صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد(الجزء الأول) / د.علي عقلة عرسان / منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

أهل القمر الصهيوني الناقص

ـ 1 ـ‏

يقوم بعض دعاة التطبيع بترويج مقولة مفادها: "أن العرب و "إسرائيل" ضحايا للتسلط والاستعمار الأميركيين، وعندما يتم صلح بينهما واعتراف متبادل، وتطبيع شامل للعلاقات والمعاملات، يتخلص كل من العرب و"الإسرائيليين" من تكاليف الحرب المفروضة عليهم من قبل الأميركيين ولصالح الأميركيين"، ولذلك فهم يدعون إلى الاعتراف بـ "إسرائيل" وتطبيع العلاقات معها للتخلص من هذا النوع من السخرة والاستنزاف.‏

ويبدو أن هذا النوع من الدعاة، الذي يعمل على ترسيخ الكيان الصهيوني في الوطن العربي، مأخوذ بالحرص الإنساني ومعاداة الاستعمار(؟!؟) يتذاكى إلى الحد الذي يستغفلنا معه؛ ويذهب في دعواه مذهباً "نضالياً" واعياً، حيث يريد إقناعنا بأن على "المظلومين"/ العرب واليهود (!؟!)/ أن يتحالفوا ليصون كل منهم وجوده وثرواته من الاستغلال وليحرر إرادته وقراره من التبعية للغرب.(؟!؟) ويبهِّر نفر من ذلك الفريق دعوته ليسوِّقها أكثر، بالقول: إننا ضد الصهيونية ومع اليهودية، متناسياً فلسطين عن عمد. وعندما تسايره وتطالبه بيهودي يرفض دولة " إسرائيل " ويقول بعودة الفلسطينيين إلى أرضهم لتتعاون معه، يقفز قفزة "ماراثونية" فوق الوقائع والحقائق والتاريخ، ليطالبك بأن ترفض دولتك ومنطق أمتك القومي" لتجد "الآخر" الذي يرفض دولته.‏

وهو عند هذا الحد يكشف منطقه أو المنطق الذي سكنه عن طريق الإيحاء والإغواء والإغراء، حيث يعلن من خلال ذلك المنطق أن:‏

-"إسرائيل" حقيقة واقعة أوجدتها الصهيونية وورثتها اليهودية فأصبحت ملكاً لها لا يجوز لأحد أن يطالبها بالتنازل عنه.‏

-أن اليهودية التي رأت أن الصهيونية أدت مهمتها وانتهت ريادتُها بإقامة الدولة، مساوية للعربي بالحقوق والواجبات في المنطقة.‏

-إنه يقول بوجود "إسرائيل" مكان فلسطين، وباليهود مكان الفلسطينيين، ويختلف مع الصهاينة على من يحكم في "إسرائيل" وكيف تُحْكَم. إنه لا يرفض المشروع الصهيوني الذي ورثه اليهودي، وإنما يحاور ويحاجج حول الوسائل والأدوات والأساليب التي تجعله أكثر قبولاً من قبل العرب.‏

-إنه يرى في "رفض" يهود للصهيونية مشروعية لمطالبة كل عربي برفض القومية العربية وأحلامها. فمقابل انكسار "الحلم الصهيوني الكبير" في مشروع من الفرات إلى النيل، ينبغي أن ينفي العرب القومية العربية وأهدافها التحريرية والوحدوية، والأبعاد القومية للقضية الفلسطينية، وبذلك يتم "الصلح" على أرضية لا غالب ولا مغلوب؛ إذ أن القوميتين خسرتا وانكسر حلمهما وتقلص مشروعهما، ولا بد من اللقاء على أرضية المتغيرات.‏

وفي الوقت الذي يطالب فيه هذا النفر بقبول اليهودي "ودولته" لا يذكر حق العودة، ولا فلسطين التاريخية، ويغيِّب أسسَ الصراع وتاريخَه وأهدافَه قافزاً فوق الجغرافية والتاريخ والناس.‏

