|
قرن المحتالين الكبار
قال العنصري إسحق رابين للصحفيين يوم الخميس الماضي، والدم يتفجر نذراً من شفق " غزة " عشية جمعتها الحزينة، قال: " إن العناية الإلهية والتاريخ ألقيا على عاتقنا أن نكون الجيل الذي عليه أن يقرر مستقبل الشعب اليهودي والدولة اليهودية ." وأضاف " كنت أفضل جيراناً آخرين، لكنهم جيراننا، وحيال جيران من هذا النوع ليس أمامنا سوى خيار ين، إمّا العيش في حرب وعنف وإرهاب وإمَّا محاولة العيش في سلام ".
ولقد اختار رابين الذي " كلَّفته " العناية " الإلهية والتاريخ " بمسؤوليات معينة!!؟ اختار" السلام" مع عرفات على شرط أن يكون الأخير في حرب مع شعبه، وظل رابين يشترط ويلح ويدفع باتجاه الصدام الدامي، ويمهد لعرفات طريق تنفيذ اتفاقية " أوسلو " التي تشترط على الأخير أن يصفي من تعتبرهم "إسرائيل" " أعداء للسلام.
وحين خير عرفات، في لقاء القاهرة قبل أسابيع، بين "إسرائيل" والسلام" وبين شعبه اختار " إسرائيل"، ووعد بان يلاحق حماس والجهاد الإسلامي بكل قوته، وكان يسوّف ليقبض، ولكنهم اشترطوا عليه أن ينفذ ليقبض، وكان ما كان في غزة؛ وفي الحال ألحَّ الرئيس الأميركي على تزويد عرفات بالمال، وتدخلت " إسرائيل" لتقدم النصح والوساطة و" ما تبقى في جعبة حكمائها من حكمة "، وتم وضع عرفات في الموقع الذي اختاره وسعى إليه وتعشَّقه دائماً : " رئيس مخفر دموي ينفذ أوامر سلطة عنصرية، عجزت عن قمع الانتفاضة وعناصر المقاومة الفلسطينية فعهدت بتلك المهمة إلى أيد فلسطينية ".
ولم يتوقف رابين عند مطالبة عرفات بملاحقة من يعتبرهم " أعداء السلام" وإنما وضع الملك حسين، من خلال اتفاقية وادي عربة، في الصف المؤيد لذلك التوجّه، وانطلق يطلب عوناً عالمياً لكل من يساهم في القضاء
على المتطرفين، وقال رابين أمام " ايباك":
"إن العقبة الرئيسية أمام السلام في الشرق الأوسط ليست الحكومات العربية إنما الحركة الإسلامية المتطرفة " و"سيدرك العالم في نهاية الأمر أن المتطرفين الإسلاميين هم أعداء الاستقرار والهدوء(....) ومن غير تعاون دولي سيستحيل مواجهتهم ".
رابين ومن قبله شامير وحاييم هرتزوغ إضافة إلى "الداعية" بيريس استنفروا الإدارة الأميركية والغرب الاستعماري، بعد حرب الخليج الثانية مباشرة ضد القومية العربية والإسلام، وأخذوا يركزون لتدمير كل قوة وكل أمل يأتيان من هذين المصدرين، لأنهما يرفضان الانصياع والإقرار بالهزيمة وبحق لـ " إسرائيل " في الوجود على حساب العرب. وقد رأوا، حينما اختاروا بين عرفات والانتفاضة، أن عرفات سوف يحقق لهم انهياراً عربياً للمقاطعة والتربص وإرجاء الاعتراف، لأنه سيدخل "باسم فلسطين والشعب الفلسطيني " إلى ساحة الاعتراف بـ " إسرائيل " وبحقها في الوجود بأمان؛ وسوف يوفر ذلك لـ" إسرائيل " إمكانات هائلة لاختراق الوطن العربي، وسياج العلاقات الدولية، ولتحقيق مكاسب مالية لا نهاية لحدودها.
وبعد أن توصل الإسرائيليون والأميركيون إلى وضع عدة عجلات على طريق السير السريع، وهي:
- عجلة انهيار التضامن العربي.
- عجلة الاعتراف العربي بـ " إسرائيل " ورفع المقاطعة العربية لها، وتطبيع العلاقات معها.
- عجلة الدم الفلسطيني، والإنذار بتفجر الدم العربي - على أرضية الخلافات الناشئة عن الاتفاقيات المشينة.
بعد أن توصلتا إلى ذلك تفرغتا للعبث بمن وبما تبقى من مواقع الصمود والتشبث بالمواقف السليمة، وأخذتا تفتعلان المشكلات والعقبات وتصدران الافتراءات على أرضية ازدواجية المكاييل المعروفة والمكشوفة.
