صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الانتفاضة والثلاثي الشرير في أوسلو

في العاشر من الشهر الجاري تم في أوسلو حدث أراه غريباً من نوعه، وقد جاء في توقيت يشكل بحد ذاته مفارقة تزيد حجم الغرابة وشدة وقعها في النفس. ويرتب ذلك الحدث وذلك التوقيت مقارنة تؤول نتائجها - بتقديري - إلى الإزراء بالقيم والشعوب والشهادة والتاريخ وباحتفالات التكريم كلها. ففي أوسلو، المدينة التي شهدت ولادة اتفاقية عرفات - بيريس - رابين الاتفاقية المشهورة بـ - غزة - أريحا، أحتفل بين الساعة الثامنة عشرة - والعشرين بتوقيت دمشق من يوم السبت 10 كانون أول 1994 بمنح جائزة نوبل للسلام - 1994 - للثلاثي العجيب:رابين - عرفات - بيريس، وهو ثلاثي يثير من الزوابع في وجه السلام الحق، ما يطمر السلام وكل المتعلقين به بصدق وبراءة في كل أنحاء العالم. وهو ثلاثي متنافر ظاهرياً إلى أبعد الحدود، ومتمكن من لعبة النفاق إلى أبعد الحدود أيضاً، وكل وأحد من أفراده هو بنظر الآخر مجرم، وبنظر شعب الآخر، ووسائل الإعلام في حقبة من التاريخ، وفي نظر الرأي العام العالمي - إذا ما بقي شيء يسمى الرأي العام العالمي له احترام واستقلال وموقف - هو إرهابي ومثير للحروب وممثل للحقد والكراهية، وباعث على الاشمئزاز ولكن يبدو أن الطينة أو العجينة التي صنع منها أفراد ذلك الثلاثي واحدة وتملك نتنها و"عطرها" في الوقت ذاته وتتحكم بالنشر ورياحه الأربع. فعرفات بنظر رابين وبيريس والصهاينة جميعاً واليهود - كما قيل في السياسية والإعلام - هو إرهابي كريه ويثير أكثر من الاشمئزاز، وقد ارتجف رابين وكاد يغلق أنفة بإصبعيه يوم تصافحا في واشنطن.. وإلى مدى قريب كان عرفات - " أو على الأصح ما يمثله في الظاهر عرفات" بنظر أميركا والغرب نزوعاً عدوانياً شريراً بشكل مطلق، لأنه يمثل رغبة الفلسطيني الحق في العودة إلى بيته ولو بالقوة، وفي هذا نوع من التدمير لـ " إسرائيل "، التي وجدت بنظرهم لتبقى. ومازال عرفات اليوم ينظر لنضال شعبه المستمر من أجل التحرير على أنه إرهاب مدان بعد أن دخل أوسلو.‏

وبيريس بنظر الفلسطينيين والعرب - لا سيما قبل أوسلو - وربما بنظر عرفات أيضاً، هو ممثل النزوع العنصري الصهيوني والاستعمار الاستيطاني الصهيوني، الذي يريد أرضاً نظيفة من العرب، وهو الذي أسس للقوة النووية التدميرية في الكيان الصهيوني، وهو وزير حرب خاض ضد العرب كثيراً من المعارك، وهو صاحب المشروع الشرق أوسطي الذي يرمي إلى تغيير هوية المنطقة من الجذور، لا سيما في المجال الجيو- سياسي، والاقتصادي والثقافي. وهو إرهابي عريق كان في العصابات الفاعلة مع بيغن وشامير وشارون وسواهم، وهو أحد الذي بنوا، على حساب الشعب الفلسطيني ووجوده وكرامته وحريات أبنائه، "دولة إسرائيل العنصرية " .‏