وهو يعيد إلينا ظلال وأنغام أغنية قديمة شاعت أيام الحرب الباردة، حيث كان بعض الشيوعيين العرب يقولون إنهم يعتبرون القضية الفلسطينية منتهية "بحكم المحلولة" إذا وصل راكاح إلى السلطة، لأنه لا خلاف بين الأمميين على الأرض. وكان أولئك يحولون صراعنا مع العنصريين الصهاينة أصحاب المشروع الرئيس، ومع الكيان المزروع في فلسطين إلى "صراع داخلي" إن صح التعبير، يستمد بعض العالمية من ارتباطه بمصير الصراع الطبقي في العالم؛ وقد حل ذلك، بصورة ما، مكان الصراع من أجل التحرير في بعض الأحيان والأذهان. ولكن الشيوعيين كشفوا ـ أو اكتشفوا ـ الآن الدور القذر الذي لعبته وتلعبه الصهيونية لا سيما بعد مشاركتها في تدمير الاتحاد السوفييتي والاشتراكية التي ناصرتها في فترة من الزمن.‏

ويتناسى ذلك الفريق من دعاة التطبيع، الذي يقول اليوم بوحدة المظلومين وضرورة اتحادهم" أن الولايات المتحدة الأميركية، كانت وما تزال، في خدمة الصهيونية ومشروعها، وأن التحالف المعلن بين الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" هو تحالف بين الصهيونية وامتدادها الاعتقادي- الاستعماري- العنصري في الغرب الإمبريالي كله؛ وأن كلنتون، على سبيل المثال، أكثر إخلاصاً "لإسرائيل" من أميركا ذاتها، فهو على الأقل لا يستطيع أن يقدم مصلحة أميركية على مصلحة "إسرائيلية" أو صهيونية إذا ما تعارضتا.‏

فالمدخل: "على أرضية محاربة الاستعمار" الذي يدخل منه أولئك الدعاة المتذاكون، لا يمكن أن يمسح جانبه النفسي عقول الناس، ولن ينجح في إقناع أحد بمعطياته، كما أنه لا ينجح في إخفاء ثغراته وكونه في خدمة الصهيونية والولايات المتحدة ذاتها، التي يهمها أن تفرض على العرب اعترافاً بـ "إسرائيل" وأن تدفع ثمن ذلك الاعتراف من جيوبهم بعد أن يمر بجيوبها. وهذا المدخل كسائر مداخل القائلين بالتطبيع، على أرضية الاعتراف، يموه رأسه ببعض الأغصان والحشائش والأتربة التي تعج بها البيئة العربية ليتلاءم مع المنطقة التي يحارب فيها ويتماهى مع طبيعتها، ولكنه مدخل مكشوف. ومن الغريب أن يتغافل ذلك النفر عن حقيقة أهداف التحالف الأميركي - الإسرائيلي، وعما قدمته وتقدمه الولايات المتحدة الأميركية "لإسرائيل" من دعم مالي - وعسكري- واقتصادي- وتقني- وأمني، وعن تعهدات الإدارات الأميركية المختلفة بالحفاظ على تفوق "إسرائيل" عسكرياً على العرب ومن يناصرهم من المسلمين مجتمعين، والتزامها بأمن "دولة إسرائيل" وبرفاء المجتمع "الإسرائيلي"؛ كما يتغافل أولئك عن حقائق ووقائع صارخة منها:‏

-استخدام الولايات المتحدة الأميركية لحق النقض "الفيتو" في وجه أي مشروع قرار يدين "إسرائيل" أو يلزمها باتخاذ أي إجراء من شأنه أن يحد من سيطرتها وممارساتها العدوانية، ومن قدرتها على تنفيذ مشروعها التوسعي -الاستيطاني، وفرض هيمنتها الأمنية على المنطقة. وأنها استخدمت ذلك المعطى التمييزي لها، كقوة عظمى مسيطرة، ضد أي مشروع قرار ذي أهداف إنسانية خالصة يتعارض مع رغبة القيادات الصهيونية؛ ففي عام 1982، على سبيل المثال، في أثناء حصار القوات الصهيونية لبيروت، استخدمت الإدارة الأميركية حق النقض ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يرمي إلى إيصال الماء والدواء والغذاء إلى المحاصرين في العاصمة اللبنانية، كما يتناسى أولئك، عن عمد ربما، حقيقة أن الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة الأميركية يتسابقون على خدمة "إسرائيل" إرضاء للحركة الصهيونية ولمنظمة "إيباك" -اللوبي الإسرائيلي/ الصهيوني الأهم في الولايات المتحدة الأميركية -وما يرضي "إيباك" هو ما يخدم "إسرائيل" الصهيونية أولاً، وما يجسد، أو يساعد على تجسيد، الحلم الصهيوني كله.‏

