|
هل سوى طريق النضال من طريق ؟!
اليوم، وبعد مرور سنة وشهر على اتفاق " أوسلو "، وتوقيع اتفاقية اعتراف ياسر عرفات بـ " إسرائيل "؛ يبدو بجلاء أن الصهاينة وحلفاءهم من الغربيين والعرب قد نجحوا في شق المجتمع الفلسطيني إلى قسمين. قسم شبه " رسمي " متعاون مع " إسرائيل " تلاحق شرطتُه من يلاحق أعداء الشعب الفلسطيني ومحتلي أرضه ومضطهِديه، (؟!! )، وقسم شعبي يتمسك بالمقاومة طريقاً للتحرير، وبالثوابت القومية، وبالميثاق الوطني الفلسطيني وبتاريخ النضال. وإذا كان التعاون أو قل التواطؤ، بين عرفات ورابين ضد مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي وأطفال الحجارة، بقي موضع أخذ ورد، تشوبه من آن لآخر رغبة في استخدام ورقة التوت ليقوَى موقعُ عرفات وموقفُه؛ فإن قضية الجندي الصهيوني المحتل، الذي قُتِل مع آخرين في " بير نبالة " كشفت البعد الذي وصل إليه التعاون بين الشريكين في " نوبل " الملطخة أيديهما بالدماء. فكل الدلائل والتصريحات والأفكار تشير إلى أن سلطة الحكم الذاتي في غزة، التي احتجزت أفراد حماس والصحفي العامل في وكالة رويتر - شقيق أحد الشهداء الفلسطينيين الذين اشتركوا في عملية " بير نبالة " - هي التي قدَّمت المعلومات إلى " إسرائيل " قبل وقت قصير جداً من انتهاء المهلة التي حددها مقاتلو حماس لتنفيذ وعودهم، إذا لم يطلق سراح معتقليهم. ويبدو من هذا التعاون بصيغته الراهنة أن عرفات قرر أمرين:
1 ـ أن يعلن على الملأ أنه لا يتمتع بأي نوع من أنواع الاستقلال، وأنه يتلقَّى أوامر من رابين، وأن كل تأخر في تنفيذه لما يطلب إليه تنفيذه يعرِّض غزةَ للحصار، ويعرضه هو لمزيد من الاختبارات والامتحانات، ويقرِّب من فرص وضعه في قفصٍ، تدور به حوَّامةٌ " إسرائيلية " على قرى ومدن فلسطين المحتلة، ليعرض على الناس بوصفه غنيمةَ رابين.
2 ـ أن يسرع إلى كسب الرهان على أنه أفضل من اعتمدت عليهم "إسرائيل"، ومن يمكن أن تعتمد عليهم لإنجاز مخططاتها ومشاريعها، وأنه أفضل الشركاء في عملية تصفية الانتفاضة، والمعارضة الفلسطينية المسلحة، ومن يعترضون على صيغ الاستسلام والتسوية، ومن يتمسكون بالميثاق الوطني الفلسطيني وبالثوابت القومية والتاريخية للأمة العربية؛ ومن ثمة فإن اختياره حليفاً من المرتبة الممتازة " لـ " إسرائيل " " هو اختيار صائب، وأنه أحق من الملك حسين بهذه الخطوة ـ الحظوة، وأقدر منه على مواجهة الفلسطينيين؛ إذ أنه كما يقول المثل: " الشجرة لا يحنيها إلاَّ غصنٌ منها، وهو الفلسطيني القادر على أن يحني رأس فلسطين؟!!
