|
استحقاقات ومراجعات
وزير خارجية " النظام العالمي الجديد " في دمشق اليوم، ليتابع صنع "السلام الإسرائيلي" في هذه المنطقة، ويمرره بالأساليب الأميركية المعروفة، ويأتي الوزير الخطير هذه المرة على خلفية تذكرنا بصهيل الأحصنة الأميركية في الساحات العربية منذ أربع سنوات، حين هيأ لها بعض حمقى العرب فرصاً لتحقيق أغراضها وأغراض حلفائها الصهاينة، وقدموا لـ " إسرائيل " الفرصة التاريخية التي كانت تسعى إليها لتحقيق تسوية لقضية العرب الأولى، أو تصفية لها، على حساب الحق العربي والوجود الفاعل للأمة العربية.
وقد سبقت كريستوفر ورافقته بعض المؤشرات ذات الدلالة، ومن شان ذلك أن يؤكد استجابة لعزم إدارة كلنتون على أن تنجز شيئاً هاماً على المسار السوري ـ " الإسرائيلي " للمفاوضات الثنائية، قبل نهاية العام الحالي، لأن في ذلك:
ـ حماية لما تحقق من " تقدم" على المسارين الفلسطيني والأردني.
ـ دفعاً لدول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى لاستكمال خطوات ومراحل إسقاط المقاطعة العربية لـ " إسرائيل " ودفنها تماماً.
ـ تثبيتاً لمواقف دول عربية أقامت علاقات دبلوماسية مع " إسرائيل " قبل أن تتحرك قواتها خارج المناطق العربية المحتلة مثل المغرب وتونس.
ـ خلق مناخ يساعد الدول العربية الأخرى التي تنتظر " في الصف " لتعترف بـ " إسرائيل " وتطبع العلاقات معها، وتتوغل في تلك العلاقات إلى المدى الذي لم تشهده علاقة قطرين عربيين من قبل.
ولا يخفى على أحد سبب الحرص الأميركي الخاص على تحقيق تقدم في المسار السوري ـ " الإسرائيلي " من وجهة نظر المصلحة "الإسرائيلية" ـ الأميركية، قبل نهاية العام الحالي.
فإدارة كلنتون تريد أن ترفع أسهمها الداخلية لا سيما عند الحركة الصهيونية التي تتحكم بمستقبل الرئاسات الأميركية لا سيما في سنوات الانتخاب، كما تتحكم بالقرارات التي تحرص الرئاسات الأميركية على تمريرها في مجلسي الكونغرس، حيث عمل أصدقاء " إسرائيل " يغدو مؤثراً.
وإدارة كلنتون تريد أيضاً أن تنقل للعرب أهم ذرائعها ونصائحها وأسبابها التي " توجب " تحقيق تقدم في المفاوضات مع حكومة رابين قبل أن تحل فترة الإعداد والاستعداد للانتخابات الإسرائيلية القادمة، بحجة أن ما يمكن أن يحققه حزب العمل لن يحققه الليكود، وما قد يقبل به رابين لا يمكن أن يقبل به نتنياهو.
إن التركيز الآن ينصب في مسارين:
1 ـ تقريب وجهات النظر حول تفاصيل دقيقة وليس حول أمور جوهرية. فقضية الانسحاب من الجولان، كل الجولان، ليست موضوع مساومة ولا موضوع جدل، بمقدار ما هي مماحكات " إسرائيلية " ظاهرة للحصول غلى مكاسب أخرى (مثلا).
2 ـ تهيئة الرأي العام العالمي لقبول الاتفاق والإقبال عليه، وما التنغيم الإعلامي إلا بداية العزف المنفرد على أوتار حساسة، لإعداد الآذان لسماع مثل هذه الألحان.
إن الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تحقق لـ "إسرائيل"، بكل الوسائل الممكنة، حقلاً اقتصادياً خصباً وحانياً عليها، يمِدها بكل ما تحتاج إليه من مال ونفوذ لتتمكن من تنفيذ مشاريعها وخططها، ولتتخلص من ديونها التي تجاوزت /12/ مليار دولار، ولكي تـتحرر هي، أي أميركا، من جزء من الأعباء التي يرتبها عليها وجود " إسرائيل " ككيان مرفوض من العرب ومفروض عليهم بالقوة، ويحتاج من أجل ذلك إلى كم كبير من المساعدات والدعم العسكري؛ لا سيما بعد أن تكشفت لبعض المتنورين الأميركيين حقيقة أن " إسرائيل " ليست القوة الوحيدة التي يمكن أن تحمي مصالح أميركا في المنطقة، بل إنها ربما كانت أحد أسباب الحاجة إلى حماية تلك المصالح أصلا.
