صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

مسؤوليات فردية وجماعية

نحن على أعتاب المرحلة الأصعب من مراحل الاستحقاقات المؤلمة التي نتجت عن مسيرة مدريد، تلك التي هيا العرب أنفسهم لها منذ قمة فاس في السبعينات من هذا القرن.‏

وحين تدق ساعة مواجهة الحقيقة المرة سوف يتلفت كل منا حوله ليرى ما يمكن أن يقوم به مع الآخرين، وقد لا يجد إلى جانبه حتى ظله، وقد يغرق في قرارة يأس مكين.‏

وقبل أن يأزف ذلك الوقت، وتحين ساعة لابد آتية، نود أن نتلمس ما حولنا ونتحسس أطرافنا ومكامن قلوبنا لنحقق مما هو موجود وممكن، ومن قدرتنا على تطوير ذلك الوجود بما يكفل قيام مواجهة مجدية على أرضية الثوابت التي ننادي بها، ونتغنى بقدرتنا على الدفاع عنها.‏

ولا أظن أن موقفاً عاماً ناجحاً وفعالاً يمكن أن يُبنى إلا على مواقف واعية وثابتة وفعالة لأفراد يدركون مواقعهم وقدراتهم ودورهم في تنفيذ الأهداف العامة، وشرائح اجتماعية متماسكة الشخصية والحضور، واضحة الأهداف والرؤى، جيدة الأداء، تملك استعداداً للتضحية والعمل، وقدرة على التنظيم من أجل بلوغ غايتها.‏

ولن يكون ذلك إلا من خلال التركيز على القيم الخُلُقيَّة والوطنية والقومية، ومقاومة أشكال الفساد التي أخذت تنخر تلك القيم، وتحيل شرائح عريضة وكبيرة من المجتمع، وأفراداً ذوي فعالية ومسؤوليته في بنيته وأنشطته، على المستويات كلها، إلى أدوات الفساد ومجالات لتفاعلاته وانتشاره، الأمر الذي يراكم هذا الداء ويحيل الناس إلى وقود له حيث يفقدون مقومات القوة الروحية والصلابة الشخصية، ويتحولون إلى كتل لحمية رخوة، أو إلى أنواع من الرخويات الاجتماعية لا تحسم صراعاً، ولا تقيم للأمة والحق والكرامة قواماً.‏

إن قراراً إدارياً أو توجيهاً رسمياً، لن يكونا قادرين على اجتثاث ما تجذَّر في نفوس وعرش فيها من ذلك الداء، ولن يكونا فعالين في إيقاف الانهيار الذي يسببه ذلك، لأن الأوامر الإدارية أخذت تصطدم "بقيم ومعايير جديدة" سائدة هي قيم "الشطارة.... والقدرة على الوصول إلى المراد الشخصي والنفع الخاص دون الالتفات إلى أي معيار، و" حملني لا حملك، واسكت علي لأسكت عليك"، وهذا كله أصبح جزءاً من مناخ عام يفتك بالمجتمع وقواه الروحية والخُلُقيَّة الفعالة ويؤخر انطلاقته البناءة.‏

وإذ نقر بأن الأخلاق والمواقف المبدئية لا تنشأ بقرار أو أمر إداري أو توجيه، فإننا لا نلغي على الإطلاق قيمة عمليات الضبط والربط التي تنظمها قرارات وأوامر وتوجيهات في التأسيس لأرضية صالحة لنمو القيم والمبادرة والمواقف القومية والخُلُقيَّة الإيجابية.‏

وانطلاقاً من ذلك فإن تعاوناً تاماً، أساسه المؤسسات المدنية، والجهات المعنية والأفراد يمكنه أن يغير معطيات الواقع ليصبح هناك أساس لمناخ جديد تنمو فيه القيم ويتوقف فيه نمو الفساد والإفساد.‏

