|
ونُحشر من حواصل الطيور
عندما يتداخل شاطئا الليل والماء، يمتزج اللهاث والبكاء، ويطبقان أهدابهما على خيط النور الممتد بينهما، عندها يغرق قلبٌ في مستنقع الظلام، وتنطفئ عيون كانت تستضيء بالأحلام، ويرفرف جناح أمل طلباً للنجاة من بين فكي مصيدة، ويفر روح تناوشه أظفار الوحشة وأنياب التنين، ويعكف على إضاءة شمعة رغم صهيل الريح، ويصنع بترانيمه فضاء للاطمئنان. فمن يعروه البرد يبحث عن دفء، ومن يطارده الليل يتعلق بحبال الفجر، ومن يُعشي بصره غلثُ الدنيا لا بد أن يبحث في أعماقه عن نور، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
على توقد عصب أشعَله الروحُ الهارب من محرقة الجسد، يظهر وجه ملبد بالحزن، فيه تجاعيد كآبة تجمدت في قمة تموجها واصطخابها لحظة فراق جسد وروح، وفي مسارات سراه إلى مثواه، يقرأ المرء قصة حب وملحمة شعب، فالشهيد لا ينضب له وريد، ويبقى يعطِّر المدى ويسكب على مفازات طريقه ناراً تضيء طريق العابرين وتمنح القلوب دفئاً.
بين غزة وجنوب لينان وهضاب القدس والخليل والجليل تنتشر مشاعل تضيء لنا الليل، وينسكب دم يعطر المفازات، ويسري الشهداء مع فجر كل يوم براياتهم ليرى من يرى تظاهرة الكرامة ووفد الشراة الذين تجاوزوا مجال تجاذب الأهواء والإغراء، وأزروا بالسياسات وخَوَر النفوس وضحالة التجمعات، وذهبوا بعيداً إلى حيث ينبغي أن يؤدي المسارُ بمن يؤمنون بحق وعدالة وثوابت أمة وعقيدة، ويجسِّدون معنى الكرامة والانتماء للأرض ولتاريخ يضيء مجاهله الاستشهاد .
في رمضان يتدفق عطاء الخيِّرين: بعضُهم يجود بالمال وبعضُهم يقدم الجهد، وخيارُهم يقدمون أرواحهم ودماءهم على طريق من يستحقون الحياة: من أطفال وأجنة في الأرحام وأبرياء لا يطلبون إلا الأمان والاطمئنان في وطن الآباء والأجداد والرسالات. لمن يتعبد درجة، ولمن يعمل درجة، ولمن يبذل بإخلاص درجة، ولمن يستشهد كل الدرجات، فمن له ذاك الاختيار يبز الأقران ويتفوق على المعطين، ويسحب قميصه المدمَّى فوق الجمر ليرقى صهوة الريح، فيخضر أينما مر المدى وتنداح الحياة متدفقة من هيكل الموت؛ فالشهادة في سبيل الله والوطن أفضل صور الحياة، لأنها ماء يسقي كل البذور المهددة بالموت، ونور يحمل الدفء إلى كل الخلايا التي يحاول أن يفترسها الظلام .
رُوي عن أبي قُدامة الشامي أنه قال: كنت أميراً على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الغزو ورغَّبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها، ثم تفرَّق الناس، وركبت فرسي وسرت إلى منزلي. فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تنادي: يا أبا قدامة. فقلت: هذه مكيدة الشيطان، فمضيت ولم أجب، فقالت: ما هكذا كان الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إليَّ رقعة وحزمة مشدودة وانصرفت باكية، فنظرت في الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد ورغَّبتنا في الثواب، ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما فيَّ، وهما ضفيرتان وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرس، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي.
فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت: يا فتى أنت غلام غر راجل ولا آمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا، فقال: أتأمرني بالرجوع ؟! وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرقاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " ؟!.
فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم. فقلت: أهذا وقت قرض ؟ فمازال يلح عليّ حتى قلت بشرط: أن منَّ الله علي بالشهادة أكون في شفاعتك. قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهماً في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة، ورمى به فقتل رومياً. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك سلام مودِّع. فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس سرجه. فتقدمت إليه وقلت: لا تنسها. فقال: نعم ولكن لي إليك حاجة: إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرس، وسلم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي. ثم مات.
فحفرت له ودفنته. فلمَّا هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها، فقال أصحابي: إنه غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه. فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا. فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فسمعت صوتاً يقول: يا أبا قدامة اترك وليّ الله .
فما برحت حتى نزلت عليه طيور بيض فأكلته. فلمَّا أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته، فلمَّا قرعت الباب خرجت أخته إلي فلمَّا رأتني عادت وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة ليس معه أخي، فقد أصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي .
فخرجت أمه إلي فقالت: أمعزّياً أم مهنئاً ؟ فقلت ما معنى هذا ؟ فقالت: إن كان مات فعزني، وان كان استشهد فهنئني. فقلت: لا بل مات شهيداً. فقالت: له علامة فهل رأيتها .؟ قلت: نعم لم تقبله الأرض ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها، فقالت: الحمد لله. فسلمت لها الخرج ففتحته فأخرجت منه مسحاً وغلاً من حديد، وقالت: إن كان إذا جنَّه الليل لبس هذا المسح وغلَّ نفسه بهذا الغل وناجى مولاه، وقال في مناجاته: احشرني من حواصل الطيور. فقد استجاب الله دعاءه. ".
فمن لنا بآلاف أو مئات أو عشرات من مثل هذا الغلام وأمه يضيئون طرق العزم والإيمان والتضحية، ونستعيد في ضوء أفعالهم ما حبط في نفوسنا من أمل وما أحبط في طرقنا من عمل ؟! ويكون ذلك بالنسبة لنا مدعاة لتجدد الذات ومدخلاً لتغيير السكون الذي يصيب معظم ساحاتنا العربية، حيث يغدو الاستسلام لركود الحياة ومستنقعاتها قدراً محتوماً، ويصبح ما يفرضه العدو وبقوة الحديد والنار والغطرسة والاستكبار مقبولاً من جهة، ومروَّجاً له ممن يلبسون ثوب العدو ويجوسون في خلايا الأجساد من مغرب الوطن العربي إلى مشرقه !؟
إن الظلام الذي يشتد، والذي تقاومه نجوم تشع بين غزة وجنوب لبنان، يحتاج إلى مزيد من التضحيات، ولكن هل نحمّل أولئك الذين ينهضون منذ سنوات في تلك الديار كل عبء المواجهة لعنصرية صهيونية قذرة، ونكتفي بتعاطف جريح، وغضب كسيح، ونترك من يطعنونهم ويطعنوننا في الصميم، بما يعقدون من اتفاقيات وما يروجون له من تطبيع علاقات وإقامة صلات، وترسيخ حضور للعدو في الأرض والنفس، في الجغرافية والتاريخ ؟! هل نترك أولئك ينتشرون كطبقة الزيت على سطح المجتمع الراكد الذي لا يتحرك ولا نحركه ؟! هل تسير قوافلهم مع مطلع الفجر كل صباح فلا تحرك فينا شيئاً، وتبقى نارهم محجوبة عن قلوبنا التي يعطبها البرد ؟! هل نبقيهم يتامى معزولين لا تقدم لهم فتاة جدائلها " قيداً لفرس "، ولا يشاركهم غلام كغلام قدامه وقفة إيمان وتضحية، تكون للناس برهاناً على العزم والإقدام ؟!
إذا كنا سنبقى على ما نحن عليه بين إطباقي ليل وماء على كل خيوط النور التي تلامس قلوبنا وطرقاتنا، فإن ما نحتاج إليه أكبر بكثير من تحريق أطراف الأصابع، وتحريك مشاعر جامدة؛ إنه يكاد يصل إلى كارثة تضاف إلى ما سبق وحلَّ بنا من كوارث.
الأسبوع الأدبي/ع402//14/شباط/1994
|