صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الأجيال العربيّة وأسئلة مُقلقة

الأسئلة التي تلقيها الأجيال العربية الجديدة على نفسها وعلى الثقافة والمؤسسات المعنية من حولها كثيرة وعميقة، وما زالت تدوّم في الجو بحثاً عن أجوبة يرتاح إليها العقل ويطمئن إليها القلب؛ وما زال تيار السؤال طاغياً على سواقي الأجوبة التي تشوبها الملوحة. وإذا كان طرح الأسئلة من حيث المبدأ دليل صحة، فإن عدم التوصل إلى أجوبة ضافية شافية قد ينقلب إلى مرض، فيدخل الإنسان في دوامة من التخبط والشك أو في دوائر الضياع والإحباط.‏

ومن أسئلة أجيالنا ما هو معلن يجلجل في فضاء المجتمع، ومنها ما هو خفي توسوس به النفس، منها ما يتعلق بالثوابت المبدئية والقومية وبمصير بعضها، ومنها ما يتعلق بمتغيرات عربية طغت هوامشها على بعض جواهر تلك الثوابت، ومنها ما يتصل بأمور تتعلق بالبنية الفكرية للفرد، وبمقومات بنية المجتمع وصلات أفراده وعلاقاتهم، وبالقيم والتقاليد التي تحكمهم، ومنها ما يتصل بدور الثقافة ومكانتها، وبالتاريخ والأصالة ويطاول الأصول بعد أن أتى في شكه وتشكيكه على كثير من الفروع، ومن الطبيعي أن يكون للمتغيرات الدولية، التي شملت الفكر والسياسة والعلاقات والمصالح، والتنظيمات الحزبية والتركيبات الاجتماعية، أقول من الطبيعي أن يكون لها تأثير في طرح أسئلة وتعميقها، وفي إعادة عرض قضايا ومواقف وحتى ثوابت، على محكمة العقل.‏

وأياً كان مصدر السؤال أو سببه أو غايته، فإنه يبقى مدوّماً في فضاء النفس والمجتمع، وفي سماء الوطن، يبحث عن جواب، وكلما كان استعدادنا لمواجهة ذلك الواقع أفضل كان وضعنا على الصُّعُد جميعاً أفضل، لأننا نكون عندها ألصق بطبيعة الحياة وقوانينها ومنطقها الذي يتنافى مع الجمود والسكون... والذي لا يغيب فيه معطى الواقع بمجرد توهمنا بأنه غائب، أو بمجرد رغبتنا في أن يغيب.‏

ونماذج الأسئلة الملقاة عديدة ومتنوعة، ونسوق بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر:‏

- هل الوحدة العربية ما زالت حلماً عربياً منشوداً أو سؤالاً عربياً مطروحاً؟‍‍.‏

- هل هناك مقومات فعلية ومبررات حقيقية لاستمرار مقولات القومية العربية، والحديث حولها والدعوة إليها؟! لا سيما بعد الذي جرى في أزمة الكويت وحرب تحريرها وما أسفر عنه ذلك من علاقات وتحالفات ومتغيرات؟!.‏

- هل هناك مؤسسات عربية ذات جدوى في العمل العربي المشترك؟! وهل قدمت تلك المؤسسات فعلاً يبرر وجودها، وما الذي يمكن أن تقدمه للحياة العربية في مواجهاتها المتنوعة، وللقضايا العربية، والعمل العربي، ليسير باتجاه الأفضل، سواء بالنسبة لتلك المؤسسات أو للدول التي تساهم في تكوينها وتمويلها ودفع مسيرة عملها؟! وذلك ابتداءً من الجامعة العربية وانتهاءً بأصغر المؤسسات التي تدور في فلكها، أو تلك التي تكمل دورها. وللمؤسسات شبه الرسمية مثل الاتحادات المهنية وغير المهنية العربية؟!.‏

- ما جدوى الحديث عن الصراع العربي الصهيوني في الوقت الذي تعقد فيه محادثات مؤتمر سلام الشرق الأوسط؟!.‏

وما هي مبررات الحديث أيضاً عن التحرير والتصدي للعدو الصهيوني، حتى في الحالات التي يفرض فيها على العرب أوضاعاً وشروطاً ويملى إرادة ورأياً، ويمارس ضد الواقعين منهم تحت احتلاله المباشر أعمالاً غير إنسانية وغير قانونية؟! ما هي مبررات الحديث عن تحرير وتصد، وما هي مقومات ذلك في ظل الضعف العربي المتنامي والتمزق العربي المستمر؟! وهل هناك مواجهة عربية فعلية محتملة في إطار الصراع العربي الصهيوني أو في إطار أي صراع بعد أن وصلت العلاقات العربية- العربية إلى ما وصلت إليه؟!.‏

- هل يفيدنا الكلام على الأمجاد الماضية بعد الآن، وهل يستمر حديثنا حولها، وهل يمكن أن يشكل ذلك شيئاً أكثر من تضخيم الماضي الذي ينعكس ظلالاً من الوهم على الحاضر، ويقف معوقاً بوجه المواجهة الصحيحة والصريحة، للذات، تلك التي ينبغي أن تبدأ اليوم والآن؟!.‏