لقد ثبت في عملية " بير نبالة " أن إسحق رابين اختار أن يعود إلى طبيعته وحقيقته بوصفه رجلاً دموياً عنصرياً يتشهَّى الدم، وأنه لا يمتُّ إلى روح السلام بصلة؛ وجاء اختياره هذا ليكلل بالعار من منحوه جائزة نوبل للسلام. إنه لم يختر الحياة " لنخشون فاكمسان " والحرية للشيخ أحمد ياسين، والحوار مع سلطة عرفات، وإنما اختار الموت لعريفه الأسير، والسجنَ والظلم للشيخ المعتدَى عليه والمختطف من رحاب أمانه واطمئنانه؛ واختار القمع والإرهاب والإنذار لتابعه عرفات. وهو باختياراته تلك لا يوضِّح طبيعته العنصرية الصهيونية ويؤكدها فقط، وإنما يعلن عن أساليبه وخططه، التي ينتهجها ليحقق مشاريع " إسرائيل الكبرى "، وليقدم نوعَ السلام الذي ينادي به إلى العرب، ووجهَ المستقبل الذي يراه لشرق أوسط بيريس شريكه في الإرهاب وفي جائزة نوبل معاً.
إن رابين يطلب من عرفات تصفية حماس، ويذكره بأنه لم يأت إلى غزة إلاَّ لتنفيذ هذه المهمة الوطنية التي هي جوهر تصفية الانتفاضة والمقاومة والميثاق الوطني الفلسطيني، ومن ثمة القضية برمتها. ورابين يعلن لكل من يعنيهم أن يسمعوه في المنطقة، أنه سوف يتابع المعادلة التي تنطوي على تناقض لا يريد أن يزيله، فهو يريد أن يلاحق الفلسطينيين ملاحقة لا هوادة فيها وكأنه لا يقيم معهم سلاماً من أي نوع، ويريد أن يبتز فريقاً منهم ليساعده على تنفيذ السلام ضد أعدائه من الفلسطينيين، ليثبت أنه شريك في عملية السلام. وهو في الحالين من هذه المعادلة يفتِك بالفلسطينيين بيديه وبيدي من يتعاون معه منهم. وهذا يقدم للمشروع الصهيوني فرصاً أوسع للتحقق لأنه:
ـ يمزق الشعب الفلسطيني المستهدَف، ويضرب قواه بعضها ببعض.
ـ يعرِّي الشعب الفلسطيني أمام " إسرائيل " من كل قوة شقيقة أو صديقة. لأن العرب دخلوا في سلام " عرفات - رابين "، ويريدون لهذا " السلام أن يستمر ويستقر ". والنتيجة لا يريدون الالتفات إلى أيِّ صراخ واستنجاد يأتي من ساحل المتوسط.
ـ يعطي للعالم الانطباع بأن ما يجري في فلسطين ما هو إلاَّ ترسيخ للسلام، واجتثاث لمن يعادونه. وهذه أمور تبدو طبيعية في منطقة عرفت عقوداً من الحرب وعدم الاستقرار!؟
ـ أن يستشهد الأعداء العنصريون بأصوات مسؤولين عرب على عدائية بعض العرب لهم وعدوانيتهم، وأن يستفتوا بعض المسلمين في شأن الإسلام والمسلمين، فيفتكوا بهم بعد أن يشوهوا صورتهم، التي يحرص الغرب والصهيونية على تشويهها، كما يحرص بعض العرب علي ذلك. وتأتي أفعال غير مقبولة أحياناً لتؤكد هذا الوجه غير المستحب، الذي تقدمه للناس بعضُ الممارسات.
