صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

المندوب السامي في غزة مستقبل الدم والدولارات الخضراء

في محمية غزة اكتسحت شرطة المندوب السامي " الإسرائيلي " جموع المصلين في مسجد فلسطين وحصدت ثلاثة عشر قتيلاً ومئتي جريح وهرولت راكضة باتجاه أمرها لتعلن، وهي تقف بكامل الاستعداد، أنها نفذت المهمة الصعبة، مهمة فتح الطريق أمام المشاركة باغتيال الشعب الفلسطيني، بعد أن عجزت "إسرائيل" عن القيام بذلك وحدها. وفي محمية غزة غسل المندوب السامي " الإسرائيلي " يديه من دم الأبرياء بماء الوضوء، وقرر أن يقتحم على أهلهم المسجد ليسبقهم إلى أداء الصلاة والقرب من الإسلام، بل ليقصيهم بذلك عن العروبة والإسلام معاً فهو أحق منهم بذلك لأنه عاش مع كل العرب في أقطارهم أكثر مما عاشوا هم معهم، وعرف بذلك العادات والتقاليد والأصول، وتفهم مداخل كل بلد وكل أمر وكل قضية، حتى اصبح من أبرع المتفننين بمعرفة من أين تؤكل العرب ومن أين تؤتى جموعهم ! ولأنه كان سباقاً إلى تبني مقولات الإسلام، إذ أسس منظمة اشتقت اسمها منه ومن تاريخه، ومن أكبر أدلته على ذلك أنه يوم قررت إيران الثورة فتح سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية في مكان السفارة الإسرائيلية التي كانت قد افتتحت في عهد الشاه، ذهب إلى هناك، وصلى مع اخوته، وشكر الثورة الإسلامية على صنيعها، إذ لم تكن في ذلك الوقت، دولة تدعم الإرهاب، ولم تكن أيضاً تقدم دعماً بصفتها دولة من الخارج، فهو لم يكن في الداخل، وهو فلسطين والشعب والقضية، ومن يتمسك بأصول القضية اليوم من العرب والفلسطينيين والمسلمين هم من الخارج حتى لو كانوا فلسطينيين في الداخل وفي مسجد فلسطين في غزة، لأن أولئك، من وجهة نظره، لم يعرفوا بعد عمق الأوضاع التي تغيرت ولا عمق التغيرات التي حدثت على الرغم من سماعهم "بأوسلو" ورؤيتهم " للمصافحة التاريخية " التي تمت في الظل العالي للراعي الأميركي، ووقوفهم على مشارف وادي عربة حيث ابتسم الملك للتاريخ واحتضنه رابين في تاريخ. في محمية غزة، وبعد الجمعة السوداء أو الجمعة الحزينة، تبرأ المندوب السامي " الإسرائيلي " من كل ما حدث ورمى المسؤولية على "الإرهابيين والمخربين " والأصوليين وتلقى بركات الأميركي و" الإسرائيلي "، ونام على وعد بملايين الدولارات لأنه حسم أمره لصالح العمل الذي اختاره، العمل عند رابين لاستكمال المهمة الصعبة، مهمة مواجهة الانتفاضة والإسلامي ين و"الإرهابيين والمخربين " الذين يقلقون "إسرائيل" ويزعجون الاحتلال الصهيوني ويرفضون الاعتراف والتطبيع والضياع والانصياع، وجهز نفسه للسفر إلى الأماكن التي تمنح جوائز السلام المشكوك بها، والدولارات الوسخة التي تفتك بالشعوب قبل أن تصل إليها. في محمية غزة نام أطفال على أجنحة الأحلام، وأطفال على مخدَّات من دمع ودماء، وأطفال كانت تتأكَّلهم الكوابيس ويتراءى لهم في زحمتها، " المندوب السامي الإسرائيلي" بزيِّه الثوري الفلسطيني وهو يحزم رقابهم بحبل ويعلقهم على جذع نخلة ويهوي عليهم بالسياط وهم يترنحون على حبال الموت، ففي غزة أطفال ... وأطفال... وأطفال.. كما هي الأوضاع عند السيد رابين في فلسطين المحتلة، التي يريدون منا أن ننسى اسمها، حيث هناك أطفال.. وأطفال.. وأطفال أيضاً.‏

