صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

مواجهة على أرض الواقع

منذ المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في سويسرا نهاية القرن الماضي، والعرب يزدادون قهراً وتمزُّقاً فيزدادون مرارة وشكوى، ويضجون من شدة التواطؤ ضدهم واستمرار التآمر عليهم وعلى قضاياهم المصيرية، ومن فرض وجود غريب بالقوة وإقامة كيان استعماري استيطاني - توسعي وعنصري في فلسطين المحتلة على حساب أهلها، يكون حليفاً مطلقاً للغرب الاستعماري، وعدواً قوياً ومطلقاً للعرب، يحول بينهم وبين تحقيق أمانيهم وتطلعاتهم على كل مستوى وصعيد .‏

ومنذ ذلك التاريخ أيضاً والصهاينة يزدادون قوة ودعماً فيزدادون عدواناً ووقاحة، ويعملون على تغيير الواقع وقلب الأوضاع وتزوير الوقائع في المنطقة، بما يحقق تفوقاً سكانياً لهم، وخلق مناخ ومعطيات تخدمهم،ويتذمرون في الوقت ذاته من شكوى العرب، ومن " عدائهم لليهود" وكذلك من " عدم تقديم " الدعم الكافي لهم من أجل تطوير فلسطين وتوسيع رقعة سيطرتهم على أرض العرب خارجها، وضمان أمن لليهود فيها وفتح أبواب الهجرة لاستيعابٍ غير محدود لأعداد غير محددة من يهود العالم الذين يستقدمون بشتى الأساليب والطرق ليعيدوا إنشاء وطنهم القومي " في أرض وعدتهم بها الدول المؤتمنة على المدنية وعصبة الأمم التي أقرت صك الانتداب البريطاني على فلسطين".‏

ومنذ أن وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتحقيق هذا الهدف وحتى هذا اليوم والعرب يدفعون ثمن أخطاء وأخطار وجرائم النازية والفاشية من جهة، وجرَّاء نشوب النازية الجديدة والعنصرية الصهيونية المقرة دولياً بالقرار 3379 من جهة أخرى، وهم يشكون ويصرخون ويتكتلون أحياناً ويقاتلون في بعض الأوقات من أجل قضية عادلة، وحق تاريخي لا غبار عليه، ومن أجل الحصول على أبسط حقوق الإنسان في ظل رايات عصر ينادي بحقوق الإنسان، والأمم النافذة الرأي والكلمة والقرار في المنظمات الدولية وعلى أرض الواقع تسمع وتبلع وتضحك في سرها، وتستمر في تقديم كل ما يلزم لتنفيذ تعهداتها القديمة الجديدة - المتجددة تجاه الصهيونية و" إسرائيل "، وتقوم بالمقابل بكل ما يلزم لتطويع العرب وتمرينهم على الإذعان والتنازل والتراجع، على القبول بما سبق ورفضوه، بل وجعلهم يتمنون في أوقات لاحقة أن يحصلوا على ما اعتبروه عاراً، واعتبروا "إسرائيل" والقبول به تفريطاً ومنقصة كبرى في أوقات سابقة. وتستمر العجلة بالدوران، وتقفز المحظية "إسرائيل"، في كل وقت يلائمها، من حضن دولة عظمى إلى حضن أخرى عظمى، وتعرف كيف تكذب وتكسب وتأخذ كل ما تريد، وفوق ما تحتاج إليه لتحقيق تفوق شامل على العرب مجتمعين، ولإعداد المنطقة التي تحتلها وتلك التي تسيطر عليها، لتكون " أرض إسرائيل الكبرى " وميدان نفوذها ومنطلقها إلى مزيد من التوسع والسيطرة والنفوذ، ويبقى العرب بين دهش وضعيف ومتسائل عن المصير، وبين مطالب الغرب بموقف والحكومات العربية بموقف، وبين باحث عن الحق ويائس من صلاح الأمر على كل مستوى وأي صعيد.‏

ويوماً بعد يوم تتهاوى أحلام، وتظهر حقائق، ويزداد الناس بعداً عن الممكن والعادل والسلمي والصحيح، ويزدادون بعداُ عن رؤية سليمة في ظل التلوث الذي يشمل البيئة المادية والروحية، حيث يعيش الإنسان ويعمل ويبدع، ويوماً بعد يوم تزداد الحاجة إلى مخرج وإلى طريق يسلكها الناس فتؤدي بهم إلى ما فيه خيرهم وخير ذراريهم وأوطانهم، وما فيه بالتالي صلاح أمر الحياة بصلاح أمر الأحياء.‏

ولكن المؤشرات من حولنا لا تدل على أن الركب يسلك تلك الطريق ولا أن المركب يقترب من شاطئ السلامة، لا سيما في منطقة " الشرق الأوسط " هذه حيث العدوان مستمر ودعم العدوان متصاعد والتصدي له في أدنى درجات السلم.‏

