|
نحو الحقيقة
لا أريد الآن أن أتوقف عند حملات التهويش والتشويه والتهييج التي تنظم ضد اتحاد الكتاب العرب وضد قرار مؤتمره العام بفصل الشاعر أدونيس لمخالفته أهداف الاتحاد، فقد تعرفنا منذ زمن بعيد على هذا الفرع من فروع الاختصاص الإعلامي ـ السياسي وعلى رموزه وأساليبه وممارساته الميليشياوية المقنَّعة بالحضارة والملمعة حسب الأصول الغربية، وندرك جيداً أن الخبرات المكتسبة ستوظَّف تحت ذرائع مختلفة لمهاجمة كل من يتمسك بمبدأ وقانون وميثاق وحق وأرض وكل من لا يقبل بأن تمسح ذاكرته ويتعرى من كل ما يتصل بهوية عربية وأصالة قومية واعتقاد لا يعجب العنصرية الصهيونية والمناصرين للاعتراف بها ولاستقرارها في المنطقة وهيمنتها عليها.. ندرك جيداً أن حملة التعمية ستظلل سماء العقل، وتغرق القيم، وتعطل الرؤية والقدرة على التمييز، وأنها تستهدف إرادتنا وتعمل على إلحاق الإبادة الروحية بنا، وأنها تستمر في ظل النظام العالمي الجديد ورعايته وحمايته وتشجيعه وبإشراف سدنته؛ وأدواتها: قوى حسنة التدريب والاطلاع والتنظيم تعمل خلف ستار من البلور المسلح، يضاهي قوة الستار الحديدي الذي طالما انتقده الغرب .
إن عسكرتاريا ثقافية تعمل لتنفيذ خطط هدفها تخريب ثقافتنا وقيمنا ومقومات هويتنا، وتدمير كل أنواع المقاومة التي نبديها للحصول على حريتنا وللوصول إلى امتلاك القوة والحصانة القيمية والقومية اللتين تمكناننا من السير في طريق التحرير والتحرر، على أرضية الانتماء والأصالة والتمايز. لا أريد الآن أن أتوقف عند ذلك الذي يستمر منذ زمن بأشكال مختلفة، ويتجدد الآن بشراسة بعد انتصار " الكابوي " على الدب الأبيض؛ بل أود التوقف عند أمر استشعر الحاجة إلى التوقف عنده وهو أن كثيرين من المهتمين لم يطلعوا على ما تضمنه مؤتمر غرناطة الذي عقد بين 8 - 10/ كانون الأول 1993 ذلك المؤتمر الذي وظَّف الثقافي في خدمة سياسة لا تخدم سوى الكيان الصهيوني، ورسم سياسة ثقافية من شأنها أن تحدث تغييراً في العمق التربوي والتاريخي والقيمي والوجداني لأبناء أمتنا، هدفه الاستسلام لمشاريع التحالف الجهنمي الأميركي - الصهيوني، الذي ما زال مستمراً منذ أكثر من اثني عشر عاما في تركيز التحالف العسكري وتخزين السلاح، وإجراء التدريبات المشتركة في فلسطين المحتلة، ليمارس من هناك هيمنة مطلقة ـ رأس حربتها الكيان الصهيوني المحتل ـ على المنطقة كلها؛ وليعد من هناك هجماته على من يصنفهم الأعداء الخطرين والأهداف الرئيسة لحلف شمال الأطلسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو. أولئك الأعداء الذين يرى أنه من دون إبادة فاعليتهم لن تبقى مصالح الأميركيين وقلعة الصهيونية المتقدمة بأمان؛ وهم: العناصر القومية والإسلامية في المنطقة (تلطيفاً) والمعني فعلاً العروبة والإسلام بشكل مطلق مكشوف صريح هناك في دوائر القرار والتخطيط والتنفيذ.
حضر مؤتمر غرناطة خمسون " تقريباً " من المثقفين العرب واليهود والأوربيين، وعُقد تحت شعار "الانتقال من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام"، وتم برعاية اليونسكو؛ وهو توظيف للمنظمة الدولية في خدمة أهداف سياسة معينة هي تلك التي حققت اتفاق / أوسلو / غزة - أريحا / ثم وادي عربة؛ وأهدافها أوسع من أن تحصى.