وربما يتناسى ذلك النفر من دعاة التطبيع ما يجري اليوم في مجلس الكونغرس من صراع هدفه التسابق على خدمة الصهيونية في موضوع القدس حيث يتقدم "بوب دول" بمشروع قرار لنقل السفارة الأميركية إلى القدس في هذا الظرف بالذات ولا يستطيع حتى كلنتون أن يعارض ذلك إذا رأى أنه يتعارض مع مصالح أميركا ودورها كراعية لمؤتمر "سلام مدريد".‏

وبعد أن خاض رجال الكونغرس معارك تنافسية لمصلحة " إسرائيل " في موضوع القدس لجعلها "عاصمة موحدة أبدية للدولة العبرية"، وقرروا مع إدارتهم اليوم استخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد أي قرار يمس "إسرائيل" أو يمنعها من مصادرة أراضي عرب القدس بحرية، لإقامة اليهود فيها بهدف تغيير تكوينها السكاني، ولفرض أمر واقع على العرب بشان القدس. وصراع الأميركيين ذاك هو لمصالح " إسرائيل " ومشاريعها ومشايعة لأحزاب فيها، كما أنه صراع ذو توجهات مصلحية انتخابية داخلية يراعي الحركة الصهيونية ومطالبها، وليس هو مصلحة أميركية عليا بمقدار ما هو مصلحة صهيونية - "إسرائيلية" عليا، وأحياناً تخوض الإدارة الأميركية والكونغرس صراعاً مرتبطاً بصراعات داخلية ضمن الحركة الصهيونية والأحزاب في "إسرائيل".‏

فمن المعروف "بشكل جيد"، أن جميع الأحزاب في الكيان الصهيوني متفقة على أن تجعل من "القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل" وعلى أن تكثف برنامج الاستيطان اليهودي فيها تحقيقاً لهذه الغاية، ولكن من منها يحقق ذلك‍؟‍ تلك نقطة سبق يريد أن يسجلها المتصهين قبل الصهيوني، والأميركي قبل "الإسرائيلي"، مع مراعاة شكلية لبعض الشروط الشكلية التي رافقت تقديم ضمانات القروض "لإسرائيل" بقيمة عشرة مليارات دولار للمساعدة على الاستيطان.‏

إذن فالمصلحة "الإسرائيلية -الصهيونية" تحكم إلى حد بعيد المصلحة الأميركية ذاتها والقرار الأميركي ذاته، فأي ظلم ذاك الذي يقع على اليهود جراء السياسة الأميركية؟ وأية مساواة يسعون إلى رفع شعارها بين العرب واليهود في مجال استثمار الإمبريالية الأميركية لهما؟ إن ذلك فريد في جرأته على الحقائق والوقائع والعقول والوجدان.‏

ويذهب نفر من دعاة الاعتراف والتطبيع إلى حدود لعبة الاستغفال، وما يستغفلون إلا أنفسهم وما يشعرون، فهم يريدون الربح المادي بكل المقاييس، ويرون في هذا الأمر تجارة رابحة تقرهم في مجتمعات يعيشون فيها، وفي هيئات يتعالمون معها، وتقربهم من جهات يرتبطون بها، ويقدرون أنها ترتاح لنهجهم ذاك ولا تبخل في تقدير قيمته، وهم يقبلون على ذلك كل الإقبال، ولا يريدون -رغم ذلك الاختيار- أن يقطعوا صلاتهم بالفريق الآخر، فربما بقي لاختياره الطعم المبدئي -القيمي- التاريخي، الذي قد تتمسك به الجماهير، وهم يريدون الفوز بالمال والشهادات الحضارية، وبرضا السلطات الزمنية، وبحيازة ريادة عصموية في كل المراحل، وبالمبدئية التي قد ترضي وتفيد‍‍.‏

