|
محاكم عرفات وشرعنة الاحتلال
أصارِحكم القول: إنني لم أتخيل، مجرد تخيل، أن يأتي وقت يقوم فيه فلسطيني بملاحقة فلسطيني آخر، ومعاقبته وتجريمه وسجنه، دفاعاً عن أمن الكيان الصهيوني العنصري، واحتلاله و فرض "شرعية وجوده" فوق الأرض الفلسطينية التي يحتلها .
ولم يخطر ببالي أن تدشِّن أول محكمة ينشئها الحكم الذاتي الفلسطيني أعمالها بالحكم على من يقاومون الاحتلال، ومن يدربون أطفال الانتفاضة المباركة على رشق حجر في وجه جلاديهم ومحتلي وطنهم ومصادري مستقبلهم. ولم أتصور يوماً أن تصل سلطة "الإسرائيلي" على الفلسطيني الذي كان يقود النضال ضده في الخارج، حدود أن يجعله يغرس خنجره في صدر أخيه المقاتل في الداخل عندما يتعانقان على أرض الوطن، وان يحول مصافحتهما الأولى إلى جحيم الشك على أرضية الموقف منه بالذات؟؟!
ولم أكن أفكر بان أصحاب "أوسلو" ووادي عربة سوف يصلون بهذه السرعة إلى شَرْعَنَة الوجود الصهيوني واتفاقياته معهم، والتحول إلى الهجوم على كل من يناهض اتفاقيات الإذعان تلك، ويقاوم التطبيع مع العدو، ويرفض الانصياع لكل ما يطلبه المهرولون في ركب الصهيونية والإمبريالية الأميركية، حليف عدونا وحاميه والمستفيد من تقويته علينا؟!
كنت أفترض ـ في أقصى درجات السوء ـ أن يتم شيء من ذلك ببطء، وأن تُراعى المشاعر الوطنية والقومية والجمعية والفردية، قليلاً في مجتمع ما زال ينزف، ويدفن الشهداء، ويقدم التضحيات على طريق أعدل قضية، وأقدس فداء؟! وكنت أفترض أن يطبق، من يطبق اتفاقيات الإذعان، عهودَه ومواثيقه واتفاقياته بشيء من الحياء والانزواء وأن يقدم أعذاره ومبرراته ليستر عاره وعوراته؟! وأقول: إن بعض أولئك على الأقل سيجد المنافذ الملائمة ليحول دون مذابح الوجدان والقيم لا أن يهلل لكل أنواع المذابح المعنوية والمادية التي يدعو الكيان الصهيوني لارتكابها، معتبراً إياها قرابين على مذبح "صلحه"، وبراهين يقدمها إليه من يطلبون ثقته بهم، وشهاداته على أهليتهم لممارسة ما يُسند لهم من أدوار؟!
لم أكن أفكر بأن عنف أولئك لن يجيء ولكنني كنت أفترض أنه قد يتأخر. ولكن ما يحدث اليوم، وبعد أن حولوا اتفاقيات الإذعان إلى قوانين في بلدانهم، وأخذوا يلاحقون الناس باسمها، ويطبقونها بقسوة، ما يحدث يشير إلى عمق الاستخلاصات في معسكر المتصهينين، وتكاتف الإرادات في ذلك المعسكر، واختيار المبادرة والهجوم الحازم الحاسم على الشعب والوجدان والذاكرة ومن يناهضون اختياراتهم تلك أو يقاومونها؛ وهذا الاختيار الصُّراح لم تعوزه الوسائل والذرائع والاتهامات والقوة والإمكانات، فهو لا يستخدم قدراته الذاتية التي هي بالنتيجة قدرات السلطة، بل يضيف إلى ذلك المساعدات المادية والمعنوية، وقدرات العدو، وما هيأته الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً من دعم لمن يسير في هذه الطريق؛ ويختار الصهينة ولو تحت تسميات وشعارات ملونة. وحيال هذا المد العنيف المتسارع، من قِبَل معسكر اتفاقيات الإذعان- على ما بين أطرافه من خلافات ينسقها وينميها ويبرمجها المشرفون عليه والموجهون لتحركاته وجهوده - ما الذي يمكن أن يفعله المناهضون الرافضون، وهم لا يملكون قوة سلطة، ولا دعم معسكرات ولا وسائل إعلام؟! وكيف يمكن أن يحموا ساحتهم من جهة، وينظموا صفوفهم وجهودهم ومواجهتهم من جهة أخرى؟! في ظل البؤس الذي سيطر على تاريخ المواجهات السابقة، والإحباط الذي ينتشر على كل المسارات التي يطرقونها؟!
الحق، والأمل، والإيمان، والثقة، والمستقبل العريض.. الخ كل ذلك جيد ومفيد وضروري، ويشكل رصيداً معنوياً طيباً، ولكنه -على أهميته- لا يكفي، وقد لا يصرف بشيء في بعض الاستحقاقات.
ونحن في مواجهة نفترض أن أطرافها، أو أنه في تلك الأطراف:
-بعض الأنظمة العربية بما تملك وتحشد، والقوى التي تقف وراء التسوية، بما تقدم وتريد، وشرائح اجتماعية هي مع ولكنها تتحين فرصة الانقضاض.