أمّا السيد رابين فهو كاسر عظام البشر في تلذذ سادي مارسه ضد شبان الانتفاضة وأطفال الحجارة، وهو الذي شارك في أكثر من حرب عدوانية ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة، وهو الذي يرى نفسه تابعاً مخلصاً لإله الجنود الذي لا يرويه إلا دم " الغوييم - دم الأمم " .وسجل رابين في الإرهاب الأسود، والحقد المقيت ضد العرب لا يقل عن حقد بيريس أو كاهانا أو شامير أو باروخ غولد شتاين. وحين سمعته يذكر باعتزاز أنبياء بني "إسرائيل" واينشتاين وفرانز كافكا وفرويد، بوصفهم يهوداً يمشون في موكب شعبه عبر التاريخ، ويمشي هو في ظلالهم، عجبت من تركة لم تثمر إلا ثمراً مراً ولم تترك للإنسانية إلا إرهابيين وعنصريين ومتعصبين وقتلة لا يختلفون في شيء عن النازيين والفاشيين، وازداد عجبي عندما ذكر رابين "مآسي اليهود" وضحايا " المحرقة " ونسي كفر قاسم ودير ياسين - وبحر البقر وصبرا وشاتيلا.. الخ، وما فعله هو بالشعب الفلسطيني وأطفال الحجارة، وبالذين ألقاهم في معتقلات أنصار وفي السجون " الإسرائيلية "، ولم يغير شيئاً من جهنم التعذيب التي يفرضها على المعتقلين العرب إلا الاسم، وقد ساعده الإعلام الغربي والصهيوني على إيصال ذلك لطيفاً ومخففاً وربما إنسانياً رحيماً وحضارياً إلى الرأي العام المغشوش والتعس في كل أنحاء العالم، حيث سمى ذلك التعذيب " ضغطاً جسدياً من أجل الوصول إلى الحقائق". عجبت لثلاثي هو بنظر كل فرد من أفراده الذين يشكلونه صفحة من الشر والإرهاب الأسود، وكل منهم يثير الكراهية بنظر الآخر، وكل منهم،بنظر شعوب كثيرة وبنظر شرائح من شعبه،رمز من رموز الكذب والغش والإرهاب والتضليل والحرب، ومع ذلك فهم " فرسان السلام " الذي يحتفي به " عالم نوبل " وكل منهم قدم لـ " إسرائيل " العنصرية فقط دفعة باتجاه الاستعمار والغطرسة والنزوع النازي الجديد. والمفارقة التي يثيرها التوقيت هي تلك الكامنة في احتفالات المقاومين العرب ومن بقي يقف مع المقاومة من العرب بذكرى الانتفاضة /8/ كانون أول 1987 / حيث يرى المحتفلون بالانتفاضة والذين يحيون ذكراها، ممن يؤمنون بها وبجدواها، أن عرفات اختير ليصفي عناصرها جسدياً، على الرغم من أنه ادعى ـ وادعاؤه باطل ولا أساس له من الصحة ـ بأنه وراء اندلاعها وأن رابين وبيريس راهنا على قدرة عرفات وصلاحه لممارسة هذا الدور، وأقر هو أمام العالم بأنه اختار طريق رابين وبيريس، أي طريق "أوسلو"، وأنه سيثبت جدارته للسير، فيها وأنه سوف يلاحق الانتفاضة التي لم يعد لها وجود أو ضرورة " كما قال، والتي أصبحت أصولية، محكوماً عليها، ينبغي أن يلاحقها " الانتربول الدولي " كما يلاحق المجرمين والهيروئين، ولم تعد هي أحد وجوه ومراحل النضال الفلسطيني على طريق التحرير والدولة.‏

والثلاثي الأسود، الذي يطأ الثلج النقي في أوسلو هذه الأيام، متواطئ ضد الانتفاضة تواطؤا معلناً،ويربط كل فرد من أفراده مصيره ومصير من يقودهم بالقضاء على الانتفاضة وإبادة عناصرها وملاحقتها، حتى في الوجدان الجمعي العربي كله. وما هي الانتفاضة التي يلاحقها " مجازو نوبل للسلام " ؟! أليست رغبة شعب بكامله في العودة إلى وطنه والعيش فيه باطمئنان وسلام، بعيداً عن الممارسات العنصرية والإبادة الجماعية والقتل والتشريد ووضع مئات الأشخاص في العراء تحت الثلوج والعواصف خارج كل صلة بالوطن وبمقومات الحياة وعالم الأحياء ؟! ما هي الانتفاضة التي يلاحقها ممثلو السلام سوى نضال شعب من أجل الحرية والعدالة والعيش الكريم في وطن؟! وهل السلام هو نقيض الحرية والعدالة والعيش الكريم في وطن؟!‏

المفارقة المضحكة تكمن في أوسلو، وفي جائزة نوبل، وفي الثلاثي الأسود، وفي الإعلام العالمي المحكوم بالرؤية الاستعمارية والصهيونية، وفي الرأي العام المسكين الذي يخبز عجينه الطغاة والمنافقون والتجار والسماسرة وصانعو الموت،الذين يتربعون على عروشه ويتقافزون من عيونه بوجوه بريئة. ذلك أن نوبل،الصهيونية روحاً وتوجهاً،تصنع للسلام صورة ملائمة للنزوع العنصري الصهيوني وتروج لها، وتصدرها للعالم الذي يقف مبهوراً من حجم الكذب الذي يقدم له بأغلفة زاهية، وتعقد لسانه الدهشة من لعب الحواة، فلا يملك إلا أن يتفرج ثم يصدق، ثم يصفق ثم يهلل ويكبر ويصبح جزءاً من كرة الثلج الإعلامية التي تكْرُج وتكبر ثم تكرج وتكبر إلى مالا نهاية، فتسحق تحت ظلها العالي وثقلها العاتي كل الحقائق والمشاعر الصغيرة والنبيلة في هذا العالم، الذي شوه كل ما فيه أو كاد. والمفارقة المضحكة تكمن في هذا "السلام" الذي تصنعه الصهيونية وتصنع رموزه وبنادقه، وتفرض شروطه، وتقدم إخراجاً ملائماً لتمرير تلك الشروط وخلق مناخ حولها، حيث تبدو بنظر الذي ينسحق تحتها هو وشعبه ووطنه وتاريخه وحقائق الحياة من حوله، أنها إنجاز يعجز الكثيرون عن إنجاز، ويظن ذلك المنجز أنه جاء بفتح مبين يستحق من أجله أن يكون بطلاً شعبياً،ونبياً تاريخيـاً، ومجازاً في السلام من أوسلو، مدينة الإنجازات الصهيونية المصنعة بعناية الغرب وبرعاية المسيحية - الصهيونية،التي عكفت على إخراج "إسرائيل" إلى الوجود منذ القرن الماضي. والمفارقة المضحكة المبكية - هي أننا نحن الذين مازلنا نستطيع أن نستهجن ذلك، ونرى عيوبه ونكشف الغطاء عن ألاعيبه ولاعبيه، نسير نحو مغاطسه، وتنزلق منا الأقدام على جليده، ويشدنا من شعورنا فنسير بلذة المخدرين نحو عالمه، وندخل ذلك العالم ونحن نلعنه، ونبدأ بتذوق ما يقدمه لنا، ولا نلبث أن ندمن ذلك وننسى الرؤية بعد سلامة الرؤية.‏