الشعب الفلسطيني في الداخل وفي بعض مناطق الخارج ـ صيدا مثلا - أُدخل دوامة الدم من جديد، ولكنه هذه المرة مقسوم بين "إسرائيل" وأتباعها وحلفائها من جهة، وبين أعدائها والمتمسكين بفلسطين والقضية من جهة أخرى. وهو من وجهة نظر الصهاينة وأنصارهم مقسم إلى طيبين وأصوليين، وهناك فرق بين الأصولية والراديكالية حسب مفهومهم، فالأولى جريمة تصل إلى درجة العنصرية والفاشية والاتجار بالمخدرات.‏

وهناك بون شاسع بين الأصولية حسب مفهوم يمضي بها إلى الينابيع النقية، والتأصيل المبدئي، والمواقف الجذرية القائمة على النظافة والتمسك بالحق والتشدد في الأداء على أرضية من العدل والحرية وقيم العقيدة والأخلاق، يذهب سالكو طرقها إلى حد استخدام العنف في الدفاع عن اختياراتهم والوصول إلى غاياتهم التي يرونها مشروعة وإنسانية وحقانية، وبين الأصولية حسب مفهوم يرمي إلى تصويرها وتقديمها على أنها صنف من الإجرام والإرهاب، تنبت في حوض العنصرية والنازية، لها أساليب العصابات العصابية من " مافيا الإجرام إلى مافيا الهيروئين " ويطالب بربطها بالجريمة وبتآخيها مع صنوفها، ويقترح أن يلاحقها " الانتربول " .( تقدمت "إسرائيل" فعلاً بمقترح بهذا المنحى وأيدتها ثلاث دول عربية.)‏

أمّا الثانية: الراديكالية، فهي أقرب إلى مواقف جذرية حادة يمكن أن تصل إلى الصراخ ولكن يسهل تدجينها في النهاية لأنها تتصل بمصالح لا بمبادئ، وبما يتصل بالدنيا لا بما يتصل بالآخرة والمصير فيها، وبما يتصل بالإيديولوجيات والتنظيمات السياسية لا بالديانات والتنظيمات الاعتقادية. ودوامة الدم التي ادخلها الشعب الفلسطيني قد تتلكأ ولكنها قد لا تتوقف،لأن "إسرائيل" وضعت في سلَّتها بعض القوى وقادتها إلى حدود الاعتقاد بأنها تدخل نوعاً من التحديات الذاتية لوجودها واختياراتها - وهي في واقع الأمر تدخل دوامة تحديات "إسرائيل" ومراهناتها - وجعلت عناصر هذه السلة تعيش أحلاماً وردية لا تلبث أن تتحول إلى أحلام دموية. فمليارات الدولارات التي وعد بها " المندوب السامي " الإسرائيلي " في غزة " والامتيازات والحماية النوعية والوعد بالأمان والاطمئنان والسير فوق رقاب العرب، رغماً عمن أعجب أو أخذه الغضب تجعل من يقف حائلاً دون تحقيق تلك "المكاسب " والامتيازات خائناً بنظر من يريد أن يجنيها. وتجعله - بنظر الفئات المستفيدة على حساب الوطن - جاهلاً وعقبة في طريق المستقبل وشخصاً ينتمي إلى الماضي السحيق أو ديناصوراً كما قال العربي المتصهين أو الصهيوني المستعرب أميل حبيبي، وحين تمضي تلك العجلة في دورانها إلى المدى الذي يريده الأعداء فإن نصف مرحلة " "إسرائيل" الكبرى" جغرافياً تكون قد قطعت بأرجل عربية - فلسطينية أمّا النصف الثاني فسوف تتكفل به الخلافات العربية التي قدمت للعدو ما لم يقدمه العدو لنفسه. ذلك لأن ما وصلنا إليه اليوم من ارتماء عربي على عتبة العدو " الإسرائيلي " ما هو إلا نتيجة لأوضاع عربية متردية جراء خلافات عربية مزمنة، وتطلعات مرضية لبعض الحكام العرب، أدت أيضاً إلى أن يتراخى المد القومي العربي وكدت أقول: يتلاشى.. إلى الحد الذي رُفعت معه رؤوس كانت تتعامل سراً مع العدو وأخذت اليوم تجهر بفجورها وتتغنى به. وما كان يحلم به العدو أصبح، على يدي أولئك وجرَّاء ما أشرنا إليه من أحوال وأوضاع، بمتناول العدو؛ وإلا فمن كان من " الإسرائيليين " والصهاينة يحلم بان يستقر في الأرض العربية بأمان واطمئنان على أرضية الاعتراف "بدولته" والتعامل الرسمي معها أو تطبيع العلاقات بينها وبين أقطار عربية ؟!‏

