صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

اتفاقا القاهرة.. والغد المنتظر

لا أعرف سبباً وجيهاً واحداً يجعل الحرص على اتفاق القاهرة، الذي وقِّع في التاسع من شباط الجاري بين عرفات وبيريس، مبرراً أو مقبولاً، بعد كل الجهد والوقت والمناورات والضغوط والممارسات التي تمت، حتى أُنجِز في جو ضبابي كثيف، وانعدام رؤية شبه تام؛ ولا أعرف مسوِّغَ حرص بعض القيادات الفلسطينية على دخول السجن " الإسرائيلي " الشامل من بابه الكبير، ذلك السجن الذي تحدد معالمه وظروف الإقامة فيه نصوص الاتفاقين (الأمني ـ والمعابر) والممارسات الصهيونية ـ العنصرية التي يعرفها شعبنا العربي الفلسطيني جيداً ؟! ولا أدري أين تكمن فعلياً في الاتفاقين حقيقة احترام السلطة الفلسطينية، أو " عدم المساس بها " كما نص عليه الاتفاقان ؟!‏

إن أي شرطي فلسطيني أو رئيس فلسطيني أعلى، بمن فيهم رئيس مخفر أريحا المفعم بالوهم، لا يستطيع أن يقوم بأي عمل ناجز من أي نوع قبل موافقة إسرائيلية عليه. وقد بحثت ودققت في النصين فلم أجد ثقباً ينفذ منه الضوء ينير قلباً أو بيتاً أو شارعاً في غزة أو أريحا، بل في الضفة كلها، أو لحظة من عمر الفلسطينيين بملايينهم، التي تعيش خارج فلسطين وتنتظر ثمرة نضال طال من أجل العودة أو السيادة أو احترام جزء من الحقوق احتراماً يدخل الراحة إلى النفوس .‏

لقد حُدِّدَت مساحةُ أريحا، بموجب الاتفاق بـ 5, 55 كم2 أخذ الفلسطينيون حق الإشراف على مقام النبي موسى، وحق المرور إلى المغطس ثلاث مرات صريحة، وإلى المنشآت الاقتصادية التي سيقيمونها على البحر الميت بتعاون تام مع " إسرائيل". وبقيت السيطرة الأمنية التامة والشاملة على المعابر والحدود والمستوطنات والتحركات والدخول والإقامة والخروج، بيد " إسرائيل" وبشكل مطلق. وأقدم هنا بعض المقاطع من الاتفاقين تدل على ذلك:‏

ـ " تنظم هذه الوثيقة أحكام العبور على الحدود مع احتفاظ " إسرائيل" خلال المرحلة الانتقالية بمسؤولية الأمن الخارجي بما في ذلك الأمن على طول الحدود مع مصر ومع الأردن .." / الفقرة 1/1.‏

ـ " تتولى" إسرائيل" مسؤولية الأمن على الممر بما في ذلك المركز الحدودي".‏

ـ " يتولى مدير عام " إسرائيلي " إدارة المركز الحدودي وأمنه " / ثانياً 1، 2.‏

ـ " يستخدم الفلسطينيون سكان قطاع غزة ومنطقة أريحا الخط الأول، يمر هؤلاء المسافرون عبر مركز مراقبة فلسطيني للتدقيق في هوياتهم ووثائقهم. ويجري ضابط " إسرائيلي "، بصورة غير مباشرة، عملية تدقيق لوثائقهم بصورة غير ظاهرة " / ثالثاً /1/ د.‏

ويطبق على زوَّار غزة وأريحا الإجراء ذاته، ويُفتَّش ويُقبض عليه أو يُطرد خارج الحدود من تشتبه " إسرائيل" بأنه سيقوم بأعمال " إرهابية " أو له سوابق إرهابية. والإرهاب عند " إسرائيل" يعني أيَّ شكل من أشكال النضال ضد الاحتلال، وكلَّ ممارسة أو موقف ينم عن رفض للعدوـ أي لها ـ. وقد وافق عرفات في كل الاتفاقات على وصم الكفاح الفلسطيني بـ " الإرهاب "؟!!‏

ـ " يحق لكل طرف ـ أي " الإسرائيلي " والفلسطيني ـ داخل الجناح الفلسطيني أن يمنع دخول أشخاص غير مقيمين في قطاع غزة والضفة الغربية." أي أن مشكلة الفلسطينيين من خارج الأرض المحتلة قد تضاعفت فهناك المنع "الإسرائيلي" والمنع الذي يقع على من لا يرضى عنه عرفات؛ وما أكثر أولئك الآن، وبعضهم كان يستطيع بإجازة ما زيارة أهله والاجتماع بأقاربه، أمّا الآن فمن يدري، وقد فرضت عليه سيطرة سلطتين متعاونتين ؟!‏

