صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

دور الملك والخليفة

الخطوات المتسارعة التي يتخذها الملك حسين على طريق التطبيع الكامل والشامل مع الكيان الصهيوني، فاقت توقعات المتفائلين من الغربيين و" الإسرائيليين "، والعرب المترامين على التطبيع،وجعلت المراقبين المحايدين يلهثون وراء متخذيها باحثين عن الأسباب والأسرار.‏

وهي في سرعتها واتساعها تشير بوضوح تام إلى وجود مخطط قديم مدروس وناضج،كان ينتظر اللحظة الملائمة ليوضع موضع التنفيذ،وحين واتت تلك اللحظة بدأنا نقف على حقيقة أن الأردن يلقي وراء ظهره كل مرجعيات مدريد، وما يتصل بذلك من قرارات،ويتخلص من بقايا الروابط التي كانت تشد المتفاوضين من العرب إلى إطار ما كان يسمى " التنسيق العربي " بين أطراف المفاوضات الثنائية من العرب، ويعلن أنه لن يتردد في توقيع صلح منفرد،بعد أن " يرفض " ذلك علناً.‏

وليس المهم أن تعقد ألسنتنا الدهشة أولاً تعقدها جراء ما يقوم به الأردن،ولا أن نركز على أن عمر العلاقات السرية بين المسؤولين الصهاينة والأسرة الهاشمية في الأردن تعود إلى العشرينات من هذا القرن، وان عمر علاقة الملك حسين بإسحق رابين تعود إلى عشرين سنة، وأنه كان قد التقى المسؤولين في الكيان الصهيوني جميعهم سراً عدا مناحيم بيغن، فذلك تاريخ له في التاريخ مسرد وموقع وحكم، بل المهم الآن أن نتعرف إلى ملامح التحالف الذي يقوم على أرضية من التاريخ والمصالح والقوة بين "إسرائيل" والمملكة الأردنية، ويأتي حلقة مكملة لسلسلة الحلقات التي تنشئها الولايات المتحدة الأمريكية في الوطن العربي لتحكم بواسطتها السيطرة عليه والتحكم بمستقبله. وقد أنشأت من تلك الحلقات أو الدوائر حتى الآن.‏

ـ حلقة " كامب ديفيد " ومحورها أو مركزها مصر - "إسرائيل"‏

ـ حلقة الخليج العربي ومركزها السعودية بوجود أمريكي مباشر في أرجاء مختلفة منه.‏

أمّا الحلقة الحالية فهي: الأردنية - الإسرائيلية الفلسطينية أو " العرفاتية " على الأصح،ويأتي تسارع خطى الملك حسين ليكون مركزها ومحورها ساحباً البساط من تحت قدمي عرفات الذي يتقدم في السر والعلن ليقدم نفسه حصان رهان لتطويع الانتفاضة الفلسطينية، وتصفية حماس والتيارات الإسلامي ة " المقلقة لـ " إسرائيل " ولأنظمة عربية " في الساحتين الفلسطينية والأردنية - من خلال وجوده المكثف في الأردن - واعداً بجعل المنطقة تؤوب إلى أميركا وتثوب إلى رشدها وتتوب عما ارتكبته بحق أبناء " العم سام " وأبناء " العمومية " في إبراهيم الخليل.‏