وما يثير العجب من هؤلاء، قدرتهم على طرح ذلك كله في سلة واحدة، والتشبث به، وإدعاء الحق فيه، واستغفال الفهم وقدرة العقل على إدراكه لدى الآخرين . وهم يذهبون في ترويج بضاعتهم وتسويغ مواقفهم وأفعالهم إلى المدى الذي يؤكدون معه حقهم في رفض القوانين، بذريعة مرور الزمن، لرفض ما فيها من ثوابت مبدئية لا يلغيها مرور الزمن ولا يغيرها؛ ورغبتهم في تقديم صياغات وتفسيرات تمكِّن من اللعب على كل الحبال، مدعين حقهم في إخضاع كل التوجهات الفكرية والاجتماعية والديمقراطية، وكذلك إخضاع الثقافي والسياسي معاً، والتحكم بصلاتهما وصياغاتهما ومفارقاتهما ليكون كل ذلك ملك يمينهم؛ فهم دنيويون وسلطويون أكثر من الدنيويين والسلطويين جميعاً، وهم في الوقت ذاته كَنَزَة للذهب ومنابع لإلهام الروح (؟؟؟) وهم طلاب الشهرة والمتنسكون في محاريب الرفض، وهم أصحاب المراكب السريعة التي تستطيع الوقوف على صهوات كل الأمواج، التي قد يجود بها محيط في أرض البشر؟!!‏

ومما يطرحه أولئك، بجراءة يقدمونها على أنها شجاعة الواقعيين، أنهم سيذهبون إلى "تل أبيب" ليناقشوا الصهاينة ويدحضوا حججهم، وبعد أن يفعلوا ذلك لا مانع لديهم في أن يستقر بهم المقام أياماً وليالي في ضيافة السلطة "الإسرائيلية" تحت عنايتها ورعايتها وحمايتها، وسيذهبون بنشوة غامرة إلى عناق " الإسرائيليين " تحت وهم البصاق عليهم.‏

-فهم بتأثير نشوة المحاجّة، يتمتعون ويستمتعون بما تقدمه إليهم سلطة الدولة العنصرية المحتلة التي يحاجُّونها وينامون تحت علمها وحراسة جنودها، وهم "مختلفون" معها رافضون لصهيونيتها ومقرون بيهوديتها؟!‏

ويحق لنا أن نتساءل:‏

-ألا يدخل أولئك -بهذا الطرح- تحت اسم نوع المعارضة السياسية الداخلية في كيان "الدولة العبرية"؟! التي يقرون بشرعية وجودها، ومشروعية قدراتها النووية التي تخدم مشاريعها الاستيطانية، ويباركون "الأهداف الإسرائيلية" ما داموا يختلفون معها على الوسائل والتفاصيل، وليس على الأهداف والاستراتيجيات، ولم يعد موضوع بقاء " إسرائيل " واستمرارها على حساب زوال فلسطين واندثارها وتشرد أهلها، يعنيهم في شيء أو يعني لهم شيئاً؟! وعن أي شيء مما يتصل بمبدئية الصراع العربي الصهيوني ومشروعيته التاريخية والخُلُقيَّة وحقانيته، يتحدث أولئك الذين "يحاجون الصهيونية" بشرعية "إسرائيلية"، ويقولون بدولة يهودية تقوم على ما احتلته الصهيونية من أرض العرب؟! ويجادلون في محراب "إسرائيل" مشروعية القمر الصهيوني الناقص؟!‏

ـ 2 ـ‏

إن أولئك رغم أنهم يذكروننا بالطائر الذي غير ريشه فنسي المشيتين، إلا أنهم لا يثيرون فينا الحزن والرثاء فقط، لبؤس مواقفهم وتفكيرهم، ولما يقدمونه للناس من صورة شائهة يرسمونها تحت وهم تصورهم لإدراك الناس وفهمهم لهم، بل هم يثيرون لدينا إحساساً بالضيق والغضب للمدى الذي وصلت إليه جراءة بعض "مثقفي" الأمَّة على شهدائنا وقيمها وقضاياها وحقوقها وتاريخ النضال والفكر لديها.‏

ولكن ذلك يبقى حصاداً طبيعياً لما بُذر في أرضنا من زؤان خلال عقود مضت، ولما سكتنا عليه وابتلعناه طوال تلك العقود، من تلفيق وتزوير وتشويه للفكر والنضال والتقدم، وأنواع الصراع المبدَّاة على أنواع أخرى منه؛ وكذلك ما تواطأنا عليه جميعاً في السكوت على من يزيفون قيمنا ومبادئنا وتاريخنا ليقدموا لنا صورة "الحضاري" و "الحداثي" و "العقلاني" و "الواقعي" على حساب أصالتنا وانتمائنا، وكل ما يمت لوجودنا الفاعل فوق أرضنا وفي عالمنا، بصلة.‏

إننا نحصد ما زرعت أيدي الأعداء في تربيتنا النفسية والثقافية مما سوَّغنا زرعه، وساهمنا بسقياه ورعايته، يوم لم نبادر إلى رفضه واجتثاثه، ولم نتجرأ على ذلك الاجتثاث أصلاً؛ ويوم سمحنا لبذره أن يتساقط وينمو في العقول والوجدان ودروب الحياة والتربية والتكوين الاجتماعي لدينا.‏

*إن دعاة الاعتراف بالعدو الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، يذهبون إلى المدى الأبعد في استثمار الظروف والمعطيات والمتغيرات العربية والدولية، ويؤكدون على واقعية انهزامية تأخذ أبعادها على الأرض وفي العقل والنفس، وتصل إلى حدود القيام بفعل مؤثر يؤدي إلى اجتثاث كل مبدئية وحقانية تاريخية باسم مجاراة العصر والتطورات.‏

فإذا كان هناك من يدعو إلى استمرار الصراع مع العدو الصهيوني- بأشكال الصراع المختلفة وتلوناته وهوامشه- على أرضية التمسك بالأرض وبعروبة فلسطين، فعليه ـ من وجهة نظرهم- أن يغير كل ما يقول به لأن السياسة تغيرت وأصبحت مطلبياتها مختلفة عن كل ما كان سائداً في الماضي، وأتى تغيُّرُها مؤسَّساً على تغيُّر الصراع في العالم؛ ذلك الذي حُسم في نهاية الحرب الباردة لمصلحة معسكر الولايات المتحدة الأميركية بعد أن دَمَّر المعسكر المقابل. وعند هذه النقطة المبدئية يمكن التوقف قليلاً لطرح السؤال الآتي:‏

هل القضية الفلسطينية بمجملها، والصراع العربي الصهيوني، هل ذلك أحد منتجات الحرب الباردة، وجزء من تلك الحرب؟! هل هو أحد أسبابها وعواملها؟! أم أنه مجال مختلف في نشأته وأسبابه، ولكنه متأثر بتلك الحرب وبصراع المعسكرين بحكم تشابك الأحداث وتداخل السياسات والمصالح، وتنوع جبهات المواجهة؟!؟‏

وهل ينهي انتصار الأميركي وحليفه " الإسرائيلي " قضية فلسطين من التاريخ والوجدان العربيين، ومن الواقع في آنٍ معاً، على الرغم من أنه حتى في أثناء الحرب الباردة كان هناك عرب في معسكر الغرب وآخرون في معسكر الشرق؟!‏

وهل كان الغرب والشرق، أو حلف الأطلسي وحلف وارسو على خلاف أصلاً حول قيام الحركة الصهيونية بمشروعها الاستعماري الاستيطاني في فلسطين ومشروعية وجودها واستقرارها في فلسطين؟!‏

أم كانا على اتفاق حول المبدأ، ويستمران في دعم الكيان الصهيوني، ويريدان كسبه، أحدهما من دون الآخر، من خلال ذلك الدعم، وأن الكيان الصهيوني استطاع أن يستثمر المعسكرين لمصالحه، بمعرفة أهل المعسكر وموافقتهما ورضاهما؟!؟‏

