|
من الخطيئة إلـى القمة
منذ وقع المأزوم الدائم، ياسر عرفات، اتفاق أوسلو وألحقه باتفاقي القاهرة، ومعبر "إريتز" وهو يغوص في الخطيئة والذل والمأساة أكثر فأكثر، ويغري آخرين بالجهر بما ارتكبوا ويرتكبون من خطيئة بحق أمتهم وقضاياها وشهدائها ومواطنيها، ولم يكن أولئك بحاجة إلى إغراء ليغرقوا فيما يحبون، أو ليستغرقوا فيما كانوا فيه يستغرقون، بل كانوا بحاجة إلى من ييسر عليهم رفع الغطاء عما يفعلون.
ولم تكن اتفاقية "وادي عربة" التي وقعها الملك حسين مع أصدقائه القدامى، وشركائه في اقتسام فلسطين والفلسطينيين، لم تكن تلك الاتفاقية أكثر سوءاً وتهالكاً من اتفاقيات عرفات مع الصهاينة، وإنما نازعتها على كثير مما تضمنته من أدوار وأهداف وسقوط، وذهبت إلى الحد الذي أيقظ جراحاً عربية قديمة وثارات وخلافات، ومهد لإقامة متاريس جديدة للدفاع عما بقي لدول عربية أخرى من أدوار ومصالح ومهام من جهة، ولما بقي لدول عربية أخرى من نقاط استناد وحقوق وأهداف تحريرية وقومية.
وحين فتح الملك حسين أردن العرب ل" إسرائيل " ولوح باستعادة الدور القديم الذي كان له ولجده الأقرب مع الصهاينة وحماة دولتهم وغارسيها في منطقتنا، وكشف عن تطلعات ومخططات عربية وصهيونية يخدمها ويستفيد من وضع نفسه في خدمتها، خلق حالة هرولة في بعض الساحات العربية تستند إلى أرضيات ومصالح ومعطيات مختلفة، ولكنها حالة تدعو إلى التأمل والتتبع والاهتمام.
فبعض الدول العربية بادرت إلى تعزيز ارتباطاتها القديمة بالغرب عن طريق فتح أبوابها لإسرائيل، لتكسب الرضا وتمتن الثقة، وتفوز بدعم شاهد لا يكذب في واشنطن، وبعضها أخذ يتلمس رأسه لأنه أحس بأنه سيفقد شيئا كان له وسيصبح لغيره، والبعض الآخر أدخل دوامة عنيفة فلم يعد يميز اتجاه الريح،وقلة قليلة استشعرت الخطر الشديد من كل ما يجري وأرادت أن تستدرك ما يمكن استدراكه، وتنقذ ما يمكن إنقاذه ليبقى لها، على الأقل، أرض تقف بثبات ونقاط استناد لا تتحول إلى ثغرات تكشف الظهر وتقود إلى المهاوي..
كان مؤتمر الدار البيضاء أحد أهم المحطات التي توقف فيها قطار العرب وكاد لا يستأنف السير، إذ أين هم، ومن هم في عالم اقتصاد الغد وصلاته واتفاقياته؟! وهل بقي لهم شيء، أو قوة تحمي لهم شيئا ؟! وترك ذلك المؤتمر أسئلة دون أجوبة، وأثار حالة من البحث المحموم عن شركاء للعرب خارج أرض العرب، وكانت " إسرائيل " في مقدمة الشركاء بالنسبة لبعض الدول والتجار والمؤسسات والشخصيات، لأنها وضعت في موضع البوابة التي لا بد من عبورها نحو "سوق الحياة".
وكان ملتقى القدس الذي حضره اقتصاديون عرب، وكانت زيارات " الإسرائيليين " لبعض دول الخليج؛ وأومض في الفضاء العربي برق من جهات معينة: فالمستقبل ينذر بان من كان له دور رئيس في قطف ثمار بعض الدول لن يكون له حتى أن يجمع النُوى من تحت تلك الأشجار عندما يحتل السيد " الإسرائيلي " مكانه بوصفه الوكيل الأول للأميركي، و"الصديق" الأقرب بالنسبة للعربي، الذي لُذِع بنار أخيه مرة أو مرات، فتزعزعت ثقته بالأخ وأخذ يبحث عن الحامي القوي ولو كان عدواً يتسع فكه لكل شيء؛ فعند العرب، فيما يبدو، استعداد كبير لأن يسعدوا حين يأكلهم غريب ويبتئسوا حين يتعشى بهم قريب..
