|
على مدخـل المفاوضات من جديد
استؤنفت المفاوضات الثنائية بين سورية والكيان الصهيوني في واشنطن برعاية أمير كية خاصة ومباشرة وبمشاركة من إدارة كلنتون، وبناء على طلب منها هذه المرة حيث أبدت رغبة في دفع المفاوضات على هذا المسار المعطل ليلحق بالمسارات الأخرى. حماية لتلك المسارات بالدرجة الأولى، واستمراراً " لعملية السلام" التي تحرص الإدارة الأميركية على تحقيقها لتضمن مصالحها ولتضمن لـ " إسرائيل " حاضنة عربية دائمة، وهيمنة في الوطن العربي لقد تم التأكيد على احترام مرجعية مدريد قبل استئناف المفاوضات، وعلى المبادئ التي استندت إليها المفاوضات في الأصل: قرارات مجلس الأمن
/242 - 338 - 425/ والأرض مقابل السلام. ولكن الإدارة الأميركية المسكونة بالهم والطموح الصهيونيين اتخذت في الوقت ذاته مواقف مستهجنة لا تنم عن احترام لمرجعية مدريد، أو قرارات الأمم المتحدة أو الحق والعدل اللذين يحرص عليهما أي وسيط نزيه. فقد صوتت إدارة كلنتون في الأمم المتحدة ضد قرار يدعو "إسرائيل" إلى الانسحاب من الجولان وهو استمرار للتأكيد الدوري على ذلك القرار منذ اتخذ قبل أكثر من عقدين من الزمن. وموقف الولايات المتحدة هذا وسعيها إلى فصل المسار السوري عن المسار اللبناني، ورفضها التأكيد على القرار /425/ الخاص بالانسحاب من جنوب لبنان، بل إهمالها له وتجاهلها إياه تجاهلاً تاماً. كل ذلك يدعو إلى مراجعة دقيقة للموقف الأميركي من المفاوضات على هذا المسار الأساس بالنسبة للعملية كلها. فالموقف الثابت للإدارة الأميركية هو في نهاية المطاف الموقف " الإسرائيلي " سواء أ كان حزب العمل هو الحاكم أو حزب الليكود أو ائتلاف بين الأحزاب هناك. ومن المسلم به أن الإدارات الأميركية قد تركت للصهاينة في أميركا، مدعومين من المتصهينين الأميركيين من غير اليهود، موضوع رسم السياسة الأميركيين في هذه المنطقة، وغطت كل التكاليف والقرارات والسياسات والمواقف في هذا المجال تغطية مالية ودبلوماسية وسياسية وعسكرية وليس هذا لا من الأسرار ولا من المكتشفات بل هو أمر معلن يتم التأكيد عليه في كل أن وبكل وسيلة ولسان. ولكن العرب الذين يقع عليهم وحدهم غرم ذلك ويقعون دائماً بين لسانين ومكيالين يروجان النفاق ويقدمان الكذب والخداع، العرب يقبلون ذلك أو يصبرون عليه أو يستسلمون له سواء صدقوه أو كذبوه. ويبدو أن ذلك يتم لسببين:
إمَّا لأنهم يدركون جيداً ألا وسيلة لهم ولا حيلة، وليس أمامهم إلا أن يتعاملوا مع هذا السيل من كذب الأقوياء الذي تصبح له من الزمن رائحة الصدق.
وإمَّا أنهم كالعاشق المنبوذ الذي لا يملك إلا أن يجلس على باب معشوقته التي تتعلق بسواه، لعلها تجود عليه بنظرة ولو حملت لعنة، بينما هي مشغولة كلياً عنه، كارهة له، منصرفة إلى شأنها وشان من تهواه وحين تغزوه من آن لآخر حقيقةُ أنه منبوذ وأنه ليس له من ذلك الحب نصيب يعتصم من تلك الحقيقة الصارخة بالكذب على الذات لأنه يحبذ الموت لا الفراق. وأياً ما كان السبب فإننا لا نملك إلا أن نقول: إن لله في خلقه شؤون.
