صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

الروس في بلاد الشاشان

يبدو لي أن الروس طيبون، وأن ملايين الضحايا الذين قدمتهم روسيا لا سيما في الحربين العالميتين الأولى والثانية يستحقون الأسف، وأن ما لحق بذلك البلد من دمار وبسكانها من معاناة، لا يجعل المرء مرتاحاً لذكرى أي نوع من الحروب والمعاناة. وحين يرى المرء الروس معتدين يتساءل: من الذي يقودهم إلى العدوان، ومن يجعل منهم عنصريين أو في خدمة العنصرية؟!.‏

من المؤكد أن الروس ليسوا ملائكة، ومن المؤكد أيضاً أنهم لا يزعمون أنهم كذلك، وهم يعرفون جيداً أن لهم من الأطماع والمصالح والتطلع نحو السيطرة والهيمنة ما يجعلهم يمدون أيديهم إلى الآخرين، وأن يبطشوا عندما يتاح لهم ذلك، وما زالت للروس مصالح ومطامح وتطلعات، وهم لا يريدون التنازل عما " كان لهم " من محميات ومكانة دولية، وهيمنة ونفوذ، ولو في أجزاء من العالم الذي أخذ ينسحب من تحت أجنحتهم. والروس لا يفرطون بمستعمراتهم التي استوطنوها وأصبحوا ينظرون إليها كجزء من التكوين العضوي لروسيا، لا سيما تلك التي تقع في آسيا الوسطى والقوقاز.‏

في ظل الإمبراطورية القيصرية، كما في ظل الإمبراطورية السوفيتية المنهارة، أخضع الروس شعوباً وقوميات لسلطانهم وحكموها بقوة القهر، وكانت لهم وما زالت لهم أطماع يريقون من أجلها الدماء؛ ولكن الشعب الروسي البسيط بقي فقيراً وبائساً وملحقاً بسادته وملاكيه، سواء أكانوا من إقطاعيي القيصر أو من ديكتاتوريي البروليتاريا، أو من قطط يلتسين السِّمان. وكل ما استنزفته العهود الماضية من الآخرين في ظل الطُّغيانيَّات المتعاقبة من جهد بشري وطاقات وموارد وأموال، سواء من شعوب الاتحاد السوفييتي أو من الشعوب التي خضعت للروس أو تحالفت معهم أو ارتبطت بإمبراطورياتهم، تم توظيفه لخدمة آلة الحرب ولإقامة واجهات ومواجهات أيديولوجية وإعلامية ومخابراتية نمَّت الحرب الباردة إلى الحد الذي زحفت معه شعوب على ركبها ورموشها لتخوض حروباً ساخنة وباردة بالوكالة، وانتهت تلك المواجهات في النهاية لمصالح الإمبريالية من دون أن يستخدم السلاح ضدها، ومن دون أن تتكلف الكثير من أجل بلوغ أهم أهدافها.‏

وفي المراحل الكبرى من عمر الإمبراطورية الروسية الثانية، إمبراطورية قياصرة البروليتاريا، بلغت نسبة اليهود الصهاينة في مجموع القيادات العليا والمتدرجة في الأهمية نسبة بين: 83 و83.5% في أعوام دورة الحسم وهي الأعوام الآتية:‏

1919-1921/ و /1938-1940/ و /1986-1991/‏

نهاية الإمبراطورية.‏

وحين استأنفت روسيا الاتحادية مسيرتها الإمبراطورية في دورتها الثالثة، تلك الزاحفة على بطنها والتي تقتات بثدييها، في عهد بوريس يلتسين، معتمدة على كثرة من المستشارين اليهود.‏

كان الشعب الروسي في كل هذه المراحل مستمراً في دفع ثمن باهظ وخدمة قضية ليست قضيته الأولى: أمَّا الثمن الباهظ فهو ذلك الذي يدفِّعه إياه اليهود جرَّاء ما جرى لهم من القيصر في إمبراطورية الخزر، التي تعرضت لنقمة القيصر فآذاها وقرر اليهود الانتقام من الروس لذلك ولمذابح أخرى جرَّها عليهم سلوكهم وعنصريتهم. وأمَّا القضية فهي خدمة المشروع الصهيوني العنصري، وإقامة دولة يهودية في فلسطين على حساب العرب.‏

ومن المؤكد أن الشعب الروسي، الذي يشمئز في أعماقه من مثل هذه المهام والأعباء ما زال يترنح تحت وطأة الخدمات التي قدمها ويقدمها للصهيونية؛ سواء من بداية إمدادها بالمهاجرين وتقديم التغطية السياسية والإعلامية والإيديولوجية لمشروعها العنصري وتقديم السلاح لتأسيس "الدولة العبرية" ـ السلاح التشيكي بتغطية سوفييتية ـ التي كان يطمح في أن تكون مدخلة للهيمنة على الوطن العربي، حيث كان يمضي في دعم إقامة قلعة شيوعية- تقدمية لا تلبث أن تجعل المنطقة كلها تسقط كالثمرة الناضجة بين يديه.‏

