|
سلة الإرهاب الأميركية
أكَّد الرئيس الأميركي بيل كلينتون، ربما للمرة الرابعة، استعداد إدارته لمواجهة من سماهم "الإرهابيين" الذين يتهمهم بمعاداة (السلام) وقتل الأبرياء، وجدد التزام إدارته النابع من التزامات أميركية، رئاسية ونيابية، سابقة، بدعم حلفائه من تصديهم لأولئك الذين " لا يجوز أن ينجحوا ويجب ألا ينجحوا ولن ينجحوا في تحقيق أهدافهم".
وأعاد الوزير كريستوفر، في قمة الدار البيضاء، التي عقدت لصالح "إسرائيل" وبتخطيط بعيد المدى منها، أكد مقولات رئيسه وإنذاراته واستعداداته؛ وحدد، كما حدد رئيسه، أولئك الذين يطالهم التهديد، وبالأحرى يوجه إليهم، بأنهم، كما قال بالحرف: " قوى التطرف التي تلجأ إلى الدين والقومية لتعليل عنفها وإرهابها".
وهذه التأكيدات المتتالية التي ازداد زخمها وتصاعدت وتائر أدائها انطلاقاً من " وادي عربة " تأتي بعد استكمال الترتيبات والاستعدادات التي تقوم بها القوى الإسرائيلية والعربية، التي جمعتها شراكة المصلحة والمصير" برعاية أميركية سامية.
ويحق لنا أن نتساءل: تُرى من هم المعنيون بالتهديد الأميركي ـ الإسرائيلي؟ وما هي الأدوات والوسائل والجهات التي تتولى تنفيذ ذلك التهديد؟؟
حين يحدد الرئيس كلنتون ويؤكد وزيره كريستوفر ما ذهب إليه كل من رابين وبيريس، وحين يبدأ عرفات والملك حسين عمليات التهديد والتنفيذ، على أرضية ذلك التحديد والتهديد، فإنها تحدد مدارات العمل خلال مراحل قادمة، أمّا المقصودون بذلك العمل فهم حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة، وحزب الله والتيارات الإسلامية والقومية في لبنان وفلسطين / الداخل والخارج/ وفي الأردن وسورية؛ تلك التي تتمسك بتحرير المحتل من الأرض، وتطالب باستعادة الحقوق العربية الثابتة، وتعارض اتفاقيات " أوسلو " والقاهرة ووادي عربة، ونتائج القمة الاقتصادية في الدار البيضاء وأغراضها البعيدة، وصولاً إلى حدود دنيا من الحق والبقاء، وإلى حالة أفضل من الإعداد والاستعداد لمواجهة استحقاقات المراحل الصعبة التي تمر بها منطقتهم ومتطلبات العقد القادم وتحدياته.
وهذه الفئات التي تجمعها أهداف مشتركة، وثوابت مبدئية ونضالية واحدة، ليست موحدة الصفوف، ولا يقوم بينها حوار حقيقي للوصول إلى ذلك، على الرغم من استشعارها للمخاطر التي تحيق بها؛ وهي بحاجة إلى تجاوز رواسب من مراحل ومواجهات سابقة زرعت بينها الشك كما، إنها بحاجة إلى مراجعات مشجّعة تجعلها تقف على حقيقة ما فرَّق قواها وزرع الشقاق والتنازع فيما بينها، على الرغم من انتمائها لشجرة لا تنقسم وتبقى محافظة على حياتها وعطائها، وهي لحمة العروبة والإسلام.
إن تحديد التحالف الأميركي ـ " الإسرائيلي " ـ العربي الجديد لأعدائه الذين يسميهم "إرهابيين وأعداء للسلام" بالقوميين والإسلاميين، واتهامه إياهم بالعنف والتطرف والإرهاب، وإعلأنه الحرب عليهم؛ يعني بكل الوضوح بداية لمعركة معلنة ضد العروبة والإسلام معاً، ضد القومية والدين، لأن الذي يتحالف مع "إسرائيل" في شركة " مصلحة ومصير" ضد أمته وقضيته ليس ممثلاً للعروبة التي تحمل روح الإسلام، ولا للإسلام الذي يستند إلى سنديانة العروبة ويغذّيها؛ وقد يكون منهما في مقام أبي لهب وأبي جهل والأسود اعبسي ومسيلمة الكذاب، ولكنه لن يكون المنقذ والمؤتمن والمحرر.
وحين يحدد "الأسياد الأميرو ـ إسرائيليين" لأتباعهم ساحة المواجهة والأعداء والتوقيت، ويقدمون لهم كل أشكال الدعم، ويعلنون على الملأ أنهم لهم حماة؛ فيجب ألاّ نستغرب تغيُّر لهجة الأتباع وتغيُّر أسلوبهم، ومباشرتهم أداء المهام بالعنف والحقد اللذين يثبتان لأولئك الأسياد أهلية الإتباع واقتدارهم.
