولا يوقف المتهورين إلا توازن الرعب.‏

وفي عالم اليوم من عام 1994 إلى عام ألفين (زمن الكارثة المنتظرة) لن يكون هناك توازن قوة يسمح للآخرين بأن يضعوا حداً لتهور المتهورين، أو يجعلهم يتمتعون بقوة ردع من نوع ما/خُلُقي أو مادي/ يضع للمقامرين والمغامرين حداً، أو يضمن عدم لجوئهم لأساليب النهب العلني/المباشر أو غير المباشر/ لثورات الآخرين وأموالهم وأرزاقهم، لا سيما حين تضغط عليهم قوى الضغط الداخلي في بلدانهم، التي نصبتهم رؤساء، وتتحكم بإسقاطهم، لكي يلبوا لها طلباتها؛ وهي عادة لا تدقق في الوسائل وإنما تنتظر النتائج والغايات.‏

ربما مالأ الغني قوياً، وربما يتحالف الاثنان معاً، ولكن الضحية دوماً هو الفقير قبل سواه. ولذلك فإن ما ينتظرنا نحن سكان العالم الثالث هو الشر من جراء ما ينتظر أميركا من الفقر.. نعم الفقر.. الفقر.. ولا يستغربن أحد ذلك، وحين يحل ذلك الضيف الثقيل، ستلجأ الدولة الأعظم، إلى الاستدانة -وقد لا تجد من يعطيها، أو إلى النهب.‏

ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تنهب أوربا التي توحدت وازدادت قوة منذ مطلع هذا العام 1994، ولن تستطيع قطع يد الدائن الياباني أو الألماني أو حتى السعودي.... لأنها قد تحتاج إليه أو قد يطلب ودها وتعاونها في حال شهرت سيف الجائع المقامر، وهو سيف نووي فتاك. ولكنها ستبطش بآخرين، فتثير فتناً، وتشن حروباً، وتهدد بما تسيطر عليه من النفط ومصادر الثروة في العالم البائس الذي تتحكم بشؤونه وتسبب شجونه، وقد تعمد إلى فرض"جزية" و"أتاوات" من نوع عصري على كل من تستطيع أن تصل يدها إليه في هذا العالم، فهي لن تستسلم ببساطة لحقيقة الانهيار الشامل لما كانته ولما تمثله، ولن تقع- كما وقع الاتحاد السوفيتي- بين يدي خصم أقوى.‏

وهي في أحسن الأحوال، ستجعل الآخرين المودِعين والمستثمرين والمرتبطين باقتصادها بشكل أو بآخر، وأولئك الذين غدا الدولار بالنسبة لهم هو الرصيد الذي يحمي ظهورهم ويقيم لعملاتهم قواماً؛ ستجعل كل أولئك يساهمون في دفع ديون"السيد" المهيض الجناح، لأن التداخل بين اقتصاد الولايات المتحدة واقتصاد العالم غداً كثيفاً وعميقاً، ولأن الشركات المتعددة الجنسيات، والانتشار الاقتصادي، والاستثمارات المتداخلة كل ذلك يجعل الكثيرين يحملون عبئاً في حالة انهيار اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثمة يعملون جاهدين على ألا ينهار .‏

ولكن كل هذا الذي أشرت إليه لا يجعل القضية مجرد غيمة صيف، ولا يجعل أميركا الشمالية بعيدة عن شبح الكارثة، ولا يحصنها نهائياً من تفاعلات قد تكون مدمرة فعلاً.‏

ذلك أن الانهيارات الاقتصادية تترك تفاعلات وتنتشر في اتجاهات يصعب حصرها وتوقع آثارها ونتائجها، وتفتك أول ما تفتك بالتماسك الفعال لكيان الدولة والمجتمع، وتترك كل فرد يتلمس رأسه ويبحث عن مصلحته وعن قوت يومه، وقد يؤدي هذا إلى انفراط العقد الاجتماعي لا سيما ذاك الذي يحتاج إلى ضمانات مادية قوية تقوم منه مقام العصب من الجسم، ولا تنفع القوة العسكرية غالباً في مواجهة أزمة اقتصادية داخلية في مراحل تفاقمها النهائية، -والاتحاد السوفييتي المنهار خير دليل على ذلك وخير درس تستقى منه العظات- أن تلك القوة قد تستخدم قبل فوات الأوان في اقتناص فرص، وتحقيق مكاسب، وإيجاد مصادر دخل ومناطق إشغال بشري، ولكن ذلك إذا لم يتم قبل الانهيار بوقت كاف، وإذا لم ترصد له الإمكانات الكفيلة "باستثماره" وهي باهظة وتزيد الطين بلة في حالة الضائقات الاقتصادية، أقول إذا لم يكن ذلك كذلك فإنه لن يحقق أهدافه، ولن يمكن من القيام به، في بعض الظروف، وربما سرّع في عملية الانهيار ذاتها إذا لم يحقق أهدافه بنجاح تام وسرعة فائقة، ودون معوقات، وبضمانات تامة للتمويل الأولي الشامل.‏

ولا أطرح هذه الاحتياطات من باب سد منافذ الأمل الذي يراودني بانهيار قوة عسف كبيرة في هذا العصر، ولا أقوم بسد الذرائع أمام من يبشر بهذا الانهيار، فهو شيء أريده، وأتمناه وأراهن عليه، وهو بالنسبة لي ولأمتي، منقذ من وحش استثماري بشع تشكل الصهيونية -عدو الأمَّة العربية الأول- وجهه والقناع.‏

وإنما ذهبت فيما ذكرت إلى ضرورة توخي الحذر والعمل على ألا نكون ضحية، وأتمنى لو نساهم بوعي ومسؤولية وفعالية، بتقريب أيام ذلك الانهيار، فهلا سحب الواثقون بالدولار الأميركي ثقتهم المطلقة والعمياء به، وهلا اختار المستثمرون العرب لاستثماراتهم بلدانهم مثلاً، وهلا حرص أولئك على التنمية في الأرض التي تشكل البيت والمهد والوطن والقبر بالنسبة لهم، وفي المجتمع الذي فيه نبتوا وفيه سيعيش أبناؤهم وأحفادهم؟! والأقربون أولى بالمعروف؟! أن ذلك كله موضوع بتصرف الحريصين والقادرين والمتبصرين.‏

والله من وراء القصد.‏

الأسبوع الأدبي/ع395//6/ك2/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244