|
نحو مواجهة استحقاقات قادمة
لقاء الرئيسين: الأسد وكلينتون في جنيف ـ 16 كانون الأول 1994 ـ يحتل حيزاً كبيراً من الاهتمام الدولي، ويسيطر على المهتمين بأوضاع المنطقة ومستقبلها، وعلى أولئك الذين يتحركون فيها، وينتظر منه العرب الكثير من المعطيات والمتغيرات، ويرى فيه بعضهم لقاء العرب مع أميركا في موقع ثالث يحمل معنى ودلالات ومغزى.
ولا أظن أننا نذهب بعيداً إذا قلنا إنه لقاء سوف يحسم موضوع الانسحاب " الإسرائيلي " من الجولان، والاعتراف السوري بإسرائيل، ويدفع المفاوضات والاتفاقات القائمة إلى نهايتها، لأنه سوف يجعل العرب الذين دخلوا مدريد يستعيدون صيغتها بشكل نسبي، وسيترك الباب مفتوحاً أمام المفاوضين من كل الأطراف المعنية ليصلوا إلى النتائج خلال مدة قصيرة، مع الحفاظ على قنوات التفاوض وجديته وارتفاع وتيرته.
ولا مبرر لأخذ كل ما يهرف به الإعلام " الإسرائيلي " بعين الاعتبار، فقد أخذت فتاوى الحاخامات تمهد للتراجع عن قرار ضم الجولان، وعن اعتباره من " أرض إسرائيل "، وبدأت الأوساط السياسية المعارضة لرابين وحزب العمل تضغط باتجاه إجراء انتخابات قبل الأوان في حال تقرر الانسحاب من الجولان، وأخذ رابين يراوغ ويصب خبثه باتجاه إظهار الاستعداد للانسحاب من الجولان مبدياً مرحليات وبعض الشروط، وهي للاستهلاك المحلي داخل الأرض المحتلة، وبرسم الإعلام في الأوساط اليهودية التي تقدم الضرائب والمساعدات والتبرعات وتلعب دوراً في " اللوبي " الضاغط لصالح "إسرائيل" في أميركا .
لقد أيقن الأميركيون قبل " الإسرائيليين "، وأيقن بيريس قبل رابين، أن الاتفاقات الثنائية لا تحل قضية بحجم القضية الفلسطينية، واتضح لهم بجلاء أن اتفاق غزة ـ أريحا ولد كسيحاً، وأنه سوف ينهار نهائياً إذا لم يُحرز تقدم فعلي على جبهات التفاوض الأخرى , لا سيما الجبهة السورية ـ اللبنانية، وأيقن كل لاعب من اللاعبين بأوراق التسوية، من عرب وأجانب، أنه لا يمكن تجاوز سورية وجعلها تقف على باب رابين تنتظر دورها في الاهتمام والتفاوض، بل وصل كل منهم إلى مرحلة الخوف والهلع جراء قدرتها على إسقاط ما بنوه سراً في أوسلو وواشنطن وأدرك الإسرائيليون جيداً أن تجاوز سورية كلياً وجعلها تلتحق بركب التفاوض والاتفاقات الثنائية، والمفاوضات السرية والحلول الجزئية، وتلك التي تنطوي على تفريط، من الأمور المستحيلة.
وكل هذا وسواه ينطوي تحت ستائر قمة " جنيف " ويتموج في أرجائها ليكون مناخها أو بعض مقومات ذلك المناخ، تلك القمة التي يلتقي فيها سيد " النظام العالمي الدولي الجديد " مع من تصنفهم دولته، تجنياً وغطرسةً وانحيازاً سياسياً فاقعاً للصهيونية مع " حماة الإرهاب " وتعلنهم " رعاته " وتتهرب من دعوتهم الصُّرَاح المتكررة لعقد مؤتمر دولي لمناقشة مفهوم الإرهاب وتحديد ذلك المفهوم. قمة جنيف ستعيد عربات قطار مدريد إلى مسارها، وبينها عربات فقدت بعض دواليبها، وبعضها يصدر صوتاً نشازاً في أثناء السير، وبعضها " يحرن " ويتعمد تعطيل القطار، ولكن يبدو أنه " لا بد من مدريد " وعلى من لا يريد أن يفعل ما يريد .
