|
مسوِّغات ملكية لتحالفات مستقبلية
شمعون بيريس علناً في الأردن للاجتماع برئيس وزراء المملكة الهاشمية يوم الاثنين الثامن عشر من تموز الجاري، والملك حسين علناً أيضاً في واشنطن مع رابين يوم الخامس والعشرين منه تأكيداً لتطبيع العلاقات بين الجانبين قبل توقيع الاتفاقيات، وإعلاناً لفك ارتباط الأردن بالقضية الفلسطينية وبتنسيق المواقف مع العرب المعنيين بمرجعية مؤتمر مدريد، تحقيقاً لرغبة واشنطن التي عرضت ثمناً لذلك :.
-إسقاط ديونها على الأردن التي تبلغ /950/ مليوناً من الدولارات تقريباً- وفي رواية أخرى/700/ مليوناً.
-تزويد الجيش الأردني بالأسلحة المتطورة التي يحتاج إليها .
وفي سياق التبرير والتسويغ وتقديم الذرائع يشير الملك حسين إلى الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها الأردن، والتهديد بانقسامه إلى شمال وجنوب، وإلى أردنيين أقحاح وفلسطينيين أردنيين، كما يشير إلى أنه في سبيل إنقاذ الأردن يقبل أن يقوم بتلك التضحية؛ أي أن يجتمع برابين لينقذ الأردن من ضائقات اقتصادية وأزمة سياسية واجتماعية.
وقبل أن نلامس التسويغات والتبريرات الملكية، نتساءل بسرعة واقتضاب: لماذا تندفع الولايات المتحدة الأميركية كل هذا الاندفاع لشراء المواقف والأنظمة والأشخاص لمصلحة " إسرائيل ": من أنور السادات إلى الحسين مروراً بعرفات ؟! ولماذا تدفع المليارات وتسقط ديوناً بالمليارات وتمارس ضغوطاً هائلة لقاء عقد اجتماع هنا، وإتمام زيارة هناك ؟! ولماذا تضع كل ثقلها وثقل حلفائها الغربيين والعرب، من أجل إسقاط كل صيغة لتعاون وتنسيق عربيين، ولو في حدودهما الدنيا، وسعياً وراء إحداث خروق في الصف العربي لمصلحة " إسرائيل " وهي التي تزعم أنها وسيط نزيه، وحريصة على تحقيق: " سلام عادل " و"استقرار شامل " في المنطقة ؟! ولا بد أنها تعرف تماماً أن " السلام العادل " والاستقرار الشامل لا يتحققان بالضغط والإكراه وتشويه الواقع؟! ولماذا تسعى بإصرار لا مثيل له على عزل دول عربية عن أخرى وإقامة مناطق حصار ومناطق خوف، وواحات تنتشر فيها الأحلام الفاسدة والتطلعات المريضة وتعميم الانحلال في وطن العرب ؟! إن مجرد التأمل في هذا الذي تقوم به أميركا، وتحرص على خلقه وتدفع المليارات من أجله يجعلنا ندرك أن أميركا:
- تخشى على " إسرائيل " مما يدور في كيانها ذاته من نخر، ومما تتعرض له من استنزاف جرَّاء استمرار الانتفاضة والمقاومة، ومما ينتظرها في حالة تفجر الصحوة العربية - الإسلامية، وفي حالة الإفلاس الأميركي، أو شح المساعدات الأميركية الهائلة نتيجة الضائقات الاقتصادية التي تدق أبواب أميركا بعنف. ولاشك في أن الصهاينة في الإدارات الأميركية، والمتصهينين من الأميركيين هم الذين يسخرون السياسة الأميركية والطائفة الهائلة لها في كل المجالات من أجل الحفاظ على المشروع الاستعماري - الاستثماري - الاستيطاني الصهيوني قوياً ومهيمناً.
- وأنها تخشى على الأنظمة العربية والحكام العرب المتحالفين معها، والسائرين في ركابها، تخشى عليهم من تغيرات كاسحة تخفيها الرمال العربية المتحركة. وخشيتها عليهم هي خشية على مصالحها أولاً، وعلى تنفيذ خططها في المنطقة لتكون لها السيطرة ويكون لها الولاء. وهي تدرك جيداً أن رياح التغيير القادمة لا بد آتية، ولكن لا بد من تأخير ذلك ما أمكن بالحفاظ على ما هو قائم وتقويته وصولاً إلى حالة من السيطرة الأفضل والأشمل على المنطقة وذلك :
- إمَّا من خلال سحق القوى الصاعدة وفرض سلطة القوى الحليفة القائمة
- وإمَّا بالسيطرة على تلك القوى وتوظيفها لتكون أحصنة لها في المستقبل، سواء أتم ذلك بالتسلل إلى أحشائها أو بشرائها في صفقة رزمة على الطريق الأميركية.