ـ " يمنحه ـ أي المسافر ـ المسؤول الفلسطيني، بعد ختم إذن الدخول الخاص به، بطاقة بيضاء صادرة عن المسؤول " الإسرائيلي "، ويقوم مسؤول فلسطيني يتخذ مركزاً له عند مخرج الجناح الفلسطيني بالتأكد من أن المسافر يحمل هذه البطاقة البيضاء، ويقوم المسؤول بجمع هذه البطاقات تحت مراقبة إسرائيلية غير مباشرة وغير ظاهرة".‏

ـ " يسمح للزوار الوافدين إلى قطاع غزة ومنطقة أريحا بالإقامة في هاتين المنطقتين لمدة أقصاها ثلاثة أشهر بعد الحصول على إذن من السلطة الفلسطينية وبموافقة " إسرائيل"، أمّا تمديد هذه المدة فلا يكون إلا لثلاثة أشهر وبموافقة " إسرائيل" أيضاً ؟! فأين هي بالله ملامح المحافظة على سلطة فلسطينية، أو معالم عدم المسّ بها في أي من هذه النصوص التي تشكل قوام الاتفاقين ؟! لم أستطع أن أجد ثقباً ينفذ منه النور والأمل، كما أسلفت؛ ولذلك طرحت سؤالي: أين هي مبررات الحرص على الاتفاق وما هي أسباب اللهاث وراءه ؟! أن "إسرائيل" تصرح بأنها حققت ما تريد، وهذا واقع، وتقول بصراحة أشد: إنها لا تريد أن تكسر عظم عرفات بل تريد أن تلوي ذراعه، لكن ليس إلى الحد الذي تضيع معه هيبته وقدرته على ضبط الأمور داخل الأرض المحتلة. إذن فهي تصنع رجلاً يحقق لها ما تريد، وترسم له أطر التحرك، وتحدد له المهمات، وتملي عليه أن يرفع عصاه ومسدسه على رؤوس فلسطينية لا تريد هي أن تتحمل وزر إسكاتها أو إبادتها. إنها تفسح المجال واسعاً لسلطة مخفر أريحا ليمارس القمع، وإذا لم يفعل فهو ضعيف غير موثوق وغير أهل لتحمل المسؤولية، وعليه في هذه الحالة وفي كل حالة أن يلهث أكثر ويطيع أكثر ويزحف أكثر ليحقق الرضا عنه، وليثبت أهليته كرئيس مخفر فعلي، وليس كأحد رؤساء مجالس المدن الذين كان يعترض عليهم ويتهمهم في يوم من الأيام الخوالي !؟‏

قد يفرح أهل الاتفاق بمظاهر " السلطة "، وقد يسرُّهم جداً ويرضي كبرياءهم أن يجتازوا هم الحدود ببعض التسهيلات، وقد ينعش قلوبهم منظر العلَم الفلسطيني يرفرف على مدخل الجناح العام للدخول في رفح أو جسر " اللنبي "، ولكن ألا يسألون أنفسهم عن الثمن الفادح الذي يدفعه الشعب الفلسطيني في النفي والتشرد لهذا كله ؟! أن "إسرائيل" تركض، عبر مسؤوليها، في أربعة أركان الأرض وتصرخ بأنها أنهت القضية الفلسطينية وأنهت الصراع العربي الصهيوني بتوقيع الفلسطينيين على حل، وتكسب جراء ذلك الكثير، وتعيد النظر بالعلاقات والصلات وأوجه التعامل مع الآخرين، وإذا راجعنا مكاسبها منذ 13 أيلول 1993، وحتى اليوم نجد كثيراً من ذلك تحقق على صورة علاقات ديبلوماسية وصفقات تجارية، ومساعدات مالية وعسكرية، آخرها عشرون طائرة أميركية من نوع f.15 وعدد من طائرات F.16. وعدد أكبر من طائرات مروحية مقاتلة ذات تقنية عالية، فضلاً عن إلغاء كل ما يكدِّر مزاج " إسرائيل" من قرارات، وملاحقة العرب ليرفعوا المقاطعة وربط صلات وعلاقات تجارية عربية معها لتزويدها بالغاز والنفط وفتح أسواق أمامها؛ عدا اعتراف الفاتيكان بها، وإقامة مؤتمر ضم 500 رجل دين مسيحي ـ ويهودي في القدس لخدمة مشروعها الذي يقوم على أساس تلمودي عنصري، وإقامة مؤتمر لليهود في المغرب لم يسبق له مثيل، لا يؤدي إلا إلى خدمتها في مجالات الاعتراف والتطبيع والترويج والتسويق. هذا عدا عن " زفَّة " المثقفين الذين يترامون على معابر تؤدي إليها على استحياء أو دون حياء، وأولئك الذين أخذوا يسوّغون طروحاتهم المشبوهة بنوع من السبق على الطريقة الساداتية !؟‏

