|
مذبحة في الحرم الإبراهيمي
المذبحة المروعة التي ارتكبها الصهاينة فجر يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان المبارك 1414 هـ 25 شباط 1994 م في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وراح ضحيتها أكثر من ستين شهيداً وثلاثمئة جريح وهم سجّد لله تعالى في صلاة الصبح، تعبر بأوضح صورة وأجلى عبارة وأكثر الدلالات تركيزاً، عن حقيقة الصهيونية ـ العنصرية وممارساتها؛ منذ ولد المشروع الصهيوني الاستيطاني فكرة بتأثير استعماري، وحتى فجر الخليل المروع الدامي.
وهي إذ تعيد إلى الذاكرة العربية خصوصاً والبشرية عموماً مذابح دير ياسين وقبية وكفر قاسم وبحر البقر، وحريق الأقصى والمذبحة التي تمت فيه، ومذابح الأيام السبعة القريبة في جنوب لبنان، وصوَر المآسي التي تعرض لها الشعب العربي الفلسطيني على أيدي الصهاينة سواء في مخيماته أو مدنه وقراه، والممارسات التي تتم ضد أطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه، في مخيمات الاعتقالات النازية الجديدة وفي السجون الإسرائيلية، أو ملاحقة المنتفضين من أجل حق في الحياة وكرامة فيها، وكسر عظامهم، وهدم بيوتهم، لتثبِّت في العقل والوجدان حقيقة استحالة التعايش بين الجلاد الفاشي الصهيوني، والضحية البريئة، تحت سقف أي اتفاق أو معاهدة؛ وتعلن موت كل المشاريع، حتى تلك الاستسلامية منها، على عتبة الوحشية الصهيونية العنصرية، التي لن يزيل طبيعتها العنصرية من الواقع والتاريخ وقوفُ الولايات المتحدة الأميركية والإعلام الغربي كله خلفها، وإسقاط قرارات الأمم المتحدة، لا سيما
القرار 3379 عنها، ولا مسح سجلات الهيئات الدولية من القرارات التي تعكِّر مزاج "إسرائيل" القلقة، التي تمثل مقدمة غزوها الشامل للمنطقة العربية وحصن ذلك الغزو. إن المذبحة المروعة وما تلاها تكشف لكل ذي بصير وبصيرة أن مخطط إبادة الشعب الفلسطيني مستمر، وأن التواطؤ والتخاذل العربيين يشكلان غطاء ودافعاً لذلك المخطط في آنٍ معاً، وأن المشروع الاستيطاني الصهيوني لم يتغير ولن يتغير، وأنه موجه للعرب كل العرب من دون استثناء، وأن كل الاتفاقات والمعاهدات الثنائية بين أقطار عربية و" إسرائيل "، من اتفاق كامب ديفيد إلى اتفاقي القاهرة الأخيرين، إلى ما لم يعلن بعد من اتفاقيات؛ كل ذلك لم يزد " إسرائيل" إلا عدوانية وغطرسة واستمراراً في الثبات على أهداف مشروعها الصهيوني العدواني، واستهتاراً بالعرب وبالهيئات الدولية، وبمن يرعون الاتفاقيات والمعاهدات التي توقعها؛ لأنهم شركاء لها أصلاً في مسيرة الدم والاستعمار التي تمثلها، ودعاة وحفَظَة لتوجهها القديم المتجدد ذاك، وهو يعبر عن جوهر التكوين الفكري للصهاينة، وعن النزوع العنصري المتمكن في تلك النفوس التي ربيت على الحقد والخسة والجبن.
إننا ونحن نتابع بأسى ومرارة وغضب لا يحد ما يقوم به جيش العدو ضد الشعب الفلسطيني، الذي يرد عن نفسه بلحمه ودمه الكارثة والحقد العنصري، وندقق في ردود الفعل العربية والدولية على ممارسات " إسرائيل" ومذابحها المتكررة، ونتابع موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي تعوق حتى قرارات الإدانة لـ " إسرائيل " في مجلس الأمن، تلك التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تساوي الحبر الذي تكتب به، بعد طول تجربة معها. لنستشعر مدى الإفلاس الروحي والخُلُقي الذي لحق بالدول العربية والمؤسسات الدولية، ومدى الخلل الذي أصاب الحس القومي العربي والإرادة العربية من جهة والحس الإنساني وقيم المجتمع الدولي من جهة أخرى في عالم اليوم، ونستشعر موت الموقف الخُلُقي للثقافة والسياسة في آنٍ معاً .