ولكن اللغم الموقوت الذي يعرف كل فريق من الأتباع وجوده، ويعرف أنه سوف ينفجر في لحظة ما، ويسير قدماً وهو يدعو، أن ينفجر اللغم، بالتابع الآخر الذي يشاركه المهمة، متوكلاً على وعد سيده له بالسلامة والأمن والبقاء؛ ذلك اللغم سوف ينفجر، مما يمكن أن يسفر عن حرب بين فلسطينيين وفلسطينيين، وحرب بين أردنيين وفلسطينيين، وصراعات لا نهاية لدمويتها، بين عرب وعرب، تغذيه أميركا " بالدولار" و " إسرائيل" "بالعوزي"، ويدفع ثمنها العرب؛ حيث يتحقق على أرضيتها حلم الصهيونية العنصرية، والصليبية الإمبريالية المستمرة العداء للعروبة والإسلام معاً؛ تلك التي لا تفرق بين عربي مسلم وعربي مسيحي في عدائها، وتريد أن تجعل العربي وقوداً للعربي. وهي معادية للقومية والدين في هذه الأرض بشكل صريح، زاعمة أنها تحب "السلام" وتحرص عليه، في حين أنها تحب التجارة والاستغلال والمال ولا تحرص إلاّ عليها، وهذا ما أكده كريستوفر بصوت مرتفع في الدار البيضاء حين أعلن " أن الشرق الأوسط مفتوح للأعمال التجارية ولا عودة للماضي". وقوى الماضي، والماضي ذاته عند "إسرائيل" والإدارة الأميركية هو الحضور القومي، واستمرار الصراع العربي " الإسرائيلي " على أرضية ثوابت الحق والشعب والتاريخ..
إن معسكر أعداء الأمَّة يريد أن يستبدل صراعاً بصراع، ولا يهمه أبدا أن يوقّينا المشكلات والأزمات، ويريد أن يجعلنا دائما ندفع الثمن، ويريد أن يطفئ كل شعلة تضيء الطريق أمام أبناء الأمَّة وأجيالها، ولا تهمه الوسائل، ولا يحرص إطلاقاً على دم وحرية وعدل وحق من أي نوع لأمة العرب ولمن يعتنق الإسلام ؛ فكل من يعارض مشاريع ذلك المعسكر ومصالحه هو بنظره عدو للمجتمع الدولي، وخارج على القانون، وليست له حقوق من أي نوع.
فهل تُرانا نقوم بما يحتِّمه الوعي والمصير والعدل وحق الشعب علينا من واجبات بإجراء مراجعة شجاعة من شأنها أن تجعلنا أكثر تماسكاً واقتداراً على المواجهة، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر اقتداراً على إحباط مخططات "إسرائيل" وأميركا؛ حيث نحتكم إلى ثوابتنا وضمائرنا وقيمنا، ونمنع الأدوات التي يستخدمها أعداؤنا ـ وهي من بيننا ومن صنع بعضنا ـ من أن نفتك بقلوبنا!؟
إن "شرق أوسط" بيريس ورابين وكلنتون وكريستوفر هو النقيض لهوية وطن العرب ولثوابت أهله، ولانتمائه لتاريخ وجغرافية عبر التاريخ، وهو محاولة مكشوفة لإحباط كل مشروع نهضوي وتحريري عربي، وتزوير وتزييف النضال والشهادة والتضحيات التي قدمها العرب طوال هذا القرن من أجل التحرر والتحرير والخلاص من أشكال الاستعمار؛ وهو بالدرجة الأولى المسمار الأخير في " نعش" الدعوة للوحدة والتضامن العربي، ولأي شكل من أشكال العمل العربي المشترك، الذي يعلي مصلحة عربية عليا مشتركة .
وهو في معيار المصلحة: مشروع استثماري استعماري
أميركي ـ صهيوني ـ لا يرمي إلى السيطرة على اقتصاد المنطقة وقرارها السياسي وأمنها فقط، وإنما يرمي إلى أبعاد اجتماعية أخرى في مقدمتها إفساد شبابنا وقيمنا، وجعل الكثير من أولئك الشباب يسقطون في مهاوي الانحلال والاهتمامات السطحية، ويُسحقون تحت وطأة مجتمع استهلاكي، ويصبح قيدهم في يد من يقدم لهم أشكال المتع العابرة. وحين يتم ذلك تحت وطأة التهديد المكشوف للقومية والدين، وتحت إغراء مكشوف "برفاهية" تجارية ـ سياحية تقوم على ازدهار أندية العري والقمار والدعارة في الأماكن التي يزعم أنها سوف تصبح أسواقاً مشتركة " للمُطَبِّعين الجدد"، فإن تنبُّه المعنيين بالأمة ومستقبلها وقيمها يصبح أكثر من ضرورة وواجب؛ وان عدم التنبه يصبح كفراً مثلث الشعب: كفر بالله والوطن والأمة، بالحق والعدل والحرية، بالشعب والشهادة والنضال.
الأسبوع الأدبي/ع437//10/ت2/1994
|