فـ" إسرائيل " مستمرة في خلق أوضاع جديدة من خلال الهجوم الاستيطاني الذي تشنه بكثافة في الأراضي العربية المحتلة، فاستملاك الأراضي، وإعلانها مناطق عسكرية،وأملاك دولة،وإشادة المستوطنات عليها أمر مستمر واستقدام المهاجرين اليهود أمر مستمر أيضاً، والدعم المالي لتحقيق الغرضين متواصل لا سيما من الدول العظمى.‏

وإعداد "إسرائيل" واستعدادها لتكون قوة متفوقة يتم على محورين:‏

ـ محور تزويدها بالسلاح وتطوير أسلحتها لا سيما الصواريخ والطائرات والقدرة النووية، ولنتذكر تطوير صاروخ حيتس وبرامج تطوير الصواريخ ضمن مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأميركية " حرب النجوم" وتطوير صناعة الطائرات الحربية على سبيل المثال لا الحصر، وإنشاء غواصات متقدمة بمساعدة وتمويل ألمانيين وإقامتها لقواعد أسلحة نووية وإدخال تلك الأسلحة إلى الجولان المحتل والاستمرار بتهديد الوفاق اللبناني، وحصولها على مساعدات مالية وعسكرية هائلة في أثناء حرب الخليج وبسببها، وتوظيفها لكل طاقة وجهد من أجل ابتزاز الغرب والحصول منه على شتى أنواع الدعم في ظل غياب العرب وتمزقهم .‏

ومحور أضعاف القدرة القتالية العربية، ومحاصرة البلدان العربية، ومنعها من الحصول على الأسلحة، ولا سيما سورية، حيث تمت وتتم اتصالات وضغوط مختلفة إسرائيلية وأميركية على الخصوص على كل من الصين وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وكوريا لمنعها من بيع دبابات وصواريخ لها، والاستمرار في الضغط لإبقاء روح التعاون والعمل والثقة معطلة أو شبه معطلة عربياً .‏

والدول العربية مشغولة بخلافاتها وبتضميد الجراح التي خلفتها حرب الخليج وأزمته، تلك التي قدمها الرئيس العراقي "هدية" للأمة العربية في العقد الأخير من القرن العشرين، فجعلتها تتأخر عقوداً عن مسيرة التقدم والتحرير وربما التحرر .‏

والأقطار العربية المحيطة بفلسطين من بين الأقطار العربية الأخرى محكومة بأوضاع وعلاقات وواقع سياسي واقتصادي واجتماعي يجعلها غير قادرة على التحرك الجدي والمجدي الرامي لتغيير الواقع بهدف، كما يجعلها غير قادرة على اتخاذ المبادرات العملية السليمة التي تحول دون التوسع الاستيطاني " الإسرائيلي " الذي يتم فعلياً ودون التوصل إلى سلام قائم على العدل يحترم قرارات الأمم المتحدة ومجلس الآمن ودون استمرار العدوان بأشكال مختلفة على الأرض والناس والعدل، في هذه البقعة من أرض الوطن العربي.‏

وهذا الانكفاء عن المواجهة الفاعلة فوق الأرض الحقيقية للمعركة، وهي المعول عليها أصلاً، يجعل المواجهة معطلة على كل مستوى وصعيد، ويرسم أفقا كالحاُ للمواجهة المقبلة يجعلها محدودة بالكلام الذي يغرق الإرادة بالنكوص ويترك لها مجال التراجع فقط مفتوحاً.‏

وبينما يزحف العدو نحونا حرباً وسلماً ويزداد خطره بإقامة المستوطنات على أرضنا، ترانا نعطل الحياة في أرض المواجهة فتقفر وتخلو من سكانها أو تكاد، وتحمل مصداقية ادعائه وكذبه بتطوير الأرض وزيادة قدرتها على الاستيعاب، وأنها " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " وتغدو وكأنها ترسم " برسم التسليم " ولا تقوم أبداً بمواجهة زحفه التوسعي الاستيطاني أيَّة جهود للبناء والانغراس في الأرض وامتلاك القوة الذاتية التي تمكن من الدفاع عما تحت أقدامنا من أرض، وتهيئ لاستعادة ما فقدنا من تلك الأرض.‏

والتدفق المالي والبشري الضخم الذي يتم في كيان العدو والذي يدور في أفق منظور يصل إلى توطين أربعة ملايين يهودي في الأرض المحتلة، وإلى عشرات المليارات من الدولارات تقدم لتوطينهم وإيجاد فرص عمل لهم، وتحقيق تفوق عسكري لهم على العرب كل العرب. هذا التدفق لا يقابله ما يعادله أو يقترب منه في الجبهة العربية، فلا المال ولا السلاح ولا الانزراع السكاني في الأرض، تطوير إمكاناتها على العطاء، لاشيء من ذلك يتم، كما أن إعداد الذات والقوات في داخل الوطن الكبير ليوم الحسم الأكبر لا يتم هو الآخر‏

