|
الرد على مايور السيد فيديريكو مايور
اطلعنا على تصريح السيد فيديريكو مايور المدير العام لمنظمة اليونيسكو، الذي يستنكر فيه قرار مؤتمر اتحاد الكتاب العرب فصل أدونيس، بعد أن دعا إلى تطبيع العلاقات الثقافية العربية مع " إسرائيل". وإننا إذ نجد من البديهي أن يقف المدير العام لمنظمة اليونسكو مع حرية التعبير وحقوق الإنسان، ليؤسفنا ويحزننا معاً أن يختار الموقع الخطأ، وأن يكون ضحية لازدواجية المعايير؛ فلا يرى في ممارسة الكتاب العرب لحقوقهم وتعبيرهم عن آرائهم ومواقفهم المبدئية من قضايا أمتهم، من خلال شرعية وديمقراطية تامتين، ومشروعية قانونية وخُلُقية مُرْضِية. كما لا يرى في الاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان وجنوب لبنان وفي إبادته للعرب هناك، جسدياً وثقافياً عبر ممارسات عنصرية تجسدها معسكرات الاعتقال والسجون وملاحقة المدنيين واضطهادهم واغتصاب أراضيهم، لا يرى في ذلك انتقاصاً من حقوق الإنسان وعدواناً صارخاً على تلك الحقوق، يستحق منه الإدانة والشجب. وأنه ليؤسفنا انحيازه الصارخ لمواقف وتوجهات ثقافية وفكرية ترمي إلى الاعتراف بشرعية احتلال أرض الغير بالقوة، وبطرد السكان الأصليين من فلسطين لإسكان آخرين في بيوتهم بالاغتصاب والقهر، وإضفاء شرعية قانونية وخُلُقية على ذلك العمل بفرض إقامة علاقات طبيعية مع الاستعمار الاستيطاني المستمر في فلسطين، والقبول بكل نتائج ما يحققه العدوان والقهر، وذلك باسم مناصرة " الانفتاح الذهني وإرساء ثقافة السلام والتفاهم الدولي" !؟!.
وكم كنا نود لو أن المدير العام لليونيسكو أبدى حزنه وأسفه لما يلحق بالشخصية الثقافية العربية في فلسطين المحتلة والجولان وجنوب لبنان من تدمير وتشويه على يد " الإسرائيليين "، ولما يتعرض له المثقفون والمطالبون بأبسط حقوقهم من العرب هناك من اضطهاد وقمع وإبادة روحية لا تُقِرُّها القوانين والشرائع والمواثيق الدولية وأدنى المستويات الخُلُقيَّة .
إن حزن مدير عام اليونسكو وأسفه مشروعان وكم يكونان متألقين ومؤثرين عندما يكونان عادلين ومستندين إلى أرضية إنسانية ـ خُلُقية منطقية منصِفة، وغير مجيَّرين لقضية تواطؤ مع الاستعمار والعنصرية تحت أغطية ثقافية وحضارية واضحة الأغراض.
وكم شعرنا بالأسف والرثاء ـ نحن أعضاء اتحاد الكتاب العرب ـ لمواقف السيد مايور، الذي أراد أن ينتصر لممارسات ومواقف شخصية مشبوهة ضد مبادئ منظمةٍ ومشروعية ممارساتها لقوانينها، لا سيما عندما تقوم مؤتمراتُها بتطبيق تلك القوانين والأنظمة على أعضائها في جو من الديمقراطية والحرية والعلنية!؟ وكم ازداد أسفنا ورثاؤنا حين وصل مدير عام اليونسكو في تصريحه إلى حدود وضع أعضاء مؤتمر اتحاد الكتاب العرب، الذي قرر في 27/ 1/ 1995 فصل الشاعر أدونيس لخروجه على الأهداف المعلنة للاتحاد الذي ينتمي إليه ، وضعهم في صف ما يصفه السيد مايور " بقوى الظلام" التي يقف ضدها دفاعاً عن حرية التعبير وحقوق الإنسان؟!! ويمكننا القول بكل الاطمئنان والثقة بعد هذا التصريح: إن مدير عام اليونسكو لم يكن منصفاً، وإنه ما هكذا يتكلم مدير عام لمنظمة دولية للثقافة والتربية والعلوم عن كتاب واتحادات المثقفين في بلدانها .