- ما جدوى استغراق ثقافتنا ومثقفينا، أو قل إغراقهم، في إشكاليات وثنائيات مثل: الأصالة والمعاصرة- التراث والحداثة- الهوية والاغتراب، العقل العربي والعقل الغربي... الخ، إذا لم ينعكس ذلك بشكل إيجابي وعملي ملموس على الفعل الثقافي العربي والمثاقفة والتقدم؟!.‏

- ما هي التأثيرات الفعلية التي تحققها الثقافة العربية في الوعي الاجتماعي، ولا سيما في ممارسة الحقوق والحريات العامة واحترامها من جهة، وفي الانتقال بالجهد العربي والإنتاج والممارسة الشعبية؟!.‏

وأين تأثير ذلك ومردوده في السياسة العربية؟! وهل يمكن أن تقوم علاقة سليمة بين السياسة والثقافة، وبين الثقافة والسياسة كطرف من جهة وبين الجمهور من جهة أخرى على نحو يؤثر تأثيراً إيجابياً في حياة الناس وعلاقاتهم وتربيتهم ومبادراتهم الخلاقة ذات المردود العملي على الوطن والأمة؟!.‏

- هل هناك إمكانية لتغيير الخطاب العربي بعد أن تغير الكثير في العالم، وتغيرت أيديولوجيات وسياسات ونظرات وعلاقات؟! ومن يبدأ ذلك؟!.‏

من هذه النماذج وسواها، ومن أسئلة فرعية غيرها نستقرئ أن الجيل العربي لم يعد يقبل حديثاً مكرراً عن الأمجاد والثوابت والإنجازات، في الوقت الذي لا يجد مرتسمات لذلك كله على الأرض، ولم يعد يلتمس نفعاً من أقوال لا تترجم أفعالاً، وأنه يريد شيئاً مغايراً ينقله إلى مناخ جديد، وإلا فإنه يقوم هو باتباع وتقليد واغتراب يحقق له جديداً ويمنعه في الوقت نفسه من تلقي تراكمات الإحباط.‏

هذا الوضع الذي لا يخلو من صحة بنسبة تتجاوز النصف على الأقل، يفرض علينا أن نبحث قضايا الجيل الجديد، ونستطلع رأيه حولها ونظراته إلى الحلول المقترحة، وأن نبحث عن مخارج مما نجمع كلنا على أنه وضع عربي محزن لابد من أن نخرج منه.‏

إن المصداقية في كل شيء أساس، ولكن الوعي والمعطى المعرفي والإقناع القائم على الحجة والمنطق أساس أيضاً، وما لم نتوجه في خطابنا الثقافي والسياسي لأجيالنا على أسس علمية وعصرية تقترن بمصداقية في السلوك والعمل والتعامل، فإننا نزيد الطين بلة، ولا نخرج الناس من المآزق بل نعمق المآزق ذاتها للناس. وأرى أن المثقفين مطالبون بتغيير لغة الخطاب وباستيعاب معطيات المرحلة واحتياجاتها، ليأتي خطابهم الجديد مبنياً على استقراء الواقع، وقراءته في ضوء المتغيرات والاحتياجات وحقائق العصر. وهذا بحد ذاته سوف يقود إلى تصادمية الرأي بين فئات المثقفين، نظراً لاختلاف الرؤية والموقع والموقف والانتماء، ونظراً للقرب أو البعد من الحقائق من جهة، ومن مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي على وضوح الرؤية واستقلالية الرأي.‏

هل نحن بحاجة إلى اتفاق على مسلمات أو بديهيات في الخطاب السياسي العربي؟ أن أبسط معطيات المنطق تحتم ذلك، ولكن الصعوبة تكمن في إمكانية التوصل إلى ذلك على أرضية الخلافية العربية الراهنة، وعلى أرضية الولاءات الجديدة في الساحات العربية، وارتباط بعض أصحاب تلك الولاءات بما لا يربط الأمَّة أو يجمعها على رأي وموقف. وتكمن كذلك في وجود خروق كثيرة للصف العربي تصل إلى العمق، ولا يمكن مجاوزتها بسهولة، لا سيما بعد أن تحطم كثير من جسور الثقة بين الأقطار والسياسات وشرائح المثقفين والمهنيين والحرفيين والعمل في الوطن العربي، وبعد أن قامت مصالح للآخرين بين ظهرانينا وعلى حساب مصالحنا وتوافق رأينا، وأصبحت حماية تلك المصالح مرتبطة بشكل أو بآخر ببقائنا قيد التخلف والتفرق.‏

إن نظرة المثقفين لما يجمع الأمَّة وينقذها، أو لما يضعها على بداية طريق التقدم والإنقاذ والقوة تختلف اختلافاً بيناً من شريحة إلى أخرى، حسب الانتماء السياسي والارتباط الأيديولوجي والانتماء القطري، والتبعية الثقافية أو المصلحية، وحسب الاجتهاد المخلص أيضاً الذي يذهب بالناس مذاهب شتى، على أرضية من النيات الطيبة والسعي إلى إيجاد مخارج للأمة مما هي فيه وبما يضمن سلامة عقيدتها وهويتها وتحقيق أهدافها ونصرة قضاياها العادلة.‏

الأسبوع الأدبي/ع415//9/حزيران/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244