والدول العظمى أو الوسيط من تلك الدول في الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية، لا تبدي أي استعداد للقيام بضغط من أجل تنفيذ قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، ولا تبدي استعدادا حتى لتقليص دعمها أو مساعدتها المالية لـ " إسرائيل " التي تخصص للاستيطان في الأراضي العربية، ذلك الذي يعتبر عقبة في طريق السلام حسب منطوق مسؤوليها، لا تضع تلك الدول شروطاً من أي نوع على تدفق اليهود الغزاة والمال والسلاح على "إسرائيل"، بل هي تساعد في ذلك وتزعم أمام بعض العرب أنها تريد أن تطمئن اليهود، بينما هي في الواقع تنفذ برنامج الالتزامات القديم الجديد المتجدد بإقامة أو "بإعادة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين " وفي كل أرض تراها "إسرائيل" لازمة لإقامة " وطنها"! ولم لا تفعل تلك الدول ذلك ؟ ومن الذي يمنعها من فعله؟ وما الذي يجعلها تعيد حساباتها في ذلك ؟‏

فلا العرب كقوة يحسب لها حساب بموجودين على أرض السياسة والحرب، ولا صفهم قائم على وحدة رأي ووحدة موقف، ولا هم ممن يصعب اللعب بهم وتمرير الحلول والمخططات والمؤامرات من فوق رؤوسهم ومن تحت آباطهم وأرجلهم في آنٍ معاً .‏

وحيال ذلك كله ما الذي ينتظرنا وما الذي ننتظر أن نفعله لنغير ما ينتظرنا؟‏

إن تغيير قرارات مجلس الأمن من قرارات على أساس الباب السادس من الميثاق إلى قرارات على أساس الباب " البند " السابع منه، أي من توصيات غير ملزمة، إلى قرارات أمر، بعيد في ظل ما نرى من خطوات للتسوية. وتعنت "إسرائيل" يزداد لأن دعمها واستعداءها والابتهاج بعنصريتها،كل ذلك يزداد، ولا غرابة إذن في أن تزداد غطرسة "إسرائيل" وعدوانيتها في مناخ الدَّلَع والدلال والاستلطاف السري والمعلن الذي يلفها من قبل حماتها وأصدقائها.‏

وقوة الوفاق والتضامن العربي وكذلك قوة الفعل الحاسم على أي صعيد، غائبة أو شبه غائبة الآن، حتى في مجال السعي من أجل " السلام " تكاد تكون كذلك، وقوة المواجهة والتقدم والبناء ومواجهة الاستيطان، كل ذلك في حالة من الضعف محسوسة وملموسة، ومصالح الدول النافذة الرأي والكلمة مؤمنة في وطننا من غير عناء بسبب من أنفسنا ومن عدم الحرص على مصالحنا، وبسبب أيضاً من غياب قوة تحمي تلك المصالح حتى من بعض أبناء الوطن، فما العمل والوقت لا ينتظر النائمين حتى يستيقظوا بهدوء ؟.‏

إن فعلاً عربياً مجدياً على طريق التشبث بالأرض التي تقفر وتخلو من سكانها، وفعلاً عربياً على طريق استخدام الإمكانيات بوعي واقتدار لتحقيق مصالح عربية تهم الوطن ومستقبل الأمَّة، وتضامناً عربياً يجعل مصلحة الأمَّة العليا وقضاياها الكبرى تحظى بقوة دعم وتحرك تعلو على الاختلاف والخلاف وتُرى في ضوء حقيقة كونها متصلة بقوة الجميع وأمنهم ومصالحهم ومستقبلهم وكرامتهم، أن ذلك يؤهلنا مبدئياً لشيء من استقرار النفس للبحث بوعي ويقين وبصيرة عما يقيم أسس الاستقرار وأركانه، وعما يجعلنا كأمة قادرين على العمل في ضوء رؤية واستراتيجية تجعلان الخاص في إطار العام أمراً ممكناً والعام في ضوء تبعية مطلقة للخاص، وأفضلية مطلقة عليه، أمراً ضاراً على المدى البعيد .‏

إن هناك ما يجعلنا في سلة واحدة في نهاية المطاف، وسواء كان مصيراً أو مصلحة أو كرامة أو شخصية ثقافية وحضارية أو جذراً قومياً وعقيدة وقيماً روحية، فإنه يتعرض للضعف والاستضعاف بتفرقنا وضعفنا وجهلنا، ويميل إلى ظل من الحماية والاحترام والازدهار بتضامننا وتقدمنا ومعرفتنا التامة لعلاقة الجزء بالكل، الخاص بالعام، ومدى تأثير كل منهما على الآخر وتأثره به، ضعفاً وقوة مرضاً وصحة، سلباً وإيجاباً على كل صعيد.‏

وسنبقى ننتمي، وعينا ذلك أم لم نعه، شئناه أم لم نشأه - إلى أمة كريمة واحدة يقول رائدها: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ويقول شاعرها:‏

إننا إنما خلقنا رؤوسا‏

من يسوِّي الرؤوس بالأذناب‏

لا نقي بالأحساب مالاً ولكن‏

نجعل المال جُنَّةَ الأحساب‏

الأسبوع الأدبي/ع414//2/حزيران/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244