صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

على مدخل عصر الشيكل و العوزي

الأردن الرسمي احتفل في وادي عربة بتوقيع اتفاقية صلح منفرد آخر، في سلسلة الاتفاقيات العربية المنفردة التي تعقد مع "إسرائيل"، تنهي حالة الحرب،وتقيم العلاقات السلمية، وتؤسس عملياً وبسرعة فائقة، للحلف الجديد الذي يقوم بين "إسرائيل" والأردن بتمويل ودعم من الإدارة الأميركية، وبعض الأنظمة العربية.‏

والأردن الرسمي يشعر بأنه حقق نصراً ما بعده نصر في ذلك الذي سار فيه، وحجته أنه استعاد أرضه ومياهه وسيطرته غير المباشرة على الأماكن المقدسة في القدس الشريف، وتخلص أولاً وقبل كل شيء من كابوس كان يلاحق كبار المسؤولين فيه هو كابوس (الوطن البديل) أو(وطن الفلسطينيين)، الذي كانت تقول به الأوساط السياسية الصهيونية وتطرحه في مشاريعها المقدمة لحل القضية الفلسطينية، وتهدد به في كل الأزمات.‏

ونحن لا نقلل من أهمية التخلص من هذا الكابوس الذي طالما أرَّق الأردن الرسمي، ونتفهم ـ بعكس الوزير كريستوفر ـ معنى أن يعلن الملك حسين أنه الآن يشعر بالأمان والاطمئنان، وأنه استعاد لأول مرة هدوءاً على أرضية الحدود الواضحة والمحددة والمعترف بها منذ تأسيس المملكة؛ نتفهم ذلك لأن الأردن الرسمي كان يعاني من هذه الهواجس في ظل حضور فلسطيني كثيف فيه، وضغط " إسرائيلي " شديد عليه، وتنمية مستمرة للهواجس والمخاوف كانت تتم جراء ذلك، حتى من قيادات فلسطينية وعربية، فأيلول الأسود ماثل في أذهان الجميع.‏

ولكن أيا كانت المبررات والدوافع التي يراها الأردن الرسمي مشروعة لاتخاذ خطواته تلك، فإنها من منطلق قومي ونظرة واقعية واستشراف مستقبلي، ليست مقبولة ولا مبررة.‏

فالأردن الذي يدخل (عالم السلام الإسرائيلي) على أرضية اتفاقية وادي عربة يدخله في ظل الحقائق والوقائع التالية:‏

1 ـ خلافه الموضوع على نار حامية بينه وبين الفلسطينيين حول القدس، وهو يمتد ويتسع وتزداد هوامشه وقد يغدو، بفضل التغذية الإسرائيلية المدروسة لهذا الخلاف، حرباً من أنواع الحروب التي لا تقدم استقراراً للوطن العربي كله وللأقطار المتنازعة وسياستها، ولا تترك نوعاً من أنواع الازدهار يقوم بين الناس، على أرضية الصراع العربي ـ العربي يراد به أن يصبح البديل العملي للصراع العربي ـ الصهيوني.‏

2 ـ خروج على مبدأ التنسيق والتضامن مع ما كان يسمى (دول الطوق). والانفراد بحلول واتفاقيات سيكون لها تأثيرها السلبي مع تلك الدول، مما يجعل كل دولة تواجه منفردة، أي تواجه وهي ضعيفة تماماً.‏

3 ـ تأجير للأرض يبرر استمرار الاحتلال، ويقدم سوابق خطيرة في الوطن العربي تجعل "إسرائيل" مهيمنة على الجغرافية التي لا بد لها منها التصنيع تاريخاً لها في المنطقة.‏

4 ـ تحكم تام بمستقبله الاقتصادي من خلال الممول الرئيس وهو الإدارة الأميركية، التي وعدت بتقديم أربعة مليارات دولار موزعة على عشر سنوات، ولكن قرار " إسرائيلي " بالدرجة الأولى، وكما هو الحال مع عرفات في (محمية غزة) سوف يبقى يلهث ويصرخ ويقدم الدليل تلو الدليل على حسن النية والانصياع لكي يقبض ما يسد الرمق. وسوف تؤدي هذه المساعدات شيئاً فشيئاً إلى اعتماد الاقتصاد الأردني على اقتصاد الغير، ومن ثمة امتلاك الغير للقرار الأردني الرسمي.‏