إن " إسرائيل " بدأت تتكلم عن منطقة منزوعة السلاح لا تتجاوز مئات الأمتار فيما تسميه " أراضيها " لتتحقق منطقة منزوعة السلاح بين الطرفين بعد الانسحاب الشامل من الجولان.
و " إسرائيل " بدأت تهيئ " مستوطنيها " للانتقال من الجولان والتوطن في مناطق أخرى، وأخذت تضع اعتمادات لمساعدة أولئك.
ومن المعروف أن كل الاعتمادات المالية هي في النهاية مدفوعة عن طريق أميركا من العرب الذين تبتزهم أميركا بطرق مختلفة، ومن بيع السلاح، وبيع الأمن والاطمئنان، وتقديم قوات مرتزقة مرتفعة التكاليف، وكل ذلك تتم تهيئة الظروف والشروط الملائمة له، لا سيما من قبل "مسؤولين " عرب عميت منهم الأبصار والبصائر، وأصبحوا جزءاً رئيساً من برنامج الابتزاز الصهيوني الأميركي الذي ينفذ ضد الأمَّة العربية كلما استدعت الضرورة ذلك، والذين أخذوا يتحركون كالدمى كلما استدعت المصلحة الإسرائيلية تحركهم.
وعلى عتبة هذه الاستحقاقات والوقائع والمعطيات، ما الذي نستطيع أن نحققه فعلياً لتتحول مقاومتـنا للتطبيع مع العدو ورفضنا الاعتراف به، ورغبتنا في استمرار المقاومة لوجوده واحتلاله وكيانه الدخيل، المفروض علينا بقوة القهر وبتواطؤ الغرب الاستعماري، لتتحول تلك المقاومة من دوامات الكلام إلى أفعال ناجزة ؟!
إنه سؤال طالما لُكْنا الأجوبة عليه، وكثر ترديدنا للكلام في مداراته، وبقي أن ندقق في أمر على جانب من الأهمية هو:
هل هناك استعداد فعلي لتحويل الكلام إلى فعل مواجهة، وهل هناك مواقف مزدوجة في صفوف أصحاب الكلام الإيجابي المتعلق برفض الاعتراف والتطبيع، وهل هناك إمكانية للخلاص من ازدواجية الوجه والقناع ؟! وهل يتخذ الواقفون بانتظار أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ليسيروا في المسار " الرابح أو المربح "، هل يتخذ أولئك موقفا مغايراً ينتمي إلى المبدئية ؟!.
أم أن التغيير شمل حتى المبدئيات والثوابت والحقوق والنظر إلى الأرض، وأصبحت كل القيم والأفعال، حتى المرفوض والمدان منها، تعبر عن وجهة نظر، أو تتغير الأحكام عليها حسب وجهة النظر السائدة ؟!
إن أخطر ما نواجه في هذه الظروف الصعبة هو المخاطر التي يتعرض لها سلم القيم والمعايير الاجتماعية والقومية والنضالية والخلقية، وهو ما يلخص في نهاية المطاف قوام الإنسان وقوام الأمة.
وإن الدعوة قائمة لمراجعة شجاعة وأصيلة ودقيقة للذات في ضوء المعطيات التي تراكمت حتى الآن، وتلك التي يشف عنها حجاب شفيف يكاد لا يكون حجاباً أصلاً!! وفي ضوء الاستحقاقات الكبيرة التي تقرع أبواب بيوتنا وضمائرنا ووطننا. فهل نحن فاعلون؟! وفي أي اتجاه يكون المسار يا ترى لأكثرية من يعنـيهم الموقف والمبدأ والوطن والحق ومعنى أن تكون الثقافة رائدة وفاعلة ومعبرة عن الحضور الإنساني في الظروف التاريخية الصعبة ؟!
الأسبوع الأدبي/ع433//13/ت1/1994
|