|
الجولان يعود
ـ1ـ
الجولان عائد ليحتل مكانته التاريخية اللائقة به من جغرافية سورية السياسية المعاصرة وتاريخها، وهو إذ يعود لم يكن مفارقاً ولم يفارق ذاكرة العرب السوريين ووجدانهم لحظة من زمن، رغم أن الاحتلال الصهيوني له زاد على ربع قرن، فقد كان دائماً يسكن الذاكرة والوجدان، ويحرك السواعد ويستقطب الجهود، في الحرب والسلم، ليتحرر من دنس "اليهودي- العنصري" ويعود حراً نظيفاً أصيلاً إلى حضن الوطن.
الجولان عائد ليأخذ مكانه في مسيرة البناء والتقدم والإعداد والاستعداد، ليوم تكون فيه حيفا مثل القنيطرة فضاء عربياً يرفرف في سمائه علم عربي وتحكمه سيادة العرب. