صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

منطقان على الأقل

منذ مؤتمر مديد بدأ تركيز الجهد الصهيوني - الغربي لتفتيت صف المفاوضين العرب، وهدم كل ما يمكن أن يشكل نقاط إسناد ودعم، عربية وإسلامية، له. وبدأ في الوقت ذاته صراخ العرب من أجل إقامة تنسيق متين فيما بين مفاوضيهم أو المتفاوضين منهم من جهة، وفيما بين أولئك والأنظمة العربية الأخرى من جهة أخرى. وكان كل طرف في المفاوضات العامة، وكل فريق من المتفاوضين العرب يدرك جيداً معنى التنسيق والتضامن العربيين، وتأثير ذلك في مسار المفاوضات ومسارات السلام التي قد تنتج عنها، وتأثيره أيضاً على مركز الثقل في ذلك كله وهو: القضية الفلسطينية والأرض والشعب العربي في أقطاره. ويبدو من النتائج التي آل إليها أمر المفاوضين العرب، سواء في الثنائية أو المتعددة الأطراف، أنهم لم يتوصلوا في لحظة من اللحظات إلى تنسيق متين يقوم على الثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة والتعاون الراسخ الأركان .‏

كما يبدو بوضوح من تلك النتائج ذاتها، أن صفهم كان مخترقاً من قبل أن تبدأ مسيرتهم تلك، مثلما كان ذلك الصف مخترقاً منذ خاضوا صراعهم مع الصهيونية والاستعمار. وليست اتفاقيات: أوسلو - والقاهرة - وإريتز التي عقدها عرفات، واتفاقيات الملك حسين التي تمتد جذورها إلى قبور أجداده الأقربين، وإعلان الملك الحسن الثاني عن إقامة علاقات مع " إسرائيل "، وكل التعاون الثنائي الذي يسبق التبادل الديبلوماسي بين بعض الأقطار العربية والكيان الصهيوني، ليس إلاّ دلائل ومؤشرات وشهادات على ذلك كله. وبعد أن وصلت الأمور الآن إلى ما وصلت إليه ، ولم يبق من التنسيق العربي - العربي في مجال المفاوضات - ثنائية ومتعددة - ولا حتى من التضامن العربي بشكل عام، إلاّ مواقف مشتركة ثابتة لكل من سورية ولبنان، البلدين اللذين يناديان بحل شامل وباحترام للمقاومة التي تحرر أرضاً وشعباً، وبإعلاءٍ لشأن الشهادة والتضحية على تلك الطريق، ويعدَّان نفسيهما لكل الاحتمالات، ويوجهان في الوقت ذاته لوما للمفرطين بالتنسيق والتضامن العربيين وبحقوق ومصالح قومية وقطرية، كان يمكن أن يحفظ شيئا منها تنسيقٌ وتضامنٌ عربيان فاعلان، كما يلوكان عتباً مراً من دون أن يعلنا جرباً على تلك التصرفات والتحركات، تضاف إلى الحروب العربية - العربية؛ تاركين معابر الطرق سالكة في كل الاتجاهات. أقول بعد أن وصلت الأمور إلى ذلك، وأقبلنا على مرحلة استحقاقات " السلام " على جبهة المفاوضات " السورية اللبنانية - الإسرائيلية "، ما الذي يترتب علينا أن نواجهه ونعد أنفسنا له ؟!.‏

إن الانسحاب الشامل من الجولان وجنوب لبنان، وهو مطلب سوري - لبناني ثابت راسخ لا رجعة عنه ولا تفريط فيه، سوف يُقَابل - في حال حدوثه وقبول العدو الصهيوني به ـ بسلام كامل ندرك متطلباته الموضوعية. وهو يعني حسب المفهوم " الإسرائيلي " والأميركي :‏

ـ اعترافاً تاماً بـ " إسرائيل ".‏

ـ فتح الحدود معها، بكل ما يعنيه فتح الحدود من تواصل وتعامل .‏

ـ تبادل التمثيل الديبلوماسي.‏

- تطبيع العلاقات على الصُّعُد والمستويات جميعاً. ومن المسلم به أن يتم ذلك على أرضية إلغاء حالة الحرب، وأشكال العداء.‏

ـ العمل على رفع القيود والمحظورات المفروضة على التعاون مع " إسرائيل "، وعلى أشكال التعامل معها، وإزالة المعوقات القائمة في وجه ذلك؛ وفي المقدمة منها - عربياً - إلغاء المقاطعة، وتنسيق الجهود لتبادل المصالح والمنافع، وإقامة التعاون في كل المجالات التي تتصل بحاضر المنطقة ومستقبلها.‏

وهذا المفهوم للسلام الشامل، الذي يوازي الانسحاب الكامل ويتساوى معه، إذا ما تم التوصل إليه ، لا تكتفي " إسرائيل "، منه بمجرد الإعلان عنه وإبداء الاستعداد الرسمي لتنفيذه، وإنما تريد أن تبرمج التقدم في مجالاته جميعاً، وتحقيق أداء خطواته ومراحله ليكون متزامناً مع الانسحاب، الذي تريده على مراحل وضمن مدة زمنية اختبارية، كما تسميها؛ وتجادل فوق ذلك حول إبقاء منطقتي بانياس والحمة السوريَّتين تحت سيطرتها .‏

وكل ذلك يرتب علينا - في الجبهة الثقافية خصوصاً وفي امتدادات تأثيرها الجماهيري عربياً بشكل عام، إذا صح أن تسمى جبهة ونحن نشهد خلال هذا الأسبوع زيارة /73/ مفكراً عربياً من مصر وتونس والمغرب ل" إسرائيل" واجتماعهم بيريس منظر الشرق أوسطية وعرابها - يرتب علينا مواجهة استحقاقات محددة، بمواقف وآراء وتوجهات وبرامج عمل واضحة محددة أيضاً.‏

ولا أريد أن أُعيد آراء مكررة، ولا أن أُلحَّ على دعوة منشورة، لمن يرون لزاماً عليهم اتخاذ مواقف واضحة من قضايا مركزية، في ظروف قد تكون حرجة ومحرجة لهم. ولكنني أود تأكيد ثوابت مبدئية: قومية وخُلُقية وتاريخية وإنسانية، يهمنا أن ترسخ في الأذهان وألاّ تغيب من الوجدان، وان يعرفها الناس ويعرفوا موقفنا منها، لا سيما في هذه الظروف بالذات، وعند عتبة استحقاقات السلام ومتطلباته الموضوعية، منها :‏

ـ أن حقنا نحن العرب في فلسطين لا يلغيه اعتراف بعض العرب بحق لـ " إسرائيل " فيها، وليس من حقنا ولا من حق أحد من القادة والساسة أن يصادر حق الأجيال المقبلة في التحرير، ولا حقنا في بناء أجيال على عقيدة التحرير الشامل للأرض العربية المحتلة من قبل الصهاينة أو سواهم.‏

- أننا لن نعترف بـ " إسرائيل "، وسنقاوم كل اعتراف بها، لأنها غرس استعماري عنصري استيطاني، تم في ظل حكم الاستعمار وفي ظل القهر والقوة الغاشمة؛ وسنعمل على بناء قوانا الذاتية التي تمكننا من امتلاك قدرة على التحرير، ولكن في ظل الرفض الشامل لـ " إسرائيل " ولأي حق لها في الوجود والبقاء في أرضنا .‏

- أننا نرفض التطبيع مع العدو الصهيوني بكل أشكاله ومستوياته، وسنقاوم مظاهر التطبيع وصوره ورموزه والمؤيدين له والداعين إليه ، ومروجي بضائعه المادية والمعنوية. ورفضنا هذا يأتي نتيجة منطقية لعدم اعترافنا بالعدو من جهة ولتمسكنا بالاستعداد والإعداد لجيل وقدرات علمية وتقنية ومادية وروحية، تمكننا من استعادة حقوقنا وحضورنا وكرامتنا.‏

- أننا ننظر إلى استعادة الأرض العربية المحتلة، في أيَّة رقعة منها؛ سواء أتم ذلك بقوة السلاح أو بقوة الإرادة والمنطق والحق والتفاوض، على أنه تحرير للأرض من الاحتلال بالوسائل المتاحة وليس مقايضة من أي نوع؛ وعلى أنه خطوة على طريق عودة الأمور إلى نصابها التاريخي في هذه المنطقة، التي لم تكن يوماً إلاّ بحراً عربياً، قد تمر فيه بعض الزوارق أو الأساطيل ولكنها لا تغير حقيقته ووحدة مياهه ولونها وطعمها وانتسابها للأمة العربية. وسوف ننظر إلى كل جهد يبذل من أجل التحرير بتقدير، وسوف يكون معيار الحكم على التصرف والموقف بمقدار ما يبقى وفياً للثوابت القومية والتاريخية والخُلُقيَّة للأمة العربية، ولأهدافها، وإلى المناضلين من أجل تحقيق تلك الأهداف‏

-أن موقفنا من الذين يحملون الراية " الإسرائيلية " ويصيحون بها في الوطن العربي، من مسؤولين ومثقفين، مروجين للتطبيع، هو موقف الرفض والإدانة؛ ولا يمكن أن نقبل منطق مروجي العدو ومسوغي انتمائه الكلي للمنطقة، التي عليها أن تغير هويتها ـ حسب رأيهم ـ ليليق بها الانتماء إليه ويليق به الانتماء إليها؟؟ ولا يمكن أن ننظر إلى منطق أولئك على أنه منطق واقعية - عقلانية، حريصة على بناة الأمَّة وحضارتها، لأنه بكل البساطة منطق يرمي إلى فرض انهزامٍ على الإرادة العربية والروح والعقل والوعي معاً، بعد أن نجحت رموز وقوى أخرى في فرض هزيمة أو شبه هزيمة " عسكرية "، على أرضية المتغيرات والمعطيات العربية والدولية.‏

إننا نتطلع إلى أن تقوم جبهة ثقافية على أرضية ميثاق المثقفين العرب، وان تمارس دوراً مسؤولاً وواعياً في هذه الظروف بالذات، وأن يكون لها حضور في ساحة القرار السياسي العربي، وحضور أشمل في وجدان الجماهير والأجيال القادمة؛ وأن تحمل منطقاً مغايراً لمنطق أولئك الذين يزرعون العدو ويزرعون الانهزامية في الواقع والنفوس، لينشأ في أرضنا على الأقل منطقان في ظل تعددية مشروعة ومطلوبة. فهل يتحقق ذلك ؟ !‏

الأسبوع الأدبي/ع429//15/أيلول/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244