إن "إسرائيل" مشروع شرير بكامله،وكل من يخدمه يساهم في شروره، وهو مشروع أسس لشل العرب وتدمير مقومات نهضتهم وثقافتهم وعقيدتهم، مشروع أنشأه الاستعمار لا ليتخلص من اليهود فقط،وإنما ليوجه شرهم وشره من ورائهم نحو أمة يعرف أن مشروعها يناقض مشروعه، ونهضتها تلغي هيمنته ومصالحه،ووحدتها واستقلالها يوقفان استعماره واستثماره وانتشاره كالسرطان في أرجاء أرضها وفي تكوين أبنائها. والعجب العجاب.. أنه ليس فقط ثلاثي أوسلو الشرير، وما نشأ عنه أو بسببه وما ارتبط به من سلاسل شر آخذة بالانتشار في الوطن العربي، ومتكاثفة التأثير سلبياً على روح الانتفاضة ومناخها ومقومات استمرارها، هو وحده الذي يفتك بقوى الصمود والمقاومة في الأمَّة العربية، ويوجه حقده وقوة تدميره نحو بناها الروحية والمادية، وإنما شرائح من أبنائها في مواقع مختلفة ومؤثرة يسيرون في هذا الاتجاه،ويتنكرون لامتهم وتاريخها،ويطعنونها في الصميم، ويرقصون فوق جثتها متباهين،وكأنهم الأعداء أو ما جسده حقد الأعداء من ورم خبيث في جسد الأمَّة. وهم يساعدون قوى العدوان والاستغلال على خلق مناخ سلبي شديد الفتك بقيم ومقومات رئيسة هي في الصميم من تكويننا ومستقبلنا. وذلك المناخ لا يكتسح أقطاراً وحكومات عربية فقط، وإنما يحفر خنادقه تحت جدران قلاع قومية يريد لها أن تنهار، ويحاصرها بأشكال مختلفة،ويزين لها أن تتفاوض معه وتسير وراء كذبه وخداعه معتقداً أنه سينجح في نهاية المطاف في الدخول إلى قلبها كما نجح مع سواها. فهل ترانا نترك سرطان أوسلو ينتشر في ما بقي من خلايا سليمة وقوية في جسم الأمَّة العربية، ونستسلم للمرض الخبيث، جاعلين من بقية الجسد لقمة سائغة للصهيونية - العنصرية، التي لا يكفيها أن نعترف لها بحق في إقامة " دولة إسرائيل " في وطننا، بل نسلم لها بأننا نعيش على ما بقي من أرضنا بكرم وسماحة منها، وان نتحمل جراء ذلك كل تكاليف استمرار المشروع الصهيوني في البقاء والنمو والانتشار والازدهار ؟!‏

إن السؤال ملقى على مدى الجغرافيا والتاريخ في وطن العرب، ولكنه متوجه كالسهم الناري نحو أولئك الذين يؤمنون بحق الإنسان في المقاومة من أجل رفع القهر والاحتلال والاستعمار والابتزاز، ونحو أولئك الذين يحتفلون بالذكرى الثامنة لانطلاقة الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة، ونحو أولئك الذين اختارا المقاومة طريقاً للوصول إلى الحرية والحق والسلام القائم على ركائز متينة، لا ينخرها سوس الصهيونية والاستعمار وسلاسل الشر المنبثقة من الثلاثي الأسود،الذي يكلل باسم السلام والذي لم يقم على الأرض أي نوع من أنواع السلام تنمو في ظله الحرية وترتاح في فيئه الشعوب ويستنبت في تربته الأمل. فلتغلق أبواب "أوسلو" على ما تختار من أشرار،ولتنر طرق الانتفاضة المباركة بدم الشهادة والكلمة الصادقة والرأي الشجاع، حتى تكون هناك حرية، ويكون هناك سلام، وتنتهي حقبة الصهيونية السوداء وما خلفته في أرضنا وشعبنا من ندوب؛ ولن يكون ذلك إلا بالعلم والعمل والإيمان الصادق. فهل نحن فاعلون ؟!‏

الأسبوع الأدبي/ع442//15/ك1/1994‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244