|
سحر دمشق قرارها
ترددت في الاستجابة لدعوة "السفير" أو استدعائها الذي وجّه إليّ لأواجه الامتحان في معرفة قضايا العصر والأوان مما يتعلق بالتطبيع مع العدو، وإلا فهي المحنة. وجاء ترددي ذاك بعد أن قرأت ما كتبه بعض القائمين على شأن الرأي والثقافة والموقف فيها، وهالتني منهم اتهامات وتجرؤات ومحاولات لقلب الحقائق والوقائع مما لا ينتظر منهم، وهم بعض ضحايا من يزيفون الحقائق ويلفقون الوقائع ويحرفون الأفكار، كما هالني منهم جنوح نحو الاستفزاز والتعميم، وتغافل عن معطيات الواقع نعيشه ونعاني مر المعاناة منه وفيه.
وازدادت حيرتي حين فكرت في الكيفية التي سأفِد فيها على الصديق الكبير طلال سلمان، ودون بابه عسس وحرس وأوصياء على الناس، يحولونهم بنظرة ثاقبة من ضحايا إلى جلادين، ومن كتاب ومفكرين إلى بُداة وإرهابيين، ومن أصحاب رأي وموقف إلى غزاة ومدمرين للقيم!! وأنا أحد أولئك البدو الحفاة الجفاة القساة العتاة، الذين عادوا لتوهم من غزوة همجية طالت أحد معاقل الثقافة والحضارة الإنسانية، حيث عاثوا هناك فساداً وتبَّروا ما علوا تتبيرا.
وخرجت من حيرتي إلى ظل حقيقة أيقنت أنها قد تشفع لي، وهي أن الرجل كريم، ولم يقطع حباله كلياً مع البداوة، ولا بد أن يتفهم وضع أولئك الهمج البُداة القادمين من دمشق أو القابعين فيها؛ وستأخذه الأريحية الجنوبية فيأمر بفتح باب كل سفير خطير في جريدة السفير لينظر في أمرنا، ويتفهم وضعنا، ويغفر لنا زلتنا، ويقيل عثرتنا، هذا من جهة؛ وليتيح لنا أن نرى ونتعلم فنصبح قرب إلى الإدراك ونغيِّر طبعنا وربما مواقفنا وقراراتنا، التي نقسم إنها اتخذت بالأكثرية ، على الرغم من محاولات التحريف التي تريد لها أن تصبح إرهابا شخصياً ، بعد أن نميِّز تمييزاً دقيقاً بين الدعوة النظرية ـ الإعلامية ـ لرفض التطبيع مع العدو الصهيوني ـ وهي دعوة مسموح بها حتى الآن ـ وبين الممارسة الفعلية لذلك الحق لنظري المباح، سواء باتخاذ موقف من دعة التطبيع ورموزه، أو باللجوء إلى أداء من أي نوع يؤدي إلى فرز وتمايز في صفوف المثقفين، على أرضية ذلك الموضوع.
وعندما اهتديت إلى هذه الفكرة زالت عني الغمة وخطر لي أن أكتب إليه قبل أن أفِد عليه لأعلمه بأمر وفد البدو المجلوب من الشام إلى بيروت، أو المجلود وهو في الشام بحد القلم والحسام، حتى لا ينال ذلك الوفد وهو في الطريق إليه ما ناله قبل أن يُرفع أمره بين يديه. وبدا لي أن أشرح له بعض ما دار في المضارب المتخلفة المقامة في حي المزة من دمشق الشام، حيث يتخذ "أهل الغزوة الهمجية" من البدو الكتاب مقراً لهم. وأبسط الأمر بين يدي أهل الرأي في السفير ليتفهموا معنى لخروج أولئك البدو إلى الوجود بقرار اتخذوه بالأكثرية في مؤتمر لهم ـ عفو سدنة الديمقراطية ـ حيث قرروا تطبيق القانون والأنظمة النافذة في مؤسستهم ـ عفو المؤسسات الفردية ـ على من يخالف الأهداف المعلنة لتلك المؤسسة، التي يطلع كل من يطالب الانتساب إليها على أهدافها، ويعلن التزامه ـ إن شاء ـ بالموافقة على تلك الأهداف واحترامها والعمل على تحقيقها، ويبقى له الحق، في كل وقت، في أن ينسحب منها إذا رأى ذلك.