وبعد.. فالعودة واجبة إلى ملامسة التبريرات والتسويغات الملكية التي تقدم على طريق فك الارتباط بالبعد القومي للقضية الفلسطينية، ونقض أسس مرجعية مدريد، وإلغاء التنسيق العربي المريض في ظل " المفاوضات " والضرب به عرض الحائط، والبحث عن خلاص ولو على حساب القضية والمبدأ، والأخ الجار. مما لا شك فيه أن في الأردن أزمة اقتصادية خانقة، فالمساعدات التي كانت تقدمها دول الخليج العربي قُطعت عن الأردن بعد حرب الخليج الثانية وبسبب موقف الأردن في تلك الحرب، وطريق تزويد العراق بالبضائع والانتفاع من ذلك النوع من التجارة - السوداء أو البيضاء - سدت هي الأخرى أو ضَؤُل مردودُها إلى الحد الذي لم يعد مجدياً في معالجة أزمة من أي نوع، والكم البشري الذي عاد إلى لأردن من أردنيين وفلسطينيين بعد حرب الخليج الثانية تسبب في قطع موارد المغتربين وفي زيادة أزمة البطالة، مع أن شرائح من أولئك عادت بأموالها إلى الأردن أو ببعض تلك الأموال. ولكن مما لا شك فيه أيضاً أن في عمان غنى غير مدرَك الحدود والموارد وأن فيها ثروات لا توظف في معالجة حل الأزمات؛ ولكن ذلك ليس شأناً أردنياً خاصاً، بمعنى أن مثل ذلك الوضع ليس وقفاً على الأردن، وليست معالجته مما أزعم أن لي الحق فيه والقدرة عليه. إنما الذي لا أملك إلا أن أطرحه في إطار السؤال الاستنكاري::
- أليس لذلك من علاج سوى بيع موقف الأردن الوطني والقومي لمصلحة " إسرائيل " ؟! والتضحية بعلاقاته العربية - العربية لمصلحة علاقات أميركية إسرائيلية ؟!؟وهل قرر الأردن، ابتداء من ذلك واستناداً إليه ، أن يدخل نهائياً في سباق مع فلسطينيي أوسلو - أريحا على التحالف مع " إسرائيل "؛ أم أنه يريد أن يكون له القدح المعلى في الكونفدرالية الإسرائيلية - الأردنية - الفلسطينية التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية لإقامتها في بلاد الشام لتكون إحدى دوائر التحكم الرئيسية في المنطقة العربية، بعد إقامة دائرتي التحكم الأميركيتين: المصرية والخليجية ؟!؟ وكيف ستكون طبيعة العلاقة بين الأردن في إطار ذلك التحالف أو تلك الكونفدرالية وبين جيرانه العرب ؟! لا سيما سورية والأردن والعراق ؟! هل ينتظر أن يُحْكم السيد الأميركي قبضته جيداً على الدارة كلها فيوزع المهام والأدوار، أم ينتظر أن يكون حربة أميركية في صدر سورية وفي صدر أيَّة قوة عربية محلية تخرج على أمر السيد ؟! أم أنه سيختار أن يكون حليف القوة التي يُراد لها أن تهيمن على المنطقة بعد فرض الاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها، وأعني بها قوة " إسرائيل " التي ستكون والقبضة الأميركية معاً أساس كل قوة ومخطط ومصلحة وهيمنة في المنطقة؟! إن خيارات الأردن لا بد أن تكون قد درست ولكن القوى في الأردن لا بد أن يكون لها دور مستقبلاً في حسم ذلك الخيار. وهذا يقودنا إلى ملامسة التبرير أو التسويغ الملكي المتصل بتزويد الإدارة الأميركية للجيش الأردني بالسلاح المتطور لنتساءل: لمن سيعد الجيش الأردني إعداداً جيداً بأسلحة متطورة ؟! وسيكون الجواب حتماً: لمصالح الأردن: مملكة وشعباً وبلداً وهذا من الأمور الطبيعية والمنطقية والمشروعة. ولكن قرار الأردن، بعد هذا الرضوخ لم يعد حراً ولا هو بيد الأردن بل هو بيد القوة التي تسمح بتسليح الجيش أو بعدم تسليحه، وبتوجيه قوة ذاك الجيش هذه الوجهة أو تلك؛ فهل تحرر من قيادة (غلوب باشا) ليعود لإمرة الحاخام رابين أو الضابط مردخاي غور؟! أم أن الاطمئنان تام إلى أن كلنتون سيكون أكثر حرصاً على المظهر و " الجوهر " فيسند تلك المسؤولية لضابط أميركي ؟! وهل سيقبل الجيش الأردني شيئاً من ذلك ؟! أم أنه سيرفضه رفضاً قاطعاً، وسيشكل ذلك بالتالي خطورة على الاستقرار في المملكة وعلى العرش الملكي أكثر مما تسببه الأوضاع الضاغطة الراهنة. من المؤكد أن أميركا لن تسلح أي جيش عربي ليواجه " إسرائيل "، أو ليحرر المنطقة من السيطرة الأميركية وإذا كان تسليح الجيش المصري والجيش الأردني وجيوش الخليج يتم أميركيا من خلال المساعدات أو الدفع المباشر للأموال الطائلة فإن ذلك يحقق على أرض الواقع ربطاً محكماً لمفاصل القرار والعمل من خلال التنفيذ وقيود التسليح وشرطه، ومن خلال التمويل أيضاً، لأهم العناصر البشرية والمادية، وعناصر اتخاذ القرار وتنفيذه بصانع القرار الأميركي وحلفائه وبالمصالح والمخططات الأميركية .
وبعد.. فإننا لا نتوقع أن يعيد الأردن النظر بقراره، ولا بمسوِّغاته الملكية لتحالفاته المستقبلية، كما لا نتوقع أن يغير المسار الذي اختاره أو فرض عليه، ولكنه لن يقنعنا أبداً بأنه قطع حبل السرة الموصول بأمته نهائياً، فللجغرافية تأثير على التاريخ وللتاريخ فعل في الجغرافية وسنبقى الاخوة الجوار، وسيبقى الشعب العربي في الأردن صاحب القرار النهائي في المستقبل بكل الخيارات والالتزامات، ولن يكون لـ " إسرائيل " وحلفائها حضور أو حياة في ذاكرة الشعب العربي ووجدانه تلغي حضور تاريخه وشهدائه ومبادئه، كما لن يكون لها مثل ذلك الحضور والقبول في وجدانه. وإن غداً لناظره لقريب .
الأسبوع الأدبي/ع421//21/تموز/1994
|