وهل كان التنافس الحاصل بين المعسكرين حول هذه القضية ينصب على تقديم الدعم للكيان الصهيوني ضد العرب، أم أنه كان يأخذ، في بعض الحالات، صورة التنافس على مصالحهما لدى العرب/ النفط وبيع السلاح وتصدير السلع ونهب الثروات وكسب الولاءات والحروب بالوكالة / من دون أن يمس ذلك بالثوابت حول الموقف الجذري من " إسرائيل " والصهيونية، الذي اتخذه المعسكران ونفذاه واحترما تعهداتهما والتزاماتهما بشأنه؟!‏

إن المتغيرات العربية والدولية أثَّرت وتؤثر في كل صراع رئيس، ولا ينكر ذلك أحد، ولكن السؤال يتمحور حول "مدى التأثير وعمقه ونتائجه"؛ فهل يشمل ذلك جوهر الصراع وثوابته وما قام أصلاً بسبب منه، أم أنه ينصب على البحث عن وسائل وبدائل وأساليب تساعد على الوصول إلى استمرار الصراع بغية حسمه على أرضية ثوابته ومبدئيته وسلامة أهدافه وصحتها؟!‏

ـ3ـ‏

إن دعاة التطبيع يرون أن تأثير التغير ينبغي أن يكون شاملاً ونهائياً، أفقياً وعمودياً، بالنسبة للقضية الفلسطينية والصراع المتصل بها برمته. أي أنهم ينادون بإنهاء القضية على أرضية الاعتراف بالهزيمة الشاملة الأبدية، وبحق العدو بدولة واستقرار وأمان، والتحول إلى صداقة وتعاون وتحالف مع"إسرائيل" و"الصهيونية" على أرضية المقولات الصهيونية، التي يرون أنها كُسرت نسبياً بانكسار هوامش الحلم الصهيوني القديم/من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل/‍؟؟.‏

أما الذين يدعون إلى أن تنصب المتغيرات العربية والدولية، التي انعكست سلبياً على العرب وقضاياهم، على الوسائل والأساليب والبدائل، من دون أن تمس الجوهر والأهداف، فإنهم يرون أن يتم التسليم بوقوع هزيمة مؤلمة للعرب ولكنها ليست أبدية، ويرون أن الترويج لأبدية الهزيمة هو ما يريده الغرب وما تريده الصهيونية بشكل رئيس، لأن ذلك سيدمر الثقة ويكرس المد الإمبريالي الصهيوني على الأرض وفي النفوس، كما سيكرس استمرار المشروع الصهيوني مع تغيير هام في الأولويات والوسائل وأساليب استمرار الصراع.‏

ويبدو لي أنه من الواضح لكل ذي بصر وبصيرة أن مقولات دعاة التطبيع وتوجهاتهم واختياراتهم هي مكملات استراتيجية وتكتيكية لأصحاب المشروع الصهيوني الأصلي المستمر، ويريدون أن ترسِّخ المتغيرات مناخاً نفسياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً يساعدهم على تنفيذ برامجهم وتحسين أدائهم لمهامهم تلك، التي أُوحي إليهم بها في مناخ مشبع بالإغراء وبالعزف على أوتار يستطيبون العزف عليها، وتشيع لديهم أحاسيسَ التفوق والريادة والقيادة، تلك التي تعوض إحساساً بالدونية سحقوا تحته، وإحساساً بتقليد الغرب الغالب بعد أن شعروا بضعف وانسحاق لشخوصهم أمام شخوصه.‏

وقد أمَّن الغرب وأمَّنت الصهيونية لأولئك الغطاء والأمان والنفوذ والحماية والإمكانات والأجور"والشرفة" التي يطلُّون منها على من يرون أنهم دونهم، أمَّنت لهم ذلك وأعلمتهم به، ودعتهم إلى الحركة انطلاقاً من ثوابته ومعطياته وعلى أرضيته الصلبة.‏

وانطلقوا في دعاواهم تلك من وهم الإحساس بأن ذلك الذي أُمِروا به هو اختيار حر للوعي والإرادة، وبأن نجاحه هو نجاح للمنطق والواقعية ولمحاكمات مبنية على الرائج والسائد من معطيات راهنة.‏