وهذا الذي يطرح نفسه بجدية في هذا العام الذي لا شك في أنه سيكون عام الحسم بنسبة كبيرة ومثيرة على الأقل. فعلى أيَّة أرضية سيكون الحسم يا ترى ؟! وهل مفهوم السلام هو تبادل رايات وسفارات ليس غير ؟! ! وما هو مدى الأمن المتحقق للجميع وما هي استحقاقاته ومقوماته في ظل ما تكتنزه الأرض من أسلحة، وما تكتنزه الصدور من عدا وات وأحقاد، وما تثيره الذاكرة من ذكريات مذابح واضطهاد وتشريد واحتلال وممارسات لم يسجل تاريخ الاحتلال والاستعمار والاضطهاد العنصري الأسود أسوأ منها وان كان قد سجل مثلها؟!! .
إذا ذهبنا إلى أقصى درجات الاعتدال، في ظل واقع القهر والضعف والإذلال، وأخذنا بالاعتبار فقدان الصديق، والقوة، وما يسند الظهر ويملأ اليد بفعل شافٍ؛ فإننا لا يمكن أن نقبل سلاماً تفوح منه رائحة السلاح النووي، ويبقى تهديداً مستمراً لوجودنا وحقوقنا وحدودنا ومصالحنا ما بقي العدو مكتنزاً بذلك النوع من السلاح، وما بقي القطب الوحيد في العالم المعاصر مصراً على حرماننا من امتلاك أي سلاح مجد في مواجهات متقدمة نوعاً، ولا يمكن أن نقبل فرض هيمنة مطلقة علينا بقوة السلاح من خلال حلف عتيد عهيد تقيمه "إسرائيل" مع " الوسيط النزيه " أميركا ؟!؟! على أرضية استراتيجية معلنة تقول: " بضمان أمن "إسرائيل" وتفوقها العسكري على العرب مجتمعين ـ بما في ذلك من يناصرهم ـ وضمان ازدهار شعبها ورفاهيته " لا يمكن أن نقبل ذلك أو نرتاح إليه لأننا نعرف جيداً أننا نحن الذين سندفع ثمن كل ذلك من أموالنا، ولن تدفعه أميركا من اقتصادها المنهار، إننا نحن العرب سندفع ذلك بأساليب مختلفة، وتحت ذرائع مختلفة أيضاً .
ولا يمكن أن نقبل بقاء أربعة ملايين فلسطيني مشردين عن ديارهم لا يتمتعون بحق في وطنهم، ويراد لهم أن يبقوا قيد التشريد وتفتيت الهوية الوطنية، وان يرين " ماء السلام " فوق رؤوسهم فيختنقون في " زفته " من دون ضجيج ومن دون اهتمام. ولا يمكن أن نقبل سلاماً يبقينا رهن الابتزاز والاستغلال، ويجعل منا تبعاً، بأشكال مختلفة، لعدو يقوم مشروعه على أساس الصهيونية ـ العنصرية وهي لن تلغي مشروعها الذي يريد أن يجمع يهود العالم في أرض العرب، ويحقق حلماً توراتياً ـ تلمودياً على أرض العرب، بإقامة دولة في وطنهم على حساب أرضهم ووجودهم وحضورهم بين الأمم وفي التاريخ الحديث. ولا يمكن أن نقبل هزيمة ملفقة مصنعة، يراد لنا أن نقبلها ولا نقبلها في أن، حتى نبقى قيد المحن النفسية والتخبط المهين .
فلو أننا في ظل الواقع ومعطياته ومتغيراته واستعدادات عربه الذين تضج من صمتهم جنبات الوطن، أقول لو أننا واجهنا أنفسنا بحقيقة أننا " هزمنا " وأن علينا أن نواجه تلك الحقيقة المرة المكشوفة، وأننا سلمنا للعدو بما سلمنا له به تحت عبء الهزيمة والقهر، لا بالاختيار والإرادة الحرة وشارات النصر، فإنه سيكون علينا عند ذلك أن نواجه أنفسنا بالحقيقة وان نعلنها بملء الفم العربي، وان نعمل تحت ضغطها لنعيد بناء أنفسنا وأوطاننا وقدراتنا لنستعيد حقاً ومكانة ونصراً، شأننا في ذلك شان أمم تعرضت لهزائم، وقامت من رمادها بأشكال عدة .
فألمانيا واليابان وسواهما من الأمثلة تجعل حقائق الحياة تنتصب متحدية واقع الإنسان فيعمل ويكافح ويصل إلى حالة التوازن الداخلي والخارجي بشكل من الأشكال، فقد ينتصر تقنياً وعلمياً واقتصادياً، وقد ينتصر بشموخ الروح والثقافة والعمل المستمر لبناء الذات والقدرات وفرض الهيبة والمكانة ومن ثمة الحق ..الخ..