والنتيجة هي أن الشعب الروسي الفقير والطيب كان يدفع الثمن، ويجعل غيره يدفع الثمن أيضاً، وتذهب الفوائد الكبرى لآخرين: سواء أكانوا قياصرة ـ إمبرياليين وشيوعيين ـ أم يهوداً أم إمبرياليين بأثواب متواضعة.‏

في ظل الإمبراطورية الروسية "السوفييتية"، كما في ظل الإمبراطورية الروسية القيصرية، خاض الروس حروباً عدوانية شرسة ضد شعوب وقوميات وأخضعوها لسلطانهم، ومارسوا ضدها القهر وألحقوا التدمير بالعمران، وكانت لهم أطماعهم وقلوبهم السوداء وأحقادهم الكالحة التي دفعت ثمنها شعوب آسيا الوسطى بالدرجة الأولى. وانصبَّت معظم تلك الأحقاد، وفي كثير من الأحيان، على المسلمين وثقافتهم، منطلقة من منابع العرق والدين والمصلحة، مؤدية إلى الموت والدمار والشر والمعاناة البشرية بألوانها المختلفة، وقد مارس الروس ذبح المدن وإعدام الثقافة في ظل الإمبراطوريات الروسية الثلاث:‏

- ففي حروبهم في بلاد القوقاز، أيام القياصرة، شردوا مئات الألوف وقتلوا أمثالهم ودمروا المدن، وعاش الشركس بشكل خاص، والأتراك المنتشرون من خِيوَة حتى أذربيجان ألواناً من القسوة والرعب. وألحقت بلدانهم بقيصر بعد أن ضعفت الإمبراطورية العثمانية عن حمايتهم.‏

- و "في 18شباط /1918/ استولى الجيش الأحمر على "خوقند" ونهبها ودمر معظم المدينة وذبح سكانها، معتمداً على مساعدة المستوطنين الروس في ذلك، وفي استعمارها من بعد ذلك.‏

- وفي عام 1918 "كان شعب كازاخستان قد أعلن الحكم الذاتي وطلب مساعدة القائد القيصري، الأميرال كولتشاك في الدفاع عن نفسه ضد البلشفيك، وإذا بالشعب الكازاخي يكتشف أنه هو أيضاً عدوهم".‏

- وفي /2/ أيلول 1920 دمر الجيش الأحمر بخارى "وقد التهمت ألسنة اللهيب المكتبة التي ربما كانت تحتوي على أعظم مجموعة في العالم من المخطوطات الإسلامية.‏

- وفي الأعوام السوداء من عقد الثمانينات دفعت أفغانستان ثمناً لا يقدَّر جراء العدوان والاحتلال اللذين قامت بهما الإمبراطورية الروسية السوفيتية.‏

- وفي 30-31 /12/1994 دخلت جيوش الإمبراطورية الروسية الثالثة التي تزحف على بطنها وتقتات بثدييها، دخلت "غروزني" عاصمة الشاشان بعد أن حصدت آلاف الضحايا، لا لسبب إلا لأن الشاشان يريدون الاستقلال، وعدم الالتحاق بحمى روسيا الاتحادية، فقد ضاقوا بالإلحاق والاستعمار ومحو الشخصية والتبعية، شأنهم شان شعوب آسيا الوسطى المستعمرة من الروس منذ عقود من الزمن.‏

وعلى الرغم من حاجة روسيا إلى المال والاستقرار، وحاجة الشعب الروسي إلى الغذاء والأمن فإن "قيصره" الجديد يعلن الحرب على الشاشان والأنغوش، وعلى سائر أهل بلاد القوقاز إن استدعى الأمر لكي يحفظ ما أخذ يظهر على أنه الكيان العضوي لروسيا التي غطت استعمارها المزمن للآخرين وأظهرته على أنه وحدة وطنية.‏

إن الشعب الروسي يدفع الثمن في كل ذلك، ويجعل الآخرين يدفعون الثمن. فما هي مصلحة الروسي البسيط في أن يكون عدوانياً ومستعمراً وعنصرياً في هذه الظروف بالذات؟ ومن يخدم مثل هذا الوضع سوى الصهاينة الذين يتحكمون بجانب من قرارات موسكو، والأميركيين الذين لا يريدون أن تقوم للشعب الروسي أيَّة قائمة ؟؟‏

ولماذا ينصبُّ حقد الروس المزمن على شعوب مسلمة وثقافة إسلامية، وبلاد يقطنها المسلمون؟! إذ هم الذين يقفون وراء استمرار فظائع الصرب التي ترتكب ضد مسلمي البوسنة والهرسك، وما زالوا يمنعون مجلس الأمن من التحرك الجاد لوضع حد لممارسات العنصرية الصربية التي لا يجاريها في إجرامها سوى العنصرية الصهيونية، يدفعهم إلى ذلك تعصب عرقي "سلافي"، وتعصب مذهبي، ولماذا يتركون حرية الاختيار لبلدان مثل لاتفيا وأستونيا وليتوانيا لتأخذ استقلالها من غير تدخل أو ضغط، بينما يشنون الحرب ويقتلون الخلق، ويؤسسون للفتن، فيما لو طلب أحد من أوزبكستان أو طاجيكستان أو الشاشان أو الأبخاس أو الأنغوش استقلالاً أو حكماً ذاتياً منقوصاً؟!.‏