- إن عداءنا مع الصهيونية ليس عداء عرقياً أو دينياً أو قومياً، بل هو عداء ناشئ عن الاحتلال المستمر والاستيطان في أرضنا وطرد شعبنا منها، وإقامة المشروع المناقض لمشروع وجودنا وتقدمنا؛ إنه عداء يتصل بالحق التاريخي لنا في وطننا فلسطين.‏

ولا يجوز أن نسكت على محاولات حرف الموضوع الرئيس عن مقوماته وأصوله وأسسه، لتصبح القضية في إطار العداءات العنصرية التي لا نؤمن بها نحن العرب؛ وإن كنا ندرك أن الصهاينة هم من يقوم اعتقادُه وإيمانُه على أسسها وتتم ممارساتُه بوحي منها.‏

والتاريخ يثبت أننا عشنا مع اليهود بتسامح وحميناهم من المذابح، ووفرنا لهم فرص العيش الآمن، حتى وهم يكيدون لنا ويدبر بعضهم الحروب ضدنا. إن القضية تتصل بالحق في الأرض، بالخلاص من الاحتلال، وبوضع حد للعدوان والاضطهاد والتشريد الذي يتعرض له شعب بأكمله هو الشعب العربي الفلسطيني .‏

- إنهم يريدون أن يختطفوا منا بَرَكة السلام وتعلقنا به ليضعونا في الموقف المعادي للسلام، إذا ما رفضنا القبول بشرعية الاحتلال ومواصفات "السلام الإسرائيلي" وتبعاته.‏

ودائماً تتجه السياسة الأميركية هذا الاتجاه، وتسعى إلى تشويه موقف من لا يتفق معها ولا يقدم مصالحها حتى على مصالحه، وتقوم بتشويه صورته وملاحقته بكل الوسائل، ومنها استخدام كلمات حق يراد بها باطل؛ وهذا ينطبق على كلام الرئيس كلنتون في خطابه أمام"بذور السلام" القاهرة.‏

* إننا بكل تأكيد من شرائح أبناء هذا المجتمع البشري الكبير الذي ينتشر ويعيش فوق الكرة الأرضية، ومن أبناء هذا العصر الذي يشهد تطوراً كبيراً، سواء أساهمنا في ذلك التقدم مباشرة أو بشكل غير مباشر- من خلال نهب المتقدمين منا ومن أوطاننا، وتوظيفهم في مشاريع حققت لهم التقدم- ولأننا أبناء هذه القرية الكبيرة /العالم/ فإن لنا الحق في العيش فيها والاستفادة من كل ما فيها. ونستطيع(ويحق لنا)، عندما نحرم من حقوقنا تلك، أن نعكِّر مزاج الذين يقفون في قمة هرم استغلال حياتنا واستثمارها والانتفاع بمعطياتها وخيراتها.‏

إن لنا شراكة مع الآخرين، هي شراكة في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وذلك يؤهلنا للمطالبة بحصتنا من عائدات الخير، كما تصلنا نتائج الشر وخلاصته حتى لو لم نطلب " حصتنا منها "؛ وإذا ما استمر حرماننا من ذلك فإننا سنضطر لاستخدام أنيابنا ومخالبنا للدفاع عن حقوقنا وربما عن أنفسنا ووجودنا الجسماني ذاته. وعلى من يريد حرماننا من كل شيء بوسائل منها اصطناع صفوة يرضيها فتكفيه مؤونة"العناية بنا حسب الأصول"؛ أن يفكر بثورتنا على تلك الصفوة، وعلى نظامه الانتقائي الذي يقوم على أساس مزدوج مراوغ من الأخلاق والمعايير لاحتكار المنافع وخدمة مصالحه فقط.‏

إن مستقبل الصراع العربي " الإسرائيلي " مرتبط إلى حد ما بالتكوين العقائدي والاجتماعي والثقافي لكل من الصهاينة والعرب، ومرتبط بالاستراتيجيات الفكرية- الأيديولوجية المستندة إلى أرضيات عقائدية وقومية- تربوية لدى كل من الطرفين.‏