ولكن أن نعطي للعدو وطناً في وطننا، ونبقيه متفوقاً ومهيمناً، ونحوله إلى صديق، ونتعاون معه على أنفسنا، ونعد أنفسنا لنكون زاده وزادته ومسوَّدة مشاريعه التوسعية، وأدواته المستقبلية ضد بعضنا بعضاً، فذلك ضياع وضلال وتيه ندخل بيداءه ولا نخرج منها ولا نسمح لأبنائنا بأن يروا التيه والضياع والضلال .
إننا ندرك جيداً حقائق الواقع، وهو يضغط علينا حتى ليكاد يسحق منا العظم،ويجبل الدم المهَراق بالدموع، ولكن لسنا الأمَّة الوحيدة بين الأمم التي تعرضت لمحنة قاسية، وأصيبت بنكسة حادة، ولسنا الاستثناء من بين أجيال الأمَّة التي لم تستطع أن تحقق نصراً بل " فازت " بخسران مبين في مواجهاتها أو بعض تلك المواجهات، لم تصب بها الأمم وأجيال الأمَّة، إذ نقيم عرساً لخيبتنا، ونصور انهزامنا نصراً، ونقدم لعدونا الذي سرق وطننا اعترافاً به إضاعة للوطن، وتسليماً بتفوقه الدائم وتقهقرنا المستمر ؟! وكل ذلك نضعه على أعيننا، في خُمار أو شبه خُمار مقيت، نشرب فيه لننسى، وننسى أنفسنا فيه فنشرب، ويبقينا ذلك نهباً لنوع من الرضا عن مرض اجتماعي ونفسي وثقافي علينا أن نواجهه لكي نرى جيداً حتى في الظلمة؛ فنميز بين الحالات والمواقع والأشياء، ونتبين المكانة والمصطلح فنسمي الأشياء والمواقع والمواقف بأسمائها، ليتاح لنا من بعد أن نبدأ النهوض من مستوى محدد، حتى لا تنخفس الأرض بنا وتضيع كل المستويات ومواقع الأقدام وتغيم الرؤى وتتداخل وتتهاوى.
إن الأنموذج الذي قدمته لنا منظمة التحرير على أرضية اتفاق غزة ـ أريحا أنموذج متهالك ومستهلك، يحيط نفسه بالرضا ولا نعرف عن شيء يرضى، ويتصنع الأمل ويصطنع النصر ولا نعرف في أي أرض يزرع الأهل ولا بماذا يصنّع النصر، لقد وصف لنا يائيل زنغر الذي صاغ الاتفاق " الإسرائيلي " ـ الفلسطيني، قمة ذلك النموذج وصفاً يكاد يلخص حالة عامة فهو يقول ما خلاصته، لقد قدمنا سقفنا الأعلى من الطلبات وقدموا هم سقفهم الأعلى وبدأنا نحن بالتقدم عليهم فتراجعوا، ثم تقدمنا فتراجعوا، ثم تقدمنا وتراجعوا، وخشينا أن نصبح خلف خطوطهم، وعندما انتهينا إلى الاتفاق سألناهم عن الوضع عامة فاكتشفنا أنهم يعرفون وأنهم راضون !!. ونحن أيضاً كنا راضين."
فيا لها من مهزلة، ويا لها من نظرة من أنفسنا لقضايانا ولأنفسنا، ويا لها من حالة نستذكرها في قول لأحد شعرائنا نود لو نرتقي إلى حدوده الدنيا حيث يقول:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ .
أمّا أن تصبح نفوسنا خدماً لأجسامنا التعِبَة فتلك لعمري حالة لن تجر علينا سوى التعب الذي يجر بدوره مزيداً من التعب. إننا نريد أن نواجه حقائق قادمة في هذا العام، ومواجهتها الآن تبدأ بإعداد النفس للأصعب من القرارات والأصعب من المواجهات على أرضية رفضنا التام لـ " إسرائيل " وجوداً وحدوداً ففلسطين لم تكن يوماً إلا عربية، وستبقى في اعتبارنا كذلك إلى أن نعيد لها صبحها وصحتها وانتماءها، وذاك أمر دونه خرط القتاد. فهل هناك من الاستعداد ما يؤهل النفوس لحمل الهم الكبير ؟! إنني لا أشك بذلك مطلقاً.
الأسبوع الأدبي/ع396//13/ك2/1994
|