ويبقى أن نعود إلى الوضع الذي نحن فيه، أياً كان السبب الذي أدى إلى أن نكون فيه، فليس أمامنا إلا أن نواجه حقيقة أن المفاوضات: المفروضة - المرفوضة، التي يصدق علينا فيها قول المتنبي.
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بـــــد
ستقود إلى " سلام " يكون من شأنه أن يثبت وجود " إسرائيل " في تاريخ المنطقة ووجدان أبنائها على أرضية الاعتراف، ويتم حسب شروط " إسرائيل " ومصالحها، وتخيم عليه قوة القهر الإسرائيلية والأميركية بمظلة نووية لن يكون أكثر نفعاً لنا من الوضع الحالي إذا ما استمر حسبما أشار الرئيس الأسد.
والمفاوضات التي تتم تحت مظلة الإقرار الأميركي بحق " إسرائيل " في احتلال الجولان، أو برفض أمير كي لتأييد انسحابها من الجولان؛ لن تؤدي إلى احترام حقوق السوريين التاريخية ولن تؤدي من ثم إلى سلام من أي نوع، لأن شعبنا لن يقبل سلاماً منقوصاً واحتلالاً إسرائيلياً من أي نوع ولأية مساحة من الأرض؛ هذا إذا سلمنا بأننا يمكن أن نقف من القضية الفلسطينية موقفاً قطرياً يحصر النظر إليها في حدود العلاقة المتصلة بالجولان، أو بالجولان وجنوب لبنا ن!! فالرؤية القومية لسورية هي بالضبط الالتزام القومي والتاريخي لها؛ وتكتسب كل القضايا العربية بالنسبة لها بعداً قومياً لا يجوز تقزيمه في الحدود القطرية. من المؤكد أن ذلك يرتب عبئاً كبيراً علينا في الوقت الذي ينصرف العرب كل إلى شأنه الخاص وهمه الصغير، ويركض بعضهم خلف " إسرائيل " ليتعامل معها ويركض آخرون خلفنا لنقبل ما تعطيه لنا " إسرائيل " ونسير في الزفة. لا سيما بعد أن قبل عرفات باسم الفلسطينيين بأقل من الفتات وبوظيفة المندوب السامي " الإسرائيلي " عند رابين واختار الملك حسين أن يكشف الغطاء عن المخفي منذ بداية القرن ويسير في اتفاقية وادي عربة في صلح منفرد آخر مع " إسرائيل ". إن سورية بحكم الموقع والموقف والتاريخ والالتزام القومي تختار الطريق الأصح والأصعب والأكثر كلفة، وتشعر أنها تحمل عن الآخرين ما ترك الآخرون حمله ولاذوا في ظلال أكثر متعة. ولكنها في الوقت ذاته تدرك أن ما تركوه أثقل من أن تتحمله وحدها فما هو المخرج المشرف والسليم الذي يحقق الوصول إلى الحق ويحفظ للقضية شيئاً في الوجدان ويمكن سورية من استنقاذ ما يمكن استنقاذه والحفاظ على البعد القومي للقضية وعلى ما يمكن أن نسميه " الحق القطري" غير منقوص ؟! إن ذلك هو السؤال الذي لا بد أن نواجهه ونحن نخوض المفاوضات من جديد على أرضية مرجعية مدريد التي لا يحترمها راعي مدريد، وأرضية الرغبة الصهيونية المستمرة بالاحتلال والتوسع والقضم، وفرض حلول على الآخرين تضمن " لـ إسرائيل " بقاء وهيمنة واستمراراً لمشروعها الاستراتيجي الأساس وهو " إسرائيل الكبرى" بكل المقاييس ؟!.
الأسبوع الأدبي/ع443//22/ك1/1994
|