وفي هذا الإطار يأتي قول جيسي هيلمز المرشح لرئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي الذي قال لمندوب شبكةC. N. N. في مقابلة معه:
" اسمع.. عملية السلام هذه برمتها ما هي إلاّ احتيال، ويحسن بك أن تنظر جيداً إلى ما يحدث، إن سورية لا تريد السلام.. إنهم يريدون مرتفعات الجولان، ويريدون مدخلاً يوصلهم إلى أموال دافعي الضرائب الأميركيين. ثم إنني لا أظن أنه ينبغي لنا أن نقوم بدور شرطي العالم ". فهو يرى أن " عملية السلام ما هي إلاّ احتيال " عندما يتعلق الأمر بمطالبة سورية بالجولان، ولكنه لا يرى فيها احتيالاً عندما تضع أميركا كل ثقلها وثقل الغرب معها لتفرض على العرب الاعتراف بحق " إسرائيل" في فلسطين وتقدم لها عشرات المليارات من الدولارات؛ فسورية من وجهة نظره " تحتال" لتأخذ الجولان، أمّا "إسرائيل" فليست كذلك مع أنها تسرق وطن الغير، وتحتل أرض العرب، وتأخذ أموال دافع الضرائب الأميركي، وتزيِّف حقائق التاريخ ووقائع الحاضر ؟!
وسورية - من وجهة نظر السناتور - تريد أن تصل إلى أموال دافع الضرائب الأميركي، أمّا الاحتيال الأميركي المعلن على أمتنا العربية منذ عقود لسرقة البترول والثروات واستنزاف الأموال، وإشعال الحروب من أجل ترويج السلاح، والاحتلال المباشر لمنابع النفط، والسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي للبلدان العربية، فليس احتيال !؟!
والسناتور الثاقب الرؤية، يرى من خلال توقعاته أن الأمور ستؤول إلى أن تعرف سورية طريقها إلى أموال دافعي الضرائب الأميركيين، ولا يرى أن "إسرائيل" سرقت ما يزيد على ستين مليار دولار من جيوب دافعي الضرائب الأميركيين حتى الآن، والنهب مستمر ؟ ! أليست " إسرائيل" المحتال الأكبر والمستفيد الأكبر مما يسميه السناتور "بعملية الاحتيال" ؟!
ليس جديداً علينا منطق الأميركي الصهيوني، والصهيوني العنصري، فكلهم لم يعرفوا في تاريخهم سوى العدوان والاحتيال والحقد الأسود.
وها نحن ندفع مع شعوب العالم الفقيرة والمستضعفة ثمن " الحضارة " التي يزعم الأميركي - الصهيوني أنه يمثلها في قرن الاحتيال الأكبر هذا، قرن سرقة وطن الفلسطينيين وجعل العرب يقرُّون خائفين بحق "إسرائيل" في الوجود على حساب العرب وعلى حساب السرقة والاغتصاب.
ليس جديداً علينا منطق الأعداء، وليس غريباً أن يقوموا بكل شيء من أجل متابعة عدوانهم وابتزازهم وإضعافنا بكل الوسائل؛ ولكن المستغرب بعد كل ما جدَّ من جديد، هو أن يبقى عرب من العرب يبتلعون الطعم الصهيوني - الأميركي الخبيث، ويركضون كالمنومين وراء ذلك الذي يأخذهم للذبح، ويجعلهم قبل ذلك يذبحون بعضهم بعضاً، حتى لا يكلف أحد منهم العدو مجرد خرطوشة. الغريب العجيب في آنٍ معاً، أن يسقط عرفات إلى أدنى نقطة سقوط وطني ممكنة، ويبقى بنظر البعض وطنياً، وكأنه يعيش أحلاماً ونعيش نحن، الذين نكتوي بنار أحلامه، كوابيس تلك الأحلام. والغريب العجيب أن يشهر المتآمرون سكاكينهم علينا باسم العقل " والواقعية الانهزامية " ومنطق العصر، ولا يرون في فعلهم تواطؤاً علينا وانهزاماً أمام كل منطق وطني ؟! والعجيب الغريب أن تبقى مسيرة الابتزاز والاحتيال والدم المفروضة علينا مستمرة دون أن يحق لنا حتى أن ننفي أننا متهمون "بالوطنية " وبالرغبة في التحرر وتحرير الأرض والإنسان والتوحُّد في كيان قومي، والتمسك بعقيدتنا!؟ لأن كل ذلك يجعلنا بنظر المحتالين الصهاينة والأميركيين، مجرد متطرفين وأعداء للسلام والأمن والاستقرار والهدوء ينبغي القضاء عليهم !؟! ومجرد إرهابيين ومخربين يهددون " حصن التقدم والديمقراطية: "إسرائيل"، التي يجب أن تحيا بسلام ورفاء وأمان، وأن تمتلك سلاحاً وقوة نووية وقدرة توازي قدرة العرب مجتمعين، من دون أن يحق لأي من العرب، الذين يطلب إليهم أن يركعوا عند عتبة إرادتها، أن يرفع رأسه أو يحتج أو يقول: إننا من أمة كريمة لا يليق بها هذا المصير ؟! الغريب العجيب أن يتعاون لحد جنوب لبنان، ولحد غزة، ولحد وادي عربة لحماية " إسرائيل" ويريقون الدم العربي أو يهددون بإراقته من أجلها؛ بينما تتفرج الجماهير العربية كلها على ذلك، وتكتفي بان تلوك الصمت والألم، ويفتك بها الأسى، وتواجه اتهامات المحتالين، وبطش الباطشين بالدموع وصبر أيوب!!
إنه للغريب العجيب حقاً، وكم في هذا العالم الكبير من غريب عجيب ؟ !
الأسبوع الأدبي/ع439//24/ت2/1994
|