ونعلن، ونحن نعاني المرارة جرَّاء ذلك كله، أننا لن نستسلم للقهر العنصري، ولا للتواطؤ الأمريكي ـ الصهيوني ضدنا وضد الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وفي مقدمتها حق الحياة، مجرد الحياة. ولن نستسلم لليأس من أمتنا، ولا للمفرطين بحقوقها وقضاياها؛ أولئك الذين يرتمون على أعتاب العدو ويروجون مشاريعه، ويعترفون به، ويدعون لتطبيع العلاقات معه، ويتنكرون لأبسط الحقائق التي تسطع بها ممارساته ومشاريعه التوسعية ـ العنصرية، وتطلعاته للهيمنة على المنطقة، وإبادة أكبر قدر من سكانها العرب، والسيطرة على الأرض والثروات والمقدرات .
إننا نؤكد الطبيعة العنصرية للصهيونية، وأن القرار 3379 الذي مسحته إدارات أمريكية متصهينة من سجلات الأمم المتحدة، تثبته الممارسات الصهيونية ذاتها وتعيده دائماً إلى الوجود حياً حاراً ودموياً، الأمر الذي يزيدنا اقتناعاً بعنصرية " إسرائيل" ونازيتها، وباستحالة التعايش معها أو الاطمئنان إلى وعودها ومعاهداتها وتحالفاتها .
ونتوجه إلى أمتنا العربية ومثقفيها ومناضليها بدعوة صريحة للتمسك بالثوابت القومية، وبجوهر النضال العربي على طريق استعادة فلسطين، وبحقيقة أن الصراع العربي الصهيوني صراع وجود، هكذا كان وهكذا سيبقى، ولن يتحول يوماً إلى نزاع على حدود.
كما ندعو إلى قراءة الأحداث الأخيرة منذ اتفاق " أوسلو " حتى مذبحة الخليل، قراءة واعية مدقِّقَة في ضوء الصراع الممتد تاريخياً، واستخلاص النتائج من ذلك في ضوء الممارسات الصهيونية والواقع الذي ترسخه "إسرائيل" على الأرض، سواء في مجالات القوة وامتلاك السلاح وتطويره، أو في مجال الاستيطان والتوسع فيه، أو في مجالات ممارسة الإذلال والقهر، وتحقيق المكاسب، وتخريب الوطن العربي وسياساته من الداخل، وتحويل كل شيء لخدمة المشروع العنصري ـ الاستيطاني على المدى البعيد.
إن تلك القراءة تلقي مزيداً من الضوء على المخاطر التي تنتظرنا، وعلى الثوابت التي ينبغي أن نتمسك بها، وتنير الطريق التي علينا أن نسير فيها والوسائل التي علينا أن نتبعها. وند عوا الأنظمة العربية إلى تنقية الأجواء العربية تمهيداً لاستعادة التضامن العربي، ولو في حدوده الدنيا، ليكون هناك حضور وموقف ودفاع من أي نوع وعلى أي مستوى عن الإنسان والحق والأرض والوطن، في أرض الحق والإنسان. وندعو عرفات ومن والاه إلى التخلي عن اتفاق " أوسلو " واتفاقي القاهرة والعودة إلى التنسيق مع العرب المعنيين، وإعادة البعد القومي للقضية الفلسطينية قبل أن يصبح كل شيء فلسطيني بما في ذلك القيادات في قفص " إسرائيلي " حديدي يُحكم إغلاقه ويكتم الصوت من حوله، لتتم المذبحة الشاملة للقضية وأهلها في ظلام " وسلام".
وندعو الفصائل العشرة إلى وحدة الصف والموقف والهدف، فليس بعد ما رأيناه من مذابح وتآمر وتواطؤ علينا وعلى قضيتنا وعلى شعبنا ما يستحق أن نختلف عليه ويتمزق صفنا من أجله. نحن أمة قدمت الكثير من التضحيات على طريق التحرير والتحرر، وعانت الكثير من الاضطهاد والقمع، وأُلحِق بقضاياها وتاريخها ونضالها تزوير وتزييف، وليس لها إلاَّ من نفسها منقذاً ومنصفاً وذائداً. وإن دور الوعي المعرفي في الوصول إلى ذلك كبير، ودور الإيمان بالله والذات والحق لهو أكبر، لأن كل فعل يحتاج إلى اقتناع وثقة وأرضية خُلُقية وإيمان في النفس لكي يقدم له ما يلزم لإنجازه على وجه أكمل. ومن أجل هذا ووصولاً إلى بداية أكثر سلامة، لا بد من عودة للاهتمام بذلك كله.
فليكن دم الشهداء في الحرم الإبراهيمي وسواه دافعاً لنا لنقوم بعمل يرضي الله والضمير، ويدفع عن أطفالنا وأوطاننا وحضارتنا ما لا بد من دفعه، إذا أردنا أن نبقى وأن نستعيد حضوراً وحقوقاً .
الأسبوع الأدبي/ع403//3/آذار/1994
|