|
مواجهات واحتمالات قائمة
بعد عملية "بيت ليد" تأتي عمليتا "كفارداروم" و"نتساريم" في غزة - ثمانية قتلى وعشرات الجرحى من الجنود الصهاينة- وترافقت عمليتا الجهاد الإسلامي وحماس مع عملية حزب الله في جنوب لبنان؛ وكلها عمليات ناجحة، وجهت ضد جنود الاحتلال الصهيوني والمتعاونين معهم، ونفذِّت بعناية، وبنيت على قاعدة ينبغي الحرص عليها وهي "ألا يكون الدم العربي رخيصاً"، وحققت أغراضاً عدة بوسائل وأساليب ممكنة، يملكها من يملك إرادة المقاومة، ويتحكم بظروفها من لا يملك تقانة عالية ولكنه يملك إيماناً وثقة، ورؤية لا تزوغ جرَّاء بريق الدينار وإغراء الدولار وشهوة السلطة وسلطة الإعلام.
وقد تركت العمليتان الأخيرتان للجهاد الإسلامي وحماس غزَّة ساحة ساخنة حاسمة في لحظات حرجة، حيث تدفع كل من قوة الاحتلال الصهيوني، وقوة النظام الإمبريالي الدولي عرفات وسلطته إلى مواجهة مع الشعب الفلسطيني ليثبت أنه أهل للثقة من خلال قدرته على تنفيذ ما عجز الصهاينة عن تنفيذه؛ وهو إخضاع غزة ـ التي لم يبتلعها البحرـ للعدو الصهيوني والمؤتمرين بأمره، المتحالفين معه، المنفذين لمشروعه. وتبدو عناصر سلطة "الحكم الذاتي" مستعدة للقيام بممارسات قمعية، لا تقل عن تلك التي كانت تقوم بها قوة الاحتلال في غزة، تؤهلها للثقة ولاستحقاق ما يُدفع لها ولما تُوعد به من عطاءات وما ترشَّح له من أدوار؛ كما تبدو دوائر أخرى في إطار تلك السلطة جاهزة تماماً للقيام بكل ما يُطلب إليها القيام به من إصدار أحكام، وملاحظات واتهامات. وتركَّز على المقاومين للاحتلال الآن اتهامات لها وقع شديد لدى الرأي العام من مثل: " الإرهاب- الأصولية- التطرف- ومعاداة السلام- والتخريب- وتهديم أسس العملية السلمية- وتقويض " سلطة وليدة "؛ هي سلطة عرفات في غزة، التي تحاول الإمبريالية- الصهيونية اليوم امتحانها من جهة، وتدعيم أدائها من جهة أخرى.
ويترافق هذا الاتهام الموجه للمقاومة مع حشد طاقات سياسية وإعلامية واجتماعية /في الساحة الفلسطينية خصوصاً/ ترمي إلى تسويغ كل فعل يؤدي إلى توطيد التحالف مع الكيان الصهيوني ليغدو استراتيجياً وذلك على أرضيتين:
-أرضية كسب العدو الصهيوني فلسطينياً قبل أن يكسبه الأردن الرسمي حليفاً على حساب الفلسطيني.
وهذا التوجه الذي يضاف لكل ما تحفل به الساحة الدولية المناصرة للمشروع الإمبريالي- الصهيوني يضغط على المقاومة ويهددها ويلاحقها نفسياً وإعلامياً في ظل ضياع وتآكل عربيين، وأحياناً في ظل تحالف بعض العرب مع ذلك التيار المتصهين، حيث يغدو كل تحرك للمقاومة مكلفاً وعسيراً.
وفي هذا المناخ تتم مقاومة نوعية مع ذلك تجعل غزة في هذه اللحظات التاريخية ساحة المواجهة الساخنة والحسم، وساحة الصراع العربي الصهيوني المرشحة -للأسف- إلى صراع فلسطيني فلسطيني، يخوضه أنصار الحكم الذاتي لمصلحة المشروع الصهيوني واتفاقيات الإذعان التي فرضها، ضد إرادة الشعب الفلسطيني ومصالحه وقواه وطلائعه التي ترفض الاستسلام واتفاقيات الإذعان والذل وأشكال التركيع والتطبيع والترويج له. فهل يمكن أن تتجاوز أمتنا المحنة المحتملة، أم أننا سندفع ضريبة الدم، والحرب الأهلية من جديد في غزة بعد لبنان؟!
إنه سؤال مطروح في ظل تحول السلطة العرفاتية إلى سلطة قمع متصهينة تعمل لخدمة شرق أوسطية بيريس، ولإرضاء رابين وإنقاذه في مجتمعه، ولمصالح المشروع الأميركي، الذي سيبقى موجهاً ضد أمتنا ما دام لهذه الأمَّة مشروع خاص، وشخصية مستقلة، وثقافة وعقيدة وحضور أو تشبث بنوع من الحضور.
إن الحرب المعلنة اليوم ضد "الإرهاب والأصولية" والتطرف "القومي- والإسلامي " هي حرب معلنة على الأمَّة وعلى المقاومة وفكرة التحرير وعلى الهوية القومية والعقيدة الإسلامية. فكيف سنواجه من يعملون صباح مساء لتعبئة الرأي العام ضد شرعية وجودنا، ومشروعية نضالنا، وحقنا في التمايز والاختلاف؟! وكيف نقدم أنفسنا ومشروعنا ونضالنا المشروع؟! وكيف نملك قوة تحمي إرادتنا، وتوجهاً عاماً يوحد تلك الإرادة؟ تلك أسئلة سوف نسعى إلى مواجهتها بمنطق واستعداد مناسبين .
الأسبوع الأدبي/ع458//13/نيسان/1995
|