ان ما يفعله أهل اتفاق غزة ـ أريحا، وأهل اتفاقي القاهرة مدمر لهم ولسواهم، وهو أشد فتكاً من " كامب يفيد " وإن كان استمراراً له على نحو ما. وعلى الرغم من كونهم اختاروا بأنفسهم ذلك فإن الأسئلة الآتية تعصف في فضاء النفس وتتزاحم في الحلق وعلى اللسان: ماذا يفعل أولئك إذا ما قررت " إسرائيل" في يوم من الأيام إغلاق السجن عليهم ؟!‏

هل سيخرجون من هذا الفخ الذي يدخلونه برضاهم ؟! ومن الذي سيشفع لهم عند ذلك ويخلصهم ؟ هل هو كلينتون أم رابين.. أم بعض العرابين المستترين لاتفاق غزة ـ أريحا ؟!‏

وكيف يستطيع أولئك الذين يعملون حسب مخطط عدوهم أن يقاوموا يوماً عدوهم ويتخلصوا من قبضته ؟! وهل يمكن لمن يختار أن يكون تحت حماية عدو أن يقاومه أصلاً أو أن يفكر بعمل ما لا يرضيه ؟! ومن سمع أو قرأ في التاريخ بأن مقاوماً دخل حِمَى عدوه على أرضية اتفاق، ونزع سلاحه، وقبِل أن يَقْمَع له شعبه، وأن يستثمر وإياه أموالاً ويكوّنا شراكات؛ وبقي منه، بعد ذلك ، عزم للمقاومة ومصداقية أمام الشعب، وفرصة عبر التاريخ ليسجل تحريراً أو سيراً على طريق التحرير؟! قد يقولون إن هذه الفكرة من منتجات الحرب الباردة التي انتهت ولم يعد لهذه اللغة القديمة ومصطلحاتها من وجود. وفي هذا بعض الواقعية والبراغماتية، ولكنَّ فيه إيحاءً فضّاحاً بالتواطؤ ضد قضية أمة وقضية أجيال وقضية وطن ما زال الملايين من أهله خارجه يخوضون نضالاً قاسياً من أجل العودة المشرفة إليه . فهل لا يضير التواطؤ أولئك الذين يقطعون أشواطاً على طريق الاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه، والتحول إلى عصا في قبضته، تضرب رؤوس أبناء شعبهم، وتعرقل مسيرة أمتهم ؟!‏

قد يصدر ألف رأي ورأي يناهض ما ذهبت إليه من توجه، وقد يدخل مثقفون و "عقائديون " مداخل النضال مزورين مواقفهم وآراءهم وتاريخ سواهم، ليقفوا في مقدمة المدافعين عن " نضال " سابق يتجلى بصورة " فهمٍ أفضل " للعدو و" تفهم أكبر لطبيعة المعركة " ؟! ولكنني لحسن الحظ، أو لسوئه، لا دري، أعرف هذه المداخل وأعرف ما يُدفع لها من أثمان، ولذا فهي لا تقنعني ولا تخيفني ولا تهدئ لي روعاً أو تطمئن لي قلباً. فقد رزئنا بكثرة من يلبسون لكل حالة لبوسها، ويبدلون الأقنعة والأقوال والمواقف، ويزيفون الحقائق والتاريخ والمعطيات، ويقفون فوق الجثث البريئة والحقائق القتيلة وهم يتشامخون انطلاقاً من احتكارهم للعلمية والواقعية، ومن "عصمتهم" التي يمنحونها لأنفسهم، ومن عُصابية عصابات يشكلونها للسيطرة على إعلام وساحات رأي، ولإرهاب الآخرين بألسنة وأقلام لم تعرف طريقاً إلى الضمير تستمد منه نوراً وعدلاً وإنصافاً وانتماء للحقيقة والوطن والشعب والتاريخ ودم الشهداء .‏

فهل ترى يخيفنا هؤلاء، أو يشكلون رأياً مؤثراً ويفرضون رؤية، ويغيرون حقائق الموقف ؟! وهل تتآخى وتتعاون، وتتبادل الخدمات من جديد: " أموال وأقلام وعقائد وسلط ". وتثير غباراً يُزيغ الأبصار والبصائر، ويجعل كل شيء يدخل دائرة الضباب من جديد ؟! إن ما ألمحه في هذا الفضاء كثير، وما تنذر نذره كبير، ولكن بعد كل ذلك السقوط في المواقف والعقائد والمزاعم هل يبقى أهل الثقافة الحق، والرؤى السليمة، والمواقف الوطنية الصحيحة والثابتة، والمبادئ المستندة إلى الحق والأخلاق والعدل ومعطيات التاريخ، هل يبقون متفرجين ويتركون الأدعياء يعبثون بواقعهم ومستقبلهم وبقضاياهم المصيرية، ويعيدون تكوين الواقع من حولهم ؟! لا أظن أن شعبنا ومثقفينا الأصلاء وأهل الرأي والموقف والنضال، والثابتين على المبادئ والعقائد، يفعلون ذلك .‏

وإن غداً لناظره لقريب .‏

الأسبوع الأدبي/ع401//17/شباط/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244