5 ـ اكتفاء مطلق بمفهوم ضيق للوطنية والإخلاص لقيمها يلغي كل ارتباط قومي وكل مصلحة وقومية عليا، ويضيق النظرة والصلة إلى أبعد مدى، ويترك المقبلين على التحالف مع "إسرائيل" في حالة خيار بين أمرين:‏

أ ـ نبذ كل صلة بأمتهم وقضاياها، وشن حملات على أقطارها تؤدي إلى حروب عليها وعلى مصالحها ليستمر التحالف مع " إسرائيل" في ظل الراعي الأميركي، ليستمر الرضا والتمويل والتعاون " الإسرائيلي " ـ الأردني الرسمي.‏

ب ـ نبذ للتحالف أو تقصير في أداء الالتزامات المترتبة عليه، وهذا يؤدي إلى عودة إلى حالة القلق والأرق الملكيين، وإلى حصار اقتصادي وربما عدوان، وعودة، غير محمودة النتائج، للعرب الذين قد يرضون وقد لا يرضون وقد يتعاونون وقد يرفضون، وتبقى العلاقة فيما بينهم قائمة على الشك مما يضعف الموقف حيال العدو.‏

وفي كل من الحالتين يبدو أن " إسرائيل" هي التي ستكسب لأنها في الحالة الأولى تقاتل العربي بالعربي، وفي الحالة الثانية تترك العرب يتقاتلون وتفتح أمامهم سوق التزود بالسلاح، وسيكون ذلك هو المناخ الذي تخلقه في الحالتين لترويج السلاح؛ فأكبر ما تقدمه " إسرائيل" للسوق (الشرق أوسطية) التي يراها الغرب وينادي بها بيريس والتي تعقد مؤتمراً عربياً ـ "إسرائيلياً" يقيمها على أرضية من ثبات ونبات، أكبر ما تقدمه " إسرائيل " لتلك السوق من منتجاتها المباشرة، التي ستترك العرب يحتاجون إليها أيما حاجة، هو (العوزي) وبقية أنواع السلاح من الدبابة إلى الطائرة، وهذا يجعلها ترتفع إلى مجالات تصنيع أعلى وأرقى، وتبقى على تفوقها وخصوصيتها المقرة غربياً بامتلاك السلاح النووي وتطويره، وأخذ الأموال من العرب لضمان استمرار برامجها التسليحية، واستراتيجيتها الصهيونية التي تريد الآن، ولمرحلة زمنية قادمة، امتلاك قوة اقتصادية وهيمنة أمنية تمهيداً للتوسع الجغرافي تحقيقاً لمشروع " إسرائيل الكبرى"، فـ " إسرائيل " التوراتية؛ وهو المشروع المستمر والذي يؤكده الصهاينة باستمرار.‏

إن اتفاقيتي أوسلو ـ ووادي عربة مهدتا بالفعل الطريق أمام " إسرائيل "، لا ليُعتَرَف بها ويجري تطبيع العلاقات عربياً معها فقط، وإنما لتتحكم بصنع المستقبل من حيث كونها جزءاً رئيساً في تمويل المشاريع الاقتصادية والأسواق التجارية، ومن حيث كونها المحرك للصراعات الجديدة والمتحكم باستمرارها، وبمناطق إثارتها. فهل ندخل على أرضية الاتفاقيات التي فرضتها اتفاقية (كامب ديفيد) عصر (الشيكل) الذي يعرينا وينتهك حرماتنا ويفسد ما بقي من قيمنا وتكويننا، وعصر (العوزي) الذي يوضع باليد العربية لتزهق به الأرواح العربية، على أرضية إحلال الصراع العربي ـ العربي في مكان الصراع العربي ـ الصهيوني؟! إن تلك تساؤلات مقلقة مرهقة مطروحة على من يهمهم أمر العرب، وأمر المستقبل في وطن العرب، ووطن المستقبل في بلادهم .‏

الأسبوع الأدبي/ع436//3/ت2/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244