|
القيمة في الموقف
شكراً لسيدة الباكستان بنازير بوتو على مبادرتها الموقف، وموقفها إلى قيمة، اللذين عرّت بهما-عن قصد سياسي أو دون قصد- كلاً من رابين وعرفات وجوهر اتفاقيات: أوسلو والقاهرة و" إريتز " الأخير، كما عرّت معسكر أعداء العروبة والإسلام والمتحالفين معه من عرب ومسلمين.
فقد قررت هذه السيدة المناضلة، التي تتمتع بشجاعة أدبية وأخلاق لا يعرف قيمها اسحق رابين، أن تزور غزة التي يحكمها عرفات، والتي تمثل مركز الحكم الذاتي الذي احتفل بولادته في حديقة البيت الأبيض، وجاء قرارها دعماً لموقف فلسطينيين في مسيرة السلام، تثبيتاً لموقف باكستان من القضية الفلسطينية حيث دعمتها في مراحل الصراع الساخن والبارد، وفي مراحل التفاوض، ولم تعترف بالكيان الدخيل على وطن العرب وبلاد المسلمين مثلما فعلت الدول الإسلامية والعربية، سابقاً ولاحقاً.
وهدفت بوتو-الباكستان من وراء زيارتها إلى تعزيز موقع عرفات وحكومته و "دولة فلسطين" التي يقول إنها بدأت خطواتها الفعلية على الأرض الفلسطينية بعد طول احتلال للأرض ونفي للشعب، ومحاولات إلغاء للكيان والوجود والحضور الحي. وبوتو صادقة في دعمها وعزمها وموقفها، وهي سياسياً وعاطفياً مع راية فلسطين وعدالة قضية شعبها ومع استعادة تاريخها في هذا العصر وفي هذا الزمن بالذات.
واتخذت السيدة بوتو الخطوة التي يقتضيها ادعاء الأطراف المعنية بوجود حكم ذاتي له سلطة وعلم ووزراء وحضور، ويعترف به ويدعمه الغرب الذي أنشأه إنشاء صهيونياً في حلة عربية في إنشائية: غزة وأريحا أولاً فاتصلت الباكستان-بوتو بالسلطة العرفاتية لترتيب الزيارة وأرسلت دبلوماسيين رسميين للقيام بذلك.
ولكن عرفات وحكومته لم يفلحا في إقناع رابين وجنوده بدخول بوتو إلى غزة، وطلب رابين إعلاناً من بوتو بأن الباكستان تعترف بـ " إسرائيل " حتى تسمح لها الأخيرة بدخول مناطق تشملها سيادتها، وهنا مركز الفضيحة وبؤرة التعرية تماماً لعرفات وحكمه، وللغرب وادعاءاته ولبعض العرب الذين باركوا تلك الادعاءات وصدقوها، وللكيان الصهيوني الذي يلعب أمام العالم كله بعرفات الدمية المصمودة في عربة الحكم الذاتي الفلسطيني، ويحاول أن يبتز العالم من خلالها بعلاقات وعوائد مالية وتجارة وسياحة ومساعدات على أرضية أنه صنع السلام، وحل القضية الفلسطينية وأنهى الصراع العربي الصهيوني، وأرضى العرب الذين أخذوا يتهافتون على أبوابه للاعتراف به والتعامل معه.
هنا مركز الفضيحة لادعاءاته أولئك كلها ولصفقة الوهم التي يحاول عرفات وبعض الحكام العرب أن يصدروها للجماهير العربية. هنا مركز الفضيحة لأولئك وليس ذلك كارثة دبلوماسية لباكستان كما يسميها الغرب-الصهيوني، وكما يريد أن يصورها ويصدرها للعالم وان يثبتها بوصفها: عجزاً باكستانياً، سياسياً ودبلوماسياً، و" قلة أدب " تمارسها تلك السيدة القادمة من باكستان: بنازير بوتو، التي تحتاج من وجهة نظر الكذاب الأشر، والأوقح الأشر، اسحق رابين وكما يقول: إلى "دروس لتتعلم قليلاً من الأدب". (؟؟؟).
مركز الفضيحة هو انكشاف حقيقة العلاقة بين عرفات ورابين، وحقيقة الحكم الذاتي بالممارسة والتطبيق بعد أن كان مكشوفاً في الاتفاقيات المكتوبة التي يجري التشويش على حقيقة محتوياتها.
فالواقع أن عرفات رئيس مخفر أريحا أو رئيس بلدية غزة في أحسن الأحوال. وهو يأتمر بأمر رابين ويقوم بما يطلب إليه القيام به، أو بما يسمح بالقيام به من أفعال في أفضل الأحوال. ولا يستطيع أن يدعي سيادة على الأرض أو قيادة حقيقية للشعب، أن وظيفته الأولى أو مهمته الأولى التي أوكلت إليه بموجب اتفاقات " أوسلو والقاهرة وإريتز" هي أن يصادر إرادة الشعب الفلسطيني وقراره وانتفاضته وجهاده ليرهن كل ذلك عند قادة العنصرية الصهيونية ليرضوا عنه، وان يكون قوة أمنية في غزة من الفلسطينيين تعمل على تصفية حماس، ولجم الانتفاضة وإنهاء ما أخذ يسميه أشكال التمرد والشغب والفوضى، في محاولة لتجنب استخدام الصفتين المحببتين لقادة الكيان الصهيوني العنصري، وللإعلام الغربي، اللتين تطلقان على كل من يقاوم الاحتلال الصهيوني من الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً وهما الإرهاب والتخريب.