وأسترعي انتباههم إلى أن الجلد المدني الذي تعرض له أولئك البدو يبقى جلداً حتى ولو صدر من مدنيين وحضاريين وحداثيين، وأن الخروج بالأمر إلىحدود الاتهام ـ الشخصي والعام ـ بالإرهاب وممارسة القتل بسكين قلم، هو الإرهاب والقتل مجسدان، لا سيما حينما يرافقان بتعصب وعصاب واستعلاء حضاري، وتطورات ثقافية ومعرفية تجرد الآخرين من حقهم وتشوه حقائقهم، وترهبهم باسم الدفاع عن الإرهاب ، وتدينهم من هذا الباب، وتلك طرق سئمنا من ترداد ممارسة الصهيونية لها ، ولا نحب أن تكون هي الدروس المستفادة منه ليطبقها بعضنا على بعض.
واستسغت أن أشير ولو تلميحاً ، إلى أن من يرى للصهاينة، أعداء السوريين وللبنانيين حقاً في الوجود والبقاء على أرض السوريين واللبنانيين يمكن أن يكون مخطئاً حتى ولو كان كبيرا ، ويمكن أن يرفض فعله على الأقل في الوقت الذي يموت فيه الأبرياء ، ويستشهد الشهداء، من أجل تغيير الواقع المر الذي يراد لنا أن نستسلم له، وأن نقبله تحت اسم "الواقعية الانهزامية" والمظهرية الحضارية التي قدَّم لنا صيغة لها المقتول السادات.
وأنه ليس من العدل في شيء، بعد الذي جرى وكان، أن يبقى غلط الكبار" قانوناً أو فوق القانون، وقيمة تقاس عليها القيم، بينما يعاقب "الصغار" على غلطهم بالحديد والنار؟!
وخطر لي أن أقول بصوت يكتمه حبر الورق حتى لا يخدش سمع الحضارة والحداثة أن قول ببراءة البدوي وجلافته معاً :
فسروا لي من فضلكم كيف تجمعون بين نقيضين في جلد واحد وتسيرون إلى المدى الذي لا يُحَدّ في الدعوة إليهما معاً؟!
ـ كيف تكونون جنوبيين تتألق جراحكم وتندفعون مقاومة جليلة للعدو الصهيوني الذي ينحركم ويحاول أن يزيف حقكم وهويتكم، ووجوهكم فيرسمكم إرهابيين ومخربين وأعداء للسلام وهمجاً يقتحمون صروح الأمن والحضارة التي يشيدها ، وأنتم ماضون في طريقكم طريق الحرية والتحرير مصممين على رفض الاعتراف بالعدو ورفض تطبيع العلاقات معه، ورفض وجوده على الأرض التي لكم ولآبائكم ولأبنائكم من بعدكم؛ وتقفون في الوقت ذاته مع من يصافح ناحركم ويبارك وجوده "وجهاً حضارياً" ومسيرة ديمقراطية "؟!؟" يفتقدها الهمج الذين يقاومونه، ويعدُّ التقرب منه والحوار معه نضجاً فكرياً، وسمة حداثية!! ويتهم كل من لا يعمل على الاعتراف "بالأمر الواقع"، الذي يكرس وجود العدو واحتلاله وكل من لا يعترف به ويعمل على تطبيع العلاقات معه، بأنه متخلف لا يفهم معطيات العصر وتغيرات الدنيا، ولا يليق به أن يكون معبراً عن ثقافة أو تقدم أو حضارة، بل هو لا يستطيع أن يجاري بفهمه ووعيه الناضجين؟!