ولماذا نجد الغرب، الذي يزعم أنه يمثل الرأي العام العالمي، يضغط لإعطاء دول بحر البلطيق السوفيتية استقلالاً، بينما يتغاضى عن مذابح الروس في غروزني معتبراً أن ذلك قضية داخلية روسية؟!‏

إن الإمبراطورية تعبت بما فيه الكفاية، فالروس يريدون المحافظة على إمبراطوريتهم الثالثة؛ ويخشون من تفكك الكيان الهش الذي أزال إطاره العام غورباتشوف وتركه يتهاوى في أحضان الأميركيين ولمصلحتهم في النهاية . والروس ويغذون نزوعاً قومياً تعصبياً، وعداوة دينية، في وقت يستعيدون فيه "إيمانهم" بعد الإلحاد المتهافت؛ والروس يغرقون، قبل ذلك كله وبعد ذلك كله، في المستنقعات التي تدفعهم إليها الصهيونية والإمبريالية الأميركية لكي تبقيانهم في حالة إنهاك وتهالك وتدهور اقتصادي، وليزدادوا نزفاً وفقراً واحتياجاً. وربما كان ذلك استمراراً لمخطط يرمي إلى دفن الروس دائماً في المشكلات باللعب على أوتار حساسة لديهم مما يجعلهم يندفعون نحو الهوة، فيحصدون الألم والندم، ويستغرقون في الفقر والسكر، ويقودهم القياصرة وراء الأوهام والأحلام، التي يمسك بأطراف أجنحتها اليهود والأميركيون، فلا يذهب العصفور بعيداً، ولا يشعر أنه محروم من الطيران أو ممنوع منه. إنها عملية التسميم بالوهم !!.‏

لكن الذي يسترعي الاهتمام - بصرف النظر عن أوهام الروس وأطماعهم وخطط اليهود وخبثهم ـ هو سكوت العالم عما يجري للشعوب الصغيرة، وللثقافات المحرومة من هويتها. فلا البلدان التي تدعي أنها تدافع عن الحقوق والحريات والممارسات الديمقراطية ترفع صوتاً، ولا تلك التي تأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة من حيث القوة والحضور تحرك ساكناً؛ ويبقى الإنسان قيد الإبادة والحرية رهن الاعتقال، والثقافة في حالة تبعية. كما يبقى الموت الأسود والقهر المقيت يلاحقان شعوباً وأفراداً يريدون العيش بحرية تحت الشمس، التي تنير دروب خلق الله جميعاً وتقف عند عتبات بعض القلوب والبلدان والشعوب لا تتجاوزها؛ لأن " قيصر" أو من يوجهون "قيصر" ويحركونه يقف بينهم وبين الشمس وينشر ظله على دروبهم وقلوبهم.‏

إن من حق الشاشان والأبخاس والأنغوش والغبردين / الغبرداي / وغيرهم من سكان القفقاس أن يستعيدوا استقلالهم وأن يقرروا بحرية مسألة التحاقهم "بروسيا الاتحادية" روسيا الإمبراطورية الثالثة. ومن حقهم أن تصان دماؤهم وحقوقهم وحرياتهم ومعتقداهم، وأن يتمتعوا بالأمن والاستقرار، وهم يمارسون عباداتهم ويحيون ثقافتهم ويستعيدون انتماءهم الحضاري.‏

وليس طبيعياً ولا منطقياً، ولا هو من مستلزمات عالم ما بعد الحرب الباردة وعالم "النظام العالمي الجديد"، أن تُشنَّ حروب الإلحاق والاستعمار والهيمنة على شعوب مثل الأبخاس والشاشان وسواهم لمجرد أنهم يريدون الشعور بالكرامة والحرية واستقلال الإرادة والقرار.‏

وإن عالماً يسكت على ما يجري في البوسنة والهرسك، وغروزني، وما جرى في أبخاسيا وسواها، مما لم نسمع عنه وما زال يشمله الستار الحديدي الجديد؛ هو عالم محكوم بالجبن والتواطؤ، ومتهافت بين يدي قوى لا يحق لها أن ترفع شعارات إنسانية براقة في حين تمارس ممارسات شريرة قذرة، تلحق العار بالإنسانية والعدل وبظلال قيم الأديان السماوية كلها.‏

ولا أظن أن السكوت يشرف الإنسان بينما الروس يذبحون الشيشان .‏

الأسبوع الأدبي/ع445//5/ك2/1995‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244