إن وضعية اليهودي الغازي، الذي استعمر أرضنا بقوة القهر الغربية وأدواتها، تلك الوضعية القائمة على ما يشبه اليقين بحتمية زوالها حتى عند اليهودي في أعماقه والتي كان أصحابها يحلمون بسراب مستقبل لهم في أرضنا، تغيرت على أرضية الانهيارات العربية والمواجهات الفلسطينية - الفلسطينية - وما يرتب لذلك في المستقبل، ويمكن رؤية بعض ملامحها في أقوال دافيد غروسمان " الإسرائيلي " حيث يقول:‏

"إن مغزى السلام هو أولاً وقبل كل شيء أنه سيكون لنا مستقبل (...) إن المستقبل بات فسيحاً وحافلاً والوجود مأموناً إلى أقصى حد واصبح صكاً مسجلاً. والمستقبل الذي يقصده غروسمان ويسميه " المستقبل المنشود" هو مستقبل الحلم الصهيوني بالدولة الصهيونية الممتدة في أرض العرب من النيل إلى الفرات " جغرافياً أو اقتصادياً وأمنياً وسياسياً ". إنه مستقبل المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني الذي لا بد أن تستقر قواعده في الأرض والنفوس ليستطيع أن يستمر ويمتد. ويضيف غروسمان " إنني لا أتحدث الآن عن مستقبل جيد أو مستقبل سيئ أتحدث فقط عن احتمال كينونة المستقبل".‏

ومن الواضع أن المستقبل "لدولة صهيونية " في أرض العرب لا توطَّد دعائمه القوة الاستعمارية العنصرية القائمة في فلسطين إذا ما استمر الصراع العربي الصهيوني، ولكن الذي يوطد دعائم تلك الدولة هو اعتراف العرب بها، وإقامة علاقات طبيعية معها، واستقرارها على أرضية ذلك في مناخ " السلام " والاطمئنان كجزء عضوي من جسم المنطقة، لتبني انطلاقاً من ذلك قوتها التي تحتاج إليها لتكون "إسرائيل" المستقبل :أي: "إسرائيل" الكبرى، ثم "إسرائيل" التوراتية".. .." فلنتخيل السلام " الحلم حسب غروسمان ولنر من خلاله المشروع الصهيوني ؟!؟ لقد شكلت القوة العنصرية حزامها الأمني الحقيقي الذي يسيج حدودها، وأخذت ترسخ أقدام حكام المحميات، وتقيم للحلفاء المعتمدين كياناً ذا ألسنة وأذرع وأنياب، وبدأت فتح جبهات المستقبل بين عرب - وعرب وبين شرائح اجتماعية وسياسية في البيت العربي الواحد؛ وحاكم غزة أو " المندوب السامي الإسرائيلي " فيها أنموذج للعمل المطلوب إذ : سوف يقدم الكثير لـ " إسرائيل " وبرامجها المستقبلية وسوف يسمح بدوران عجلة الدم إلى مداها، وبملاحقة القوميين والإسلاميين الذين يزعجون خاطر أي " إسرائيلي " إلى مقابرهم وليس إلى بيوتهم فقط؛ وسوف يصرخ في أربع جهات الأرض بالمقولات الإسرائيلية حاملاً العوزي والدولار أو العوزي والشيكل لا فرق؛ ولسانه ويده وقلبه كل ذلك مملوك إسرائيلياً، وموظف صهيونياً. أعان الله أهل غزة أولاً وأهلنا في فلسطين ثانياً وأمتنا العربية كلها، والأمة الإسلامية ثالثاً على ما يرتبه لها أعداؤها وعملاؤهم في المستقبل، الذي يرتسم دامياً وفقيراً ومذلاً؛ حتى لو فرش بالآمال والأحلام والدولارات الأميركية الخضراء .‏

الأسبوع الأدبي/ع441//8/ك1/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244