ولكن الخطوات " العرفاتية " السرية أخذت تدب قرب القصر الملكي الأردني فاستيقظ الحرس القديم،وأيقظ صلاته ومشاريعه وعلاقاته التي كانت منذ بداية القرن ونفض الغبار عن المشاريع المعدة فإذا بالغرب كله والصهيونية العالمية تلقي بعرفات تحت أقدام الملك وتجبره على أن يختار بين أن يكون في سجن أنصار سعته غزة أو أن يسعى ليثبت أنه قادر على أن يكون في موقع سعد حداد،أو أنطوان لحد جديد يحرس المداخل الغربية ـ الجنوبية من " الدولة العبرية " ومازال تحت وقع الصدمة الملكية - الإسرائيلية يبحث عن مخارج وحلول، لا سيما بعد الإعلان عن وضع القدس الجديد،بينما أخذ الملك حسين يشد باتجاه التطبيع لامتلاك كل أوراق اللعب،ولتقديم نفسه ومشاريعه تقديماً لائقاً ذا مصداقية عالية. بعد أن غاب من الساحة العربية كل مد قومي، وصلابة نضالية، ومرجعية عربية، تجعله يفكر بهيبة الجماهير أو هيبة الانتماء والتزاماته. وحين يسارع الملك حسين اليوم إلى إقامة التحالف الجديد مع "إسرائيل" ليكون مركز حلقة من الحلقات الأمريكو - "إسرائيلية" في المنطقة ومحورها، فإنه - على ما يبدو- أقنع الغربيين بأهمية تصحيح مسار العلاقة التي كانت للأسرة الهاشمية بهم منذ الحرب العالمية الأولى والاستفادة من ذلك التاريخ والصلات لإعادة ترتيب الأمور في المنطقة بهدف مواجهة الاستحقاقات والأوضاع الجديدة فيها.‏

إذ أنه بعد تنكر الغرب للأحلام القومية العربية في التحرير والوحدة،وبعد أن صادر كل طروحات الحركة القومية العربية وعاداها، وأدار ظهره لمنطقها واضعاً إياها في زاوية ضيقة أمام جماهيرها وسائر الأمم الأخرى، وأعطى "إسرائيل" المعتدية كل دعم وقوة وحق اصطدم هو و" إسرائيل " معاً - لا سيما بعد حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد - بصحوة تيارات إسلامية ومراجعة للذات في الأوساط القومية العربية على أرضية الثوابت والمقومات الرئيسة للشخصية العربية، وأراد أن يحقق مخططاته المستمرة للاعتراف ب" إسرائيل " وتطبيع العلاقات العربية معها من جهة،وان يحتوى التيارات الإسلامي ة والقومية واليسارية المعارضة أو أن يجعلها تتآكل من الداخل أمّا بالإحساس المتراكم بالإحباط وعدم الجدوى أو بالتقاتل الداخلي. فلجأ إلى سحب البساط من تحت أرجلها بتقديم الحصان الملكي الذي لديه الرغبة والتطلع والطموح في استعادة دور قومي - إسلامي مميز،والذي يرفض كل ما كان من تأثير للقمة العربية عليه لجعله يتخلى عن وصايته على الضفة الغربية والقدس، وعن المسؤوليات التي أنيطت به منذ عام 1947 والتي اعتبرها الملك حسين أحد المكاسب التاريخية للأسرة الهاشمية. وهو في هذا يؤكد الرأي الذي يقول: إن الأردن ينسق مع " الوكالة اليهودية " ودور "إسرائيل" فيما مهد لاقتسام فلسطين والتسابق على اكتساب الخطوة لدى الغرب فيما يتعلق بقيادة المنطقة.‏

وحين سبقته "إسرائيل" بعد عام 1947 إلى تلك المكانة أخذ يغير مساراته وتحالفاته وأساليبه، وينسق معها،ليمسك ببعض أزمة الأمور، إلى أن أتت ظروف ملائمة جعلت منه حصاناً يمكن أن يوضع في مقدمة العربة.‏

وتبدو ملامح التحرك القادم للتحالف الجديد منصبة على سحب البساط من تحت أرجل التيارات الإسلامي ة والقومية واليسارية في المنطقة عن طريق التركيز على الدور الهاشمي "إسلاميا وقومياً " ليقوم في اللحظة الملائمة بإعلان " الخلافة الإسلامي ة " الأمر الذي يقدم " إسلاماً ملكياً " مسيطراً عليه ليواجه إسلاما " إرهابيا " منفلتاً من السيطرة وليقدم دوراً قومياً عربياً يمتد إلى بدايات قومية في حركة " الشريف حسين " التي يعاد تصحيح العلاقة مع ورثتها،أهو بديل أيضاً لدور قومي ينفلت من السيطرة الغربية والتحالف مع الصهيونية.‏