ولا أظن أن أيَّة جهة أو شريحة اجتماعية أو مؤسسة رسمية أو شعبية، أو حزب أو منظمة قادرة على التقدم الفعلي، حضارياً وتقنياً واقتصادياً، من دون تحقيق تقدم أساس وفعلي في البنية الرئيسة للقيم والمعايير الخُلُقيَّة والقومية، لدى الأفراد والمؤسسات، يرعاها القانون والمجتمع، ويرعاها بالدرجة الأولى مخفر داخلي في كل نفس يأخذ بالاعتبار ما يجوز ومالا يجوز ما هو صحيح وما هو خطأ، ما هو خير وما هو شر، لدى كل فرد اعتماداً على حيوية ضميره ورسوخ عقيدته وصدق انتمائه القومي.‏

وإذا كنا نصل في كل محاولة للبحث عن قوة ومرجع احتكام وطاقة تنفيذ، إذا كنا نصل دائماً إلى الفرد وقواه الروحية وبنيته الداخلية- المعرفية والعقيدية، فإننا لا بد أن نراعي حقيقة أن كل تقدم اجتماعي منوط بتقدم الفرد الذي هو نواة الخلية الاجتماعية الأولى، أي الأسرة ‎، ونواة التقدم العام.‏

وهذا الفرد لا بد من التوجه إليه والتوجه به في آنٍ معاً لهدم ما ينبغي أن يهدم وتشييد ما ينبغي أن يشيَّد، سواء في المجال التكويني-البنيوي للذات، كياناً جسدياً وروحياً ومعرفياً عاماً، أم في المجال الاجتماعي العام وما يتطلبه ذلك من بنى ومقومات وقيم وأسس ومعايير.‏

والتوجه للفرد والتوجه به، جدلية معرفية واجتماعية، روحية ومادية، لابد من مراعاة أطرافها ومقوماتها في آنٍ معاً، وخلق شروط مناخ يتم فيه تفاعلها الإيجابي، وتطور ذلك التفاعل وتقدمه في مجالات العمل والبناء على الصعيدين الفردي والجمعي، الرسمي والشعبي.‏

وهذا يتطلب إيماناً فردياً عميقاً بضرورة المبادرة من أجل التغيير، وإرادة قادرة على تحمل التضحيات ومواجهة الصعوبات ومقاومة أشكال الضغوط والإحباط، وأنواع الحملات الإعلامية، وانعكاسات السلبيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، القومية والقطرية، على الأشخاص والبُنى والأعمال ومستويات الإنتاج والأداء... ويتطلب جماعياً/رسمياً وشعبياً/ أداء موظفاً بوعي وتنظيم، يستهدف خلق مناخ يساعد على الإصلاح ووقف مظاهر الانهيار الروحي والمادي لدى الأفراد وفي الأوساط التي يستشري فيها فساد وتتم فيها انهيارات.‏

وتلك مسؤولية كبيرة يحاسب عليها التاريخ ويسأل عنها الشعب، وتحرسها الثقافة والمؤسسات المعنية بالتقويم والتصحيح على كل الصُّعُد والمستويات.‏

وتتركز بؤرة هذا في مواقع المسؤولية الرسمية والاجتماعية والثقافية والروحية في المجتمع والأمة. فهل نبادر، كل من موقعه وحسب استطاعته إلى القيام بعمل فعال في هذا المجال قبل فوات الأوان، وقبل استحقاقات المراحل الأخيرة في مسيرة مدريد، لكي نكون جبهة تحرص على الثوابت المبدئية، القومية والوطنية، وتقاوم من أجل تحقيق أهداف سياسية وبعيدة الأمد، انطلاقاً من أرضية صلبة أو رؤية واضحة، ومسؤولية تاريخية ومعرفية وخُلُقية واعية لدورها وأهدافها وتأثيرها هام!‏

إن الزمن يستدعي أن نسرع في هذا الاتجاه من أجل إيقاف الانهيار، والشروع في البناء، تحقيقاً للمشروع الهندسي الكبير، مشروع أمة عربية تقي ذاتها ومسؤولياتها التاريخية، وتواجه مواجهات ناجحة في عصر تتقدم فيه أمم بسرعة فائقة، ومازلنا فيه نحاول أن نوقف الانهيارات.‏

الأسبوع الأدبي/ع431//29/أيلول/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244