- التوسع الإسرائيلي- فتح باب الاستيطان- استقدام مهاجرين يهود- التوسع في امتلاك القدرة العسكرية- كل ذلك لا يبشر بخير ولا يؤشر على إمكانية إقامة أي نوع من السلام والتعايش في المنطقة...‏

- الغيتو اليهودي انتقل من الأحياء في المدينة إلى غيتو أوسع هو فلسطين المحتلة، ولا مجال للتفكير في أن يخرج اليهودي من تلموديته العنصرية لينصهر مع الأمم ويذوب فيها، أو ليتفاعل معها وينسى عداءه التاريخي لها وعنصريته المصوَّبة إليها.‏

والذين يعلقون أهمية على:‏

- قدرة الثقافة العربية على استيعاب الآخرين.‏

- سعة المجتمع العربي والوطن العربي وقدراتهما على الاستيعاب والهضم.‏

- إمكانات التسامح والانفتاح والاتصال في الطبيعة العربية- الإسلامية، وما تقدمه دروس التاريخ من تفاعل مع الأمم أغنى ثقافتنا ولم يخرجها من دائرة انتمائها ولا هو ذوب شخصيتها.‏

ويذهبون، بسبب من ذلك وانطلاقاً منه، إلى دعاوى التطبيع؛ يقعون في وهمين كبيرين:‏

الأول: أن التطبيع لا يكون إلا على أرضية الاعتراف أو وجهاً من وجوهه فهو تمهيد أو نتيجة لاعتراف عربي بالعدو، وفي ذلك تجاوز على الحق والعدل والأرض، إذ القضية بيننا وبين الكيان الصهيوني لا يتحقق فيها عدل وحق إلا بعودة الأرض كل الأرض لنا؛ وفي هذا نفي للمشروع الصهيوني الذي يتعارض كلياً مع الوجود العربي، ومع المشروع النهضوي العربي. والصهاينة يدركون ذلك وهم يقبلون قبولنا لهم لأن في ذلك نفي لنا واستقرار لمشروعهم في وطننا وبمواجهة مشروعنا. وحتى حين يستبعدون كل منطقية وعصرية وواقعية عن هذا النوع من التفكير يذهبون إلى الضغط على أبناء أمتهم ويقومون بإيحاءات من شأنها التيئيس بغية فرض التسليم.‏

والثاني: أن العدو الصهيوني سوف يتمترس في"الغيتو" الواسع، ولن يتفاعل مع"الغوييم" ولن يتخلى عن مشروعه التوسعي الاستيطاني، لأنه لن يتخلى عن عقيدته التلمودية، ولا عن الوعود الأسطورية التي كتبت من قبل مؤرخية من التوراة فألزم مؤمنين بها وأخذ يسوطهم ليصلوا به إلى تحقيقها.. كما أنه لن يتجاوز رغبات الغرب الاستعمارية التي تقمصها أو تقمصته، ولن يتجاوز أيضاً عنصريته النابعة من قوميته ونوع الإيمان الذي يؤمن به، ونوع القيم التي يتربى عليها؛ فالآخرون"الغوييم" خدم له، وما في أيديهم، كل ما في أيديهم، وديعة له عندهم يأخذها متى شاء وكيف شاء.‏

والمشروع الصهيوني يقوم على الاعتقاد التلمودي، وعلى أصولية مغرقة في التعصب والخرافية، وعلى إيمان متعال واقتناع بتميُّز اليهودي وبتمييز على كل من هم سواه؛ على أرضية عنصرية من ادعاء الانتماء والانتساب إلى سلالة وعدها"يهوة" بان يجعل أرض الغير "والغير" كلهم في خدمتها‍‍‍‍‍؟؟ فهي سلالة نازلة من السماء، والآخرون سلالات خرجت من طين الأرض وتطورت من ديدانها، ولن يبلغوا مبلغ من يهبط من سماء الله إلى أرض موعود بها من قِبَلِه حسب عقيدة الصهاينة.‏

الأسبوع الأدبي/ع464//1/حزيران/1995‏

 

 

E - mail: alorsn@net.sy

| صفحة البداية | | سيرة ذاتية | | صفحة حرة | | آراء الزوار | | بحث |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل بناء جريدة البعث - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244