وإننا إذ نستنكر هذا الموقف المنحاز من السيد فيديريكو مايور ونستهجن استنكاره لممارستنا الديمقراطية لحقوقنا وحرياتنا المشروعة داخل مؤسستنا الثقافية حسب قوانينها وأنظمتها الداخلية، وباحترام تام لتلك الأنظمة والقوانين؛ حفاظاً على مؤسستنا وحقوقنا القومية والوطنية في بلداننا،التي يتمسك بها كتابنا ومثقفونا؛ نعلن أن هذا التصرف من السيد مايور يعتبر تدخلاً في شؤوننا الداخلية، وهذا ما نرفضه ونستنكره تماماً، كما يرمي تصرف السيد مايور إلى إصدار حكم إدانة جماعية على كتَّاب ومفكرين ومبدعين، ومصادرة حقهم في مؤسستهم ويحرض على فعل ذلك عبر العالم. وهذا الفعل المرفوض مبني على مواقف مسبقة ونابع من انحياز لسياسة تُتَرْجَم عبر الثقافة، وقد تجلت في غرناطة؛ ويُرَاد فرضُها على الآخرين من خلال المنظمات الدولية، التي تُستخدَم في هذه الحالة كأدوات بيد بعض السياسات.
ونقدر أنه لا يجوز وضع الشخصيات التي تمثل منظمات دولية كأدوات في خدمة سياسات وتوجهات معينة منحازة لهذا الغرض أو ذاك .
ونود أن نؤكد للسيد مايور مدير عام اليونسكو أننا لسنا قوى ظلام، وأننا لا نناصر قوى الظلام، وأن لنا مفهومنا وتعريفنا ومعاييرنا التي نحدد في ضوئها تلك القوى سليمة وتختلف عن معاييره ، وتستند إلى إرث حضاري عريق وتستمد منه . إننا قوى خير وحق ونور تتصدى للظلامية التي نعاني منها، وأكثر ما يجسدها في منطقتنا الاستعمار والعنصرية الصهيونية وازدواجية المعايير وسياسات القمع والإحباط وتشويه الحقائق والوقائع والمواقف والمبادئ والثقافات والقيم .
إننا قوى تعمل على ربط الحرية بالتحرير والتحرر، وربط السلام بالعدل، والإبداع بالقيم؛ قوى تقاوم الاحتلال والاستعمار والاستغلال والتجويع والنهب والقهر، بكل أشكالها. وقد كنا وما زلنا ضحايا ظلامية العنصرية، وضحايا من يزعمون أنهم قوى الحرية والانفتاح والتنوير، من الاستعماريين والصهاينة ومن يربط مصيره بوجودهم ويناصر ظلمهم، ولا يجرؤ على رفع إصبع الاتهام في وجوههم.
ونود أن نؤكد للسيد مايور أن من قدَّموا له المعلومات والنصيحة باتخاذ هذا الموقف من اتحاد الكتاب العرب غشوه تماماً، ولم يكونوا مخلصين للحرية والحقيقة والثقافة، بل مخلصين لأنانيتهم المفرطة؛ وأرادوا أن يجيِّروا مواقف المنظمة لخدمة تطلعاتهم ومشاريعهم. كما نحب أن نوضح ونؤكد أننا لا نخضع للتخويف، وأننا مهما قيل، فينا وعنا، سوف نرفض تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني الذي يحتل أرضنا ويشرد شعبنا ويشوه ثقافتنا ويفسد قيمنا، ويبيد الإنسان العربي في مدننا وقرانا المحتلة، في فلسطين والجولان وجنوب لبنان؛ وبذلك نكون أخلاقيين وإنسانيين فعلاً ، مع السلام الحق والحرية وحقوق الإنسان. وأننا لن نتخلى عن حقوقنا التاريخية وثوابتنا وقيمنا وعقائدنا تحت تأثير حملات الإرهاب التي تُشن علينا بأشكال مختلفة وتحت مسميات وشعارات وذرائع مكشوفة ومرفوضة؛ ولسنا بحاجة مطلقاً إلى شهادات على " الحضارية " ندفع ثمنها أرضنا وكرامتنا وهويتنا الثقافية. وندرك جيداً أن هدف تلك الحملات هو أن نصاب بالإحباط واليأس ونُجبَر على الانصياع لمشروع " سلام الاستسلام" الذي تمليه "إسرائيل" بدعم غربي وتهديد نووي، لتكريس وجودها واحتلالها على حساب حقوقنا وكرامتنا وتقدمنا؛ وهذا ما لا نرضاه ولن نستسلم له أبداً.
إن وضوح حقنا ومواقفنا ومبادئنا كوضوح الشمس، ولكن هناك من اعتاد على الضباب ولا يحب أن يرى الشمس، فماذا نعمل له يا سيد مايور؟ على أن هذا لا يغير من حقيقة أن الشمس موجودة ومشرقة وكذلك حقوقنا .
دمشق في 16/ 2 / 1995
الأسبوع الأدبي/ع452//23/شباط/1995
|