كان من بين المشاريع الأربعة عشر التي ناقشها المشاركون أو تلك التي أريد توظيف قدراتهم لمساندتها المشاريع الآتية:
ـ إحداث مركز علمي في مرتفعات الجولان. والجولان أرض سورية محتلة.
ـ إعادة كتابة تاريخ المنطقة الذي سيحققه (يقوم به) مؤرخون من عدة جنسيات في الشرق الأوسط .
ـ اتفاقيات ثقافية متضمنة النشر والإعلام (إذاعة وتلفزيون) كانت قد وقعت ويجري تنفيذها والبرمجة لذلك .
ـ موضوعات التربية وإعادة النظر في المناهج لأنها " الوسيلة الناجعة لبناء السلام الإيجابي " إضافة إلى " مشروعات الزراعة وتقاسم المياه والتعاون بين الجامعات الفلسطينية والإسرائيلية والأوربية.
وقد ركز شمعون بيريس الذي شارك ياسر عرفات في افتتاح الملتقى على الهدف الأساس لهذا التوظيف المكشوف للثقافي في خدمة سياسة - "سياسة صهيونية - أميركية استعمارية - استيطانية بالذات " حين قال للمثقفين: " إن السلام القادم ـ يعني ذلك الذي يُبنى في ظل اتفاقية أوسلو - أثمن جداً من أن يُترك بين يدي السياسيين، أكلمكم بصفتي سياسياً ". ولذلك يريد أن تلعب الثقافة دورها في الاعتراف والتطبيع، وأن يزج مثقفين في ذلك لأنه يدرك تماماً أن المدخل الفعلي لقبول الكيان الصهيوني في النسيج الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني للمنطقة هو مدخل ثقافي يستند بالدرجة الأولى إلى التربية وإلى مقومات ما يكوِّن الوجدان الفردي والجمعي وما يتصل بالذاكرة والتاريخ والوعي؛ وكل ذلك فعل تقوم به الثقافة بمفهومها الشامل. ولم ينس مدير عام اليونسكو أن يشير إلى ذلك ويركز عليه، حيث جاء على لسانه في الإعلان المعد من قبل المثقفين في غرناطة: " إن بعد الخُلُقي " الأدبي " والثقافي والإنساني يتقدم على ما سواه، ومن دونه لا يدوم أي اتفاق سياسي أو اقتصادي" . وهذه بصريح العبارة دعوة لإحداث خروق كبرى في المجال الثقافي ترسخ اتفاقيات الإذعان ونهج التصفية والتسوية.
على هذه الأرضية عقد لقاء المثقفين في غرناطة، الذي شارك فيه أدونيس، وهو لقاء عقد للاحتفال بمرور ثلاثة أشهر على توقيع اتفاق " أوسلو" ليكون ختامه يوم بداية تنفيذ الانسحاب العسكري الذي رفضه رابين؛ وقال يومها لا يوجد تاريخ مقدس. لأن عرفات والمثقفين الذين يقرون اتفاق " أوسلو" وما هو أردأ من اتفاق " أوسلو " لم يقوموا بعد بالمهمة المطلوبة ليكسبوا الثقة وليحققوا لـ " إسرائيل " أمنها الراسخ، الذي لا يمكن أن يتم من دون تزييف الوجدان القومي العربي، وتشويه المعرفة، وتدمير الثقة بالذات والهوية والتراث والقومية والإسلام معاً؛ على أرضية شهادات "الحضارية" و"الحداثة " والحرية الفردية التي هي، حسب ذلك المفهوم، أعلى من الوطن والقانون والأنظمة والناس ـ عند أشخاص معتمدين ـ وليس بالنسبة لكل شخص؛ وعلى أرضية ديمقراطية مزدوجة المعايير .