وعندما أخذ الجمهوريون الصاعدون في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين يلوحون بتخفيض المساعدات، وطمأنوا " إسرائيل " إلى أن ذلك لن يكون على حسابها بل على حساب شركائها الكبار في المساعدات، ازدادت حمى القلق، وازداد اللهاث في دوائر ثلاث، معنية جداً بذلك الأمر، أضعفها واشدها تلهفاً على أخذ موقع مناسب لها في ذلك الصف، وعلى كسب الرضا والثقة والحظوة "الأردن" وأكثرها استعداداً للتنازل وبيع الأخوة والشركاء طمعاً في مستقبل أفضل يقيم دعائمه الحلفاء التاريخيون، وتثبيتاً للاختيار الاستراتيجي، اختيار التحالف مع " إسرائيل "، كما أنه ـ أي الأردن ـ من جهة أخرى سرَّعَ وتيرة انفراط عقد الدول العربية التي كانت تنتظر نتائج المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية لتتخذ موقفاً علنياً، فجعلها تترك تلك الطريق وتسارع إلى الاعتراف ب" إسرائيل " وتطبيع العلاقات معها، واستقبال موفديها، وإقامة علاقات دبلوماسية متبادلة فيما بينها، وهذا ما كاد يبطل، أو يضعف دور مصر الذي كان موكلاً إليها منذ " كامب ديفيد "، والذي تتقاضى من أجله مساعدات؛ ولم يكن ذلك خفياً، فقد صرح أسامة الباز منذ فترة بان المساعدات التي تقدمها أميركا لمصر ليست دون ثمن أو دون مقابل، فمصر تدفع الدول العربية إلى المصالحة مع " إسرائيل " وتهيئ المناخ الذي يجعل " إسرائيل " جزءاً من نسيج المنطقة، ولهذا ومن أجله تتلقى مساعدة أميركية..
وعلى هذه الأرضية، وتلك الخلفيات والمعطيات تصاعدت حمى القلق والأرق أكثر فأكثر، وبدأت " إسرائيل " تفتح نيرانها السياسية على مصر، الشريك الأكبر في اقتسام المساعدة والمنافس الرئيس على أسواق الخليج، والقوة التي يمكن أن تلغي دور الأردن؛ وبدا الأردن شريكا ل" إسرائيل " في ذلك، وبدأت مصر سعياً للرد على ذلك الفعل الذي تنكره وتستنكره؛ وكان من جملة ردودها وخططها إظهار تأثيرها على الساحة العربية، وتوقفهاً مؤقتاً عن تطويع العرب للتطبيع، لتشعر أميركا بالذات بان دورها باق ورئيس، وبان حصتها من المساعدات ينبغي ألا تمس. وألقت بعض ظلالها على الأردن فارتجف أو كاد، ولكنه استحلى أن يكون في موقع المنتَقَد من قبل العرب لأن ذلك يزيده زلفى عند " إسرائيل " وأميركا..
وقد أدى ذلك كله إلى مزيد من الضغوط السياسية المتبادلة والمناورات المتبادلة، واستمر الزحف على الركَب نحو استحكامات جديدة، للدفاع عن الذات والمواقع والمكتسبات.
وساد غبار التوقيع على اتفاقيات نزع أسلحة الدمار الشامل فضاء المعركة، ولكنه ليس المعركة وكل ما فيها؛ على حين أنه يجب أن يكون كل المعركة وكل ما فيها ...
فمصر تعرف، كما يعرف العرب جميعاً، أن " إسرائيل " تملك سلاحاً نووياً كثيفاً، قبل التوقيع على اتفاقية " كامب ديفيد " وتعرف أن أميركا خاصة والغرب عامة، يرفضون إلزام " إسرائيل " بالتوقيع على اتفاقيات نزع السلاح النووي وحتى بالانضمام إلى دائرة الدول التي تخضع للرقابة على جهودها وترسانتها النووية، ومصر تعرف كما يعرف العرب جميعاً أن أميركا تزود " إسرائيل" بكل ما تحتاج إليه لتكون المتفوق المميز من حيث قوة التسليح ونوع الردع العسكري /نووي أو غير نووي/ على العرب مجتمعين، وعلى العرب والمسلمين الذين قد يملكون سلاحاً نووياً مثل إيران وباكستان..
ومع ذلك فإن هذه القضية لم تُثَر عند توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" أو اتفاقية " أوسلو "، أو اتفاقية " وادي عربة"
ولم يكن العرب صفاً واحداً، بل لم يرغب أكثرهم في أن يكونوا صفاً واحداً في تلك المواقف .
وعندما كانت سورية تدعو إلى شيء من التنسيق أو إلى احترام نتائج التنسيق، بعد مؤتمر مدريد، كان من يخرِّب ذلك المطلب من العرب أكثر ممن يسكت على غش ويكتفي بالسكوت.
وكان من يدفع الفلسطينيين في السر إلى توقيع اتفاق " أوسلو "، يعرف ما الذي يقوم به الملك حسين هنا وهناك ليقفز فوق جثة عرفات السياسية نحو اتفاقية وادي عربة والتحالف الجديد مع " إسرائيل " ضد الشركاء العرب والأمة العربية؛ ولم يكن ذلك موضوع تصريح أو تلميح أو انتقاد من أحد من العرب، الذين يتفرجون على المفاوضات ويدفعون من لديه استعداد للتنازل إلى مزيد من التنازل؛ وهم يدركون جيدا أنهم يضعفون بذلك سورية ولبنان، ويجعلون العدو يستفرد بهما، ويضاعف من ضغط الأميركيين والصهاينة والغرب الاستعماري كله عليهما .
الأسبوع الأدبي/ع446//12/ك2/1995
|