إننا أما الامتحان الصعب، وأمام كتلة التزييف الكبرى التي تتدحرج فوق صدورنا فتكبر وهي تخنقنا. فها نحن نرى أن الإرهابيين الخلَّص هم الذين يصموننا بالإرهاب؟! ونرى أن المحتلين لأرضنا، والمضطهدين لشعبنا، هم الذين يصدرون أحكاماً وأوامر في كل ما يخصنا، ونراهم يقيمون العالم ولا يقعدونه من أجل جندي عنصري أميركي جاء ليقتل الفلسطينيين ويحتل أرضهم ويدنس مقدساتهم، فيتحوَّل إلى قضية تقوم لها المنظمات الدولية والدول وحتى شيوخ المساجد؛ في حين تفتك " إسرائيل " بالأبرياء في كل لحظة وتقتلهم، وتشرِّد أهل " كفرحونة " وأهل " حولا " في لبنان، وتختطف شيوخ المساجد، وتهاجم البيوت فتهدمها على رؤوس ساكنيها، وتعتقل من تعتقل؛ من دون أن يرتفع صوت احتجاج أو تتحرك دولة، أو تحتج وسيلة إعلام؛ وكأن هذا العالم متواطئ معها أو مملوك لها، أو عاجز لا يتحرك إلاّ إذا حملته هي على عصا!؟.
إنه البؤس ويزيد كثيراً، وإنه العجز ويسيل سيلاً خطيراً، في أرض العرب وفي دنيا لا يصلها صوت العرب. وأخطر من هذا وذاك التعاون والتواطؤ اللذين يتمان بين الأعداء ومسؤولين أو شرائح من أبناء أمتنا ضد من يرفض العدو والاحتلال والانسحاق؛ وهم يقومون بذلك تحت مظلة " السلام " وباسم احترام اتفاقيات ومعاهدات ليست جديرة بالاحترام. وحين نصل إلى عنق الزجاجة هذا، نسأل أين طريق الخلاص، وكيف الوصول إلى مسارها النظيف؟؟ إن عملية حماس في " بير نبالة" منار يضيء في نهاية نفق من الظلام والظلم اللذين يخيمان على الأنام، ولقد هزت هذه العملية البطولية " إسرائيل " وأكدت هشاشة كيانها، وأدت إلى تكبيدها خسائر بشرية كان من الصعب الوصول إلى مثلها بغير تلك العملية وأمثالها.
لقد كنا ندفع عشرة في مقابل واحد، وفي هذه العملية دفعنا ثلاثة في مقابل اثنين وأحد عشر من الجرحى، وخلقنا بلبلة في صفوف " إسرائيل ".
إن هذه العملية وأمثالها مما يساعد على استعادة الثقة والمبادرة وإرهاق جيش العدو، وكشف العملاء وتعرية الوجوه الشائهة التي تتآمر على شعبها وقضاياها. وفي السير على طريق هؤلاء الأبطال الشهداء الذين قضوا في " بير نبالة " يمكن أن نؤكد مساراً ناجحاً لإسقاط الاتفاقيات الجائرة، ونعري التواطؤ المعلن ضد شعبنا وقضايانا، ونسترد ثقتنا بأنفسنا وبحقنا في الاختيارات السليمة التي نختارها، لنبقي شعلة الوطن متقدة، وطريق التحرير مطروقة، وشجرة الخير والشهادة مثمرة في أرضنا، التي عرفت - عبر تاريخها - كيف يروي أبناؤها تربة الحقيقة فيها بالدم، وكيف ينتزعون حقوقهم بالقوة واستمرار النضال مهما طال الزمن.
تحية لشهداء " بير نبالة "، ولعنة سخط على الصهاينة القتلة والآمرين بالقتل، وعلى المتواطئين معهم؛ أولئك الذين لا يرون إلاّ بأعين صهيونية، ولا يحركهم إلاّ عواء الذئاب وهي تلغ في دماء الأبرياء .
وإن الغد لمن يعرف كيف يصنعه، وآمل أن نتعلم كيف نصنع غدنا الذي نحمي فيه أطفالنا وأوطاننا وحقوقنا وعقيدتنا وقوميتنا وقضايانا. وهل سوى طريق الكفاح والتضحية والحرية والوعي العلمي والمعرفي، هل سوى طريق الإيمان والديمقراطية والنضال من طريق توصلنا إلى ذلك؟!! إنني لا أرى سوى طريق النضال من طريق.
الأسبوع الأدبي/ع434//20/ت1/1994
|