-شرائح من المثقفين وقطاعات اجتماعية واسعة مثقلة بالمعاناة والجراح، وتتراكم لديها نتائج الممارسات التي تمت عليها؛ وهي ترفض رفضاً سلبياً، وتنقصها الإمكانات والمبادرات والحريات والمناخ الملائم لتجعل من مشاعرها وإراداتها قرارات وإمكانيات في ساحة المواجهة.
والمتأمل في طرفي المتراجحة يرى بوضوح أن معسكر التسوية هو الأقوى، وهجومه هو الذي يثير الغبار؛ وبينما يفعل ذلك الطرف فعله بعيداً عن كل ما يتصل بالقيم والخُلُقيَّات والمبدئيات يتربع الطرف الثاني في حضن الثوابت المبدئية، والخُلُقيَّات، والقيم.. الخ ويقول كلاماً فيه الصدق والحق ولكنه يفتقر إلى القوة. ونحن نعرف جيداً أن حقاً بلا قوة يساوي نبيلاً شريداً في الصحراء.
وإذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه الآن فسوف يفضي باستمرار إلى قوة الطرف المتصهين وضعف الطرف الرافض للصهينة والهيمنة.
وحين يراهن الطرف الثاني على الحق والشعب والعدل والثقافة.. فهو مدعو إلى التفكير والتدبُّر والتأمل في كثير من المعطيات والوقائع ليصل إلى استخلاصات موضوعية لا بد منها في مرحلة بناء استراتيجيات المواجهة ووضع برامج العمل ومن ذلك:
-أن الشعب المسحوق يمكن أن ينسى لا سيما إذا سيَّج سمعه بأبواق تنسيه حتى ذاته.
-أن الثقافة قد تكون فعلاً ملغماً وأن ألغامها شديدة التأثير ولا بد من سبر ساحاتها جيداً.
-وأن كل الصفات والآمال والتطلعات الطيبة لا بد أن يصقلها العمل، ونجد ترجمة لها في الواقع والممارسات اليومية لتنمو في حقل الحياة حتى لا تظل حبيسة فضاء المعرفة والمُثُل.
-وإن الاستفادة من الزمن والإمكانات القليلة والإرادات والتوجهات النظيفة يحتاج إلى مبادرات وتضحيات وأرضية من الثقة لا تتزعزع، كما يحتاج إلى زيت الروح الذي لا ينفد، ليبقى شعلة مضيئة، في زعزع يجتاح كل مناخ اتقادها.
أقول هذا، وهو بعض ما في طريق الطرف الثاني من أشواك، لأنبه إلى ضرورة أن تتلاقى الأيدي والإرادات في ساحة العمل، في الوقت الذي تلتقي فيه في ساحة الأمل، ولتعزز كل إرادة رافضة للعدو الصهيوني ولمناخ الصهينة العام الذي يزحف في فضاء وطننا، الإرادة الأخرى وتحتضن جرحها ولهفتها وأملها؛ وأقوله لكي يبادر القادرون على تحمل مسؤوليات تاريخية والمدعوون إلى تحمل تلك المسؤوليات، ممن اختاروا الحق والشعب والعدل وعروبة فلسطين ورفض الصهيونية والصهينة والإمبريالية الغربية التي تستلب الشعوب؛ ليبادر أولئك إلى الحوار وتنمية المشترك، والالتقاء حوله، وإعلاء شأنه فوق كل اختلاف، لأن الجميع مستهدفون، ولأن اللحظة هي لحظة مراجعة حقيقية على أرضية الانتماء القومي والوطني، وعلى أرضية الوعي بالذات، وباستهدافات آخر- عدو- لها.
وهي لحظة يستفيد فيها- أو ينبغي أن يستفيد فيها- كل حريص على مستقبل الوطن، وعلى مستقبل له ولأبنائه في الوطن، يستفيد من كل ما يساعد على تعزيز المواجهة، وتعزيز الأرضية التي يقف عليها، ليرفض الكيان الصهيوني واتفاقيات الإذعان والذل القادم، وكل رفاه الوعد الصهيوني الذي لن يكون إلا خدمة للعنصرية والإمبريالية وسحقاً لأبناء الأمَّة العربية- عدا أولئك الذين باعوا أرواحهم للشيطان، واشتروا مركزاً ومستقبلاً شخصيين خاصين لا يحققان كرامة أو احتراماً أو حتى وقاية من الإذلال اليومي تحت أقدام العدو الصهيوني.
إن رئيس مخفر أريحا لن يتطور إلا باتجاه التنازل والاستخذاء، وصاحب وادي عربة يضخم تاريخاً من الارتباط بالعدو لن يحرره من ذلك القيد ولن يمنحه أماناً من جوع وخوف؛ لأن مثل ذلك الأمان لا يكون إلا في ظل الاطمئنان إلى محبة الشعب واحترام التاريخ والراحة في عمق الإيمان وفضل الإنسان. ومن باع روحه وشعبه ووطنه وتاريخه.. لا أمان له ولا أمان منه.
فلنبادر إلى حماية صفنا قبل أن يكتسحنا الخائفون القانطون من كل رحمة، فإن الزمن والإنسان أكبر ما يمكن أن نستثمر فيهما لمصالح أعدل قضية وأنبل اختيار... فهل نحن فاعلون؟!
الأسبوع الأدبي/ع460//27/نيسان/1994
|