وبعد هذه الإلماحة إلى خلفيات ملتقى غرناطة أجد أن البعض لم يطلع على كلمة الشاعر أدونيس التي حدد فيها موقفاً، واتخذ مؤتمر اتحاد الكتاب العرب قراره بشأنه حول ذ لك الموقف السياسي، الذي وظَّف ثقافةً لخدمة سياسةٍ تتعارض وأهداف الاتحاد ومواثيقه. ولذلك أود أن أتوقف عند بعض ما جاء فيها موضحاً، للذين يدأبون على خلط الأمور والأوراق، أن اتحاد الكتاب العرب ليس نقابة مهنية يُكْرَه كلُّ كاتب على دخولها لتتاح له ممارسة " المهنة "، وأنه حين تُزال صفة العضوية عن كاتب عضو فيه لا يعني ذلك حرمانه من شيء على الإطلاق أو التضييق عليه في شيء، وإنما يعني بالدرجة الأولى إعلان الاختلاف وبداية الحوار على أرضية الاختلاف احتراماً للجميع.
عندما يقول أدونيس " بانتماء " إسرائيل " جغرافياً إلى منطقتنا "، أي بإقرار شرعية اغتصاب أرض الغير بالقوة وبشرعية الاحتلال، وبحق المحتل في أن يمنح أرضاً سرقها وطرد أهلها منها، أن يمنحها هويته الثقافية ويصبغ ما تبقى من الناس فيها بصبغته، ويقول بهوية ثقافية مفتوحة للمنطقة مما يعني زلزلة هويتها الثقافية العربية أو بعدم تمكن الثقافة العربية عبر كل تلك الآلاف من السنين التي عمَّر خلالها العربُ هذه الأرض وقدموا، انطلاقاً منها، للعالم كله: الكتابةَ، وأول أبجدية في التاريخ، والعقائدَ المفتوحة لكل بني البشر،التي تحترم كل بني البشر. وعندما يأخذ على مفكري الغرب أنهم لم يعملوا بما فيه الكفاية للخروج بمشكلة المنطقة " من خناق العداء والحرب إلى أمن حضاري هو أفق الاعتراف المتبادل وإحياء الروابط التاريخية وتشجيع آمال مستقبلية في التعايش والتبادل والتعاون .." أي اعتراف العرب بـ " إسرائيل " واعتراف "إسرائيل" بالعرب (؟!..) وإحياء " الروابط التاريخية " بينهم ؟! أي الروابط التاريخية بين اليهود الخزر وسلالات العرب منذ ما قبل العموريين مروراً بالكنعانيين ووصولاً إلى الفلسطينيين المعارضين لاتفاق " أوسلو "؛ والتعايش بين الجلاد والضحية، بين العنصرية الصهيونية والذين تعتقلهم في معتقلات أنصار، وأولئك الذي تبيدهم يومياً وتشوه ثقافتهم وآدميتهم وحضورهم البشري، حتى لا يطالب أحد منهم بفلسطين. "وإقامة التبادل " بكل أنواعه وأشكاله وكذلك " التعاون "، نعم تعاون كذالك الذي يقوم بين الموساد وعرفات ضد المنتفضين في غزة وضد حماس والجهاد وكل من يطالب بأرض وحق وكرامة؛ وكذالك الذي يقوم أيضاً بين سَدَنَة اتفاقية وادي عربة و" الإسرائيليين " . / الاقتباس بين قوسين من مقالة أدونيس: الصلاة والسيف والديمقراطية المتوحشة /
عندما يقول أدونيس بكل ذلك ويزيد عليه "متحدياً إسرائيل" بأن تحقق الانفتاح والتطبيع الذي تريده هي، إنعاشاً لمشروعها الاستيطاني التوسعي وتثبيتاً لمرحلة سرقة وطن الفلسطينيين واحتلال هوامش إضافية عليه؛ يزيد عليه المطالبة بالزواج المختلط بين العرب واليهود لتحقق " إسرائيل " أيضاً خصائص التمازج والتنوع في ثقافة المنطقة، التي تنتمي إليها " وعندما يدعو في غرناطة / في الندوة التي