فسروا لنا كيف نكون حضاريين وحقانيين ومقاومين قوميين أصلاء حين نقف مع فعلكم المشرف في دفاعكم المشروع عن أرضكم ـ أرضنا، وحقكم ـ حقنا، وضد عدوكم ـ عدونا، ثم نصبح همجاً وإرهابيين وقتلة حين نرفض موقف من يقر لذلك العدو بشرعية ومشروعية وقيم إنسانية وحق في المنطقة، جغرافياً وتاريخياً؛ ويدعو إلى حوار حضاري معه ـ لا يتقنه البدو الجفاة القساة ـ وذلك العدو أنموذج للعنصرية والعدوان والهمجية، ويقدم أبشع صور القهر ويمارس إبادة الجنس والعمران ضد أبناء شعبنا ـ شعبكم سواء في فلسطين المحتلة أو في جنوب لبنان؟!
فسروا لنا كيف تكونون ضد تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني ومع من يدعو إلى ذلك التطبع ويمارسه ويروج له ويتهم الآخرين بالدونية تحت مظلته في الوقت ذاته؟! هل ينسجم الموقفان في كيان ، ويتعايشان في جمجمة واحدة من دون أدنى صراع داخلي أو من دون شعور بالانقسام ولا أقول الازدواج؟! إذا كان ذلك كذلك فإنني " أغبطكم " على ما أنتم فيه من عجب !!.
كتبت وكتبت.. ثم فجأة توقفت... وقررت ألا أدفع رسالتي إلى صديقي، وألا أذهب إلى هناك إلا مجلوباً بقوة القانون لا بقوة الصحافة وحقائق الإعلام، الذي أرى أن ما يسود واقعنا ليس إلا حقائقه للأسف ، وهي ليست الحقائق بالضرورة؛ ولا ترفرف في ساحاتنا إلا أعلام أعلامه، وليس بالضرورة أن يكون أولئك الأعلام أعلاماً!؟.
توقفت وشدني إلى الوراء ألف مسيل ومسيل دم على جباه بعدد الرمال، قضت من أجل شرف للوطن يستنبت في شرايين الأرض وشرف الكلمة وأحشاء الأمهات ليكون للوطن أبناء وليكون الوطن!! قررت أن أبقى في خيمة البدو الكبييرة ـ اتحاد الكتاب العرب ـ في الشام، وأن احتفظ بقلمي ـ سكيني، وأن أضم الأصوات الحديثة التي تتهمني بالإرهاب إلى الأصوات التي أسمعها منذ سنوات تتهم بعض الجنوبيين والفلسطينيين بالإرهاب لأنهم يقاومون الاحتلال وتشويه الحقائق وتزييف صورة العرب وحضاراتها وتاريخها وثقافتها.
قررت أن أحتفظ بهدية السفير / أحد البدو وأحد الإرهابيين/ لأنني اخترت أن أنضم إلى المقاتلين والشهداء والمؤمنين بعروبة الأرض والإنسان في هذا المكان من العالم والذين يعتزون بموقفهم حتى ولو وقف "كبار الدنيا" ضدهم وضد ذلك الحق.
قررت أن استنشق عبير دمشق ، فسحر دمشق قرارها ، ممزوجاً بروح بداوة كتَّابها من أمثالي، لأنهم اختاروا رفض التطبيع مع العدو الصهيوني المحتل ، ونبذ رموزه، والإزراء بشرق أوسطية بيريس ، وبكل من يعترف لإسرائيل بحق في الوجود والبقاء في أرض العرب، أرض الشام، أرض فلسطين العربية، أرض القدس الشريف وكنيسة المهد .
وأرسلت لصديقي الكبير طلال سلمان ألف تحية حب وتقدير لقلمه، الذي يسكب في عروقي معاناة الجنوبيين وبعض حقائق لبنان، ويميز بين الضحية والجلاد، العدو والصديق، البدوي الصادق والمديني الآبق.
وله ولكل سفير في السفير خالص الحب والتقدير .
والسلام ختام .
الأسبوع الأدبي/ع451//16/شباط/1995
|