وحين يؤسس لذلك بجدية وحزم فإن المنطقة العربية كلها ستكون أمام حقيقة وجود حلف مدعم بكل القدرة العسكرية والمالية للغرب، ومحاط بما يحققه العرش الهاشمي من استقطاب إسلامي وقومي ليواجه بذلك القوى الأخرى الرافضة ل" إسرائيل " ولمسيرة التطبيع ولمنطق الواقعية الجديدة المستندة إلى معطيات المتغيرات العربية والدولية، وحقائق العلاقات والاتصالات التاريخية / السرية والعلنية / بين الأسرة الملكية الأردنية والقيادات الصهيونية والغربية.‏

ودخول الملك حسين هذا المدخل لتجاوز هذه المفازة الصعبة يجعله مقبلاً على استبدال صفة الملك بصفة الخليفة، ليواجه المسلمين بوجه وصفة ومنطق يجعله بعيداً عن تناول الآية الكريمة له " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ".‏

كما يجعله يبدو صاحب حق ربما بالمطالبة حتى بالحجاز على أرضية الخلافات الخفية مع الأسرة المالكة السعودية، الأمر الذي يجعل حال العرب والمسلمين جميعاً يؤول إلى اقتتال وتناحر داخلي على أرضيات قومية ودينية وطائفية وأسرية وعشائرية مما نترحم معه على الأوضاع العربية المزرية التي نعيشها الآن.‏

ومن الطبيعي أن يؤدي هذا إلى ضمان أمن "إسرائيل" ومصالحها إلى المدى البعيد،وكذلك ضمان مصالح الغرب ونفوذه، وتمكينه من تحقيق أهدافه القديمة الرامية إلى القضاء على الشخصية الثقافية العربية بمقوماتها القومية والعقائدية،وتمكينه أيضاً من الاقتراب من تحقيق رهانه الذي أطلقه من عقاله قبل سنوات قليلة حيث قال بلسان زعماء له، ومثقفين وإعلاميين متعصبين " إنه كما شهد القرن الحالي سقوط الشيوعية والماركسية فسوف يشهد القرن القادم سقوط العروبة والإسلام ".‏

والسقوط لا يكون بالضرورة إنهاء بل تشويه صورة، وإزالة دور، وإدخال الجماعات والقلوب والعقول في مراحل التناحر السلبي والتآكل والتفتت والاقتتال. إننا نرى اليوم في " الأعراس الملكية " على الحدود الأردنية - الفلسطينية قمة جبل الجليد التي بدأت تطفو في المنطقة ولا نعرف ماذا يخبئ لنا في جوفه من مصائب وكوراث. يقولون إن الازدهار قادم مع السياحة وأبناء العم سام، وأبناء " هاجر" ولكنهم ينسون حقيقة مرة تكمن في تساؤل قديم جديد يقول: " ماذا يفيد ابن آدم إذا كسب العالم كله وخسر روحه "؟!‏

وسيبقى تساؤل مُرٌ يدوّي في فضاء وطننا ونفوسنا وعقولنا وضمائرنا وهو تساؤل يقول ماذا يفيدنا أن نجلس على ضفاف البحر الأحمر والبحر الميت في يخوت ومرافق اصطياف وسياحة،ونقوم بخدمة الغربيين والصهاينة إذا كنا سنخسر فوق كوننا أصبحنا خدماً حقوقنا وأرضنا وكرامتنا وعقيدتنا وعقيدتنا وعروبتنا ؟! هل نفرح بأننا صافحنا رابين وباركنا كريستوفر وصفق لنا كلنتون وقالت عنا وسائل الإعلام الغربية: " إننا حضاريون " ؟! وهل مازلنا نلهث وراء شهادات حسن سلوك من الغرب بأي شكل وأي لون ونحرص على ذلك ولو قدمنا ثمناً له صفاء أرواحنا وعلاقاتنا القومية والأخوية،وتاريخ جهادنا المشرق وصلتنا بأولئك الذين حملوا راية العروبة والإسلام فكانوا خير خلف لخير سلف ؟! إننا في دوامة الخلف والدماء والتآمر والتردي نفقد سلامة الرؤية، ونرفع عالياً رايات تزري بكل نقاء الانتماء والرايات وصوت من يرتاد منا يقول: انج سعد فقد هلك سعيد. والأمر من بعد ذلك لله، وإننا لحزا ني ومتفائلون.‏

الأسبوع الأدبي/ع424//11/آب/1994.‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244