وظَّفت الثقافة لمصلحة حدث سياسي معين: اتفاق أوسلو تحديداً / وهدفت إلى أن تكون احتفالاً بتطبيق ذلك الاتفاق بعد ثلاثة أشهر من توقيعه 8 - 10 /12/1993 بحضور رمزيه بيريس وعرفات؛ أقول عندما يدعو إلى ربط مسألة السلام / ذاك السلام / بمسألة الهوية ويؤكد أنه " دون هذا التمازج سيبقى السلام سطحياً إذا حدث قائماً بين هويات مغلقة ومتنافية سيبقى سطحياً ومن خارج" ويصل بعد ذلك إلى إقرار في صيغة تقرير أو قرار نصه الآتي : / هكذا يستلزم السلام - أي السلام المحتفى به في غرناطة، سلام أوسلو النووي ـ على المستوى الثقافي إعادة ابتكار الأفكار والمفهومات حتى الهوية ذاتها، لا تعود في هذا الإطار معطاة - / وأرجو أن يلاحظ ذلك / وإنما تصبح سؤالاً وبحثاً، تصبح بتعبير آخر " انتظاراً متواصلاً " - الاقتباسات من كلمة أدونيس في ندوة غرناطة 10/12/1993 وكالة الصحافة الفرنسية - عندما يدعو أدونيس إلى ذلك كله، ويرى أن الذين لا يقرونه على ذلك، أو الذين يعارضونه أو يرفضون ما ينادي به، ويعلنون اختلافهم معه، لا سيما من أبناء المنطقة الذين يعانون يومياً من الصهيونية والاحتلال ويتعرضون للترويع والتجويع وأشكال الاستنزاف والقمع يومياً، يرى فيهم: " الظلامية والضغينة وعقلية الدس والاتهام والغباء والانحيازية الأيديولوجية الشخصية والمسكنة العمياء " / من رسالته إلى أصدقائه في 10/4/1994/ عندما يقول أدونيس كل ذلك وما هو أكثر منه، ويستعدي " الحضاريين " ـ أي الصهاينة والغربيين ـ على أبناء المنطقة المتخلفين ليخلصوهم من هويتهم ووطنهم وخصوصيتهم وانتمائهم الضيق.. الخ، ويذهب إلى حدود أن يرفض تحريراً يأتي به الإسلاميون، ويقبل بسلام ناقص - أي استسلام أو اتفاقات إذعان مثل " أوسلو " ووادي عربة - فهو بذلك يعلن كما يعلن الصهاينة والغرب الاستعماري هذه الأيام وكما وضح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الذي دعا إلى مقاومة الإسلام بوصفه الخطر القائم الآن والذي يشكل الخطر البديل للشيوعية التي كان يحاربها الحلف؛ ويرضى من موقعه أن يضع الثقافة في خدمة كذا سياسة؛ عندما يفعل ذلك يجعلنا نتساءل ما الذي يقوم من فرق بين هذا الذي يؤمن به ويعمل له ويدعو إليه وبين من دعوا فرنسا وبريطانيا في مطلع القرن الحالي إلى احتلال بلاد الشام ليتخلصوا من الحكم العثماني ؟! وهل كان في ذلك الاستعمار خلاص فعلاً ؟!. عندما يقول أدونيس بذلك كله وبسواه مما لا يتسع المجال لذكره هنا فإنه يغدو من المشروع أن يوجه إليه سؤال ينشر وينتشر في الفضاء الثقافي العربي، يقول: هل هذا هو انتماء للحقيقة والعدالة والحرية، وهل فيه إنصاف لأدونيس ذاته، الذي عانى يوماً من حصار الصهاينة لبيروت وأهلها ؟!
* إنني أتفهم هذا في الإطار المعرفي الإنساني العام إطار المثاقفة على أرضية الأمن والثقة والسلام الحق ولا أفهمه حينما يصبح أيديولوجيا سياسية عنصرية ترمي إلى محو هوية الآخرين أو تشويهها بالتعاون مع قوى تعلن عزمها على ذلك !
الأسبوع الأدبي/ع454//16/آذار/1995
|