إن نجاح عرفات بالنسبة لأميركا والكيان الصهيوني والعرب المتحالفين معهما هو نجاحه في تصفية حماس والجهاد الإسلامي ومظاهر الانتفاضة، والإمساك بزمام الأمور أمنياً ليفرض استكانة على الفلسطينيين في الداخل، وليقوم من خلال: التربية والثقافة والسياحة وغير ذلك من شؤون أوكلت إليه بتدجين المناضلين ليقبلوا بحكمه المحكوم من قبل قادة الصهاينة والموجه منهم.
ربما وقع اضطراب "دبلوماسي" في الضفة الباكستانية قياساً على "أعراف الدبلوماسية السائدة ولكنها وقعت زلزلة في الأوساط المتواطئة على تصفية القضية الفلسطينية، تلك التي تسعى إلى تقديم الحكم الذاتي العرفاتي على أنه سيادة ودولة وتحرير بوسائل غير قتالية.
إن السيدة القادمة من الباكستان مزقت أردية حريرية وأقنعة ملونة زاهية كان يستقر تحتها لون من التبعية التآمرية لرموز الحكم الذاتي في غزة وأريحا للكيان الصهيوني وقادته، أو أنها كشفت ستراً كان يرجو رموز اتفاقيات: "أوسلو-القاهرة-إريتز" وما تبع ذلك من اتفاقيات عربية بتغطيات أميركية ألا ينكشف أبداً.
وبعد مباشرة بوتو الشجاعة، أو موقفها القيمة، لن يجرؤ الحكم الذاتي العرفاتي على ادعاء السيادة ولن يضطر رابين وبيريس وسواهما من قادة الصهاينة عن إخفاء سرورهم باختفاء ذلك الادعاء الذي كان يرفرف في فضاء الإعلام فشكراً لتلك السيدة المؤدبة جداً والخُلُقيَّة جداً، القادمة من باكستان التي ما زالت ترفض "إسرائيل" وترفض إقامة علاقات معها، شكراً لبنازير بوتو لأنها- سواء قصدت أم لم تقصد- وضعت أمام الجماهير العربية والعالم حقيقة الحكم الذاتي في غزة وأريحا حسب اتفاقيات: أوسلو-القاهرة-إريتز- وحقيقة العلاقة القائمة على التبعية المطلقة من عرفات لرابين الذي بين بتصريحاته حول هذه القضية "الدبلوماسية" كم هو بحاجة إلى "دروس في الأدب والأخلاق" وكم هو عنصري دخيل على المنطقة، وكم هو بعيد عن أن يصبح مقبولاً في النسيج العام الشامل للمنطقة العربية-الإسلامية، وكم هو ابتزازي يريد أ يفرض على الآخرين اعترافاً بكيانه ليسمح لهم بزيارة لأرض أعلن أنها أعيدت للفلسطينيين؟؟
وشكراً لبوتو لأنها سجلت موقفاً-قيمة في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى مواقف نضالية وقيم خُلُقية ورؤى سياسية بعيدة الأمد، أصيلة المنبع، تعبر عن وجدان الشعب، وتتلاءم مع حقائق التاريخ الذي يصنعه الشهداء وتصنعه التضحيات.
وأؤكد هنا أهمية أن يقدم هذا الموقف من منظور الالتزام المبدئي والخُلُقي ضد عدو عنصري محتل مرفوض من أبناء المنطقة جميعاً، ولا يقدم على أنه قضية "دبلوماسية" تتعلق بأصول التعامل بين دول واللياقات الدبلوماسية المتبعة والأصول المعمول بها. وذلك لسبب بسيط هو: أن الكيان الصهيوني ليس دولة شرعية في النسيج التاريخي للمنطقة العربية، وليس جهة وصائية على الفلسطينيين في أرضهم، وليس قوة خير وسلام وحضارة إنسانية في المنطقة تستحق شيئاً من الاحترام، بل هو عنصرية بغيضة مازلنا نعاني من جرائمها منذ أكثر من نصف قرن. وأن الكيان الصهيوني قوة قهر واحتلال وفدت من خارج المنطقة وزرعت فيها وما زالت تساند من قبل الغرب الاستعماري لأنها رأس جسر له ضد ثقافتنا وعقيدتنا واستقلالنا ومصالحنا.
ولأن الكيان الصهيوني ما زال يحتل بالقوة أرض العرب، ويشرد الشعب الفلسطيني، ويمارس الإرهاب والإبادة الجماعية، تحت نظر القوى الإمبريالية المسيطرة على العالم.
وهو بهذه المقومات والصفات والأهداف والممارسات لا يستحق اعترافاً أو احتراماً أو مهادنة، و لا يجوز النظر إليه تحت ظرف من الظروف على أنه مصدر حقيقة أو قيمة أو أمن أو استقرار؛ ولا على أنه يمثل أي قدر من الخُلُقيَّة تسمح له بإصدار أحكام على الأشخاص والدول والممارسات.
وتحية للموقف-القيمة الذي اتخذته الباكستان والذي يجب أن يقدم ويظهر وينمو، على حقيقته، وبوصفه، موقفاً قيمة والتزاماً نضالياً ومبدئياً وأخلاقياً وليس غلطة بقضية عادلة هي قضية الشعب الفلسطيني وليس غلطة سياسية، أو عدم لباقة دبلوماسية تستحق الاستهجان أو التوبيخ لا سيما من قبل من يرافقهم في كل تاريخهم وممارساتهم الاحتقار والاستهجان والتوبيخ من قادة الصهيونية-العنصرية-النازية عبر التاريخ.
الأسبوع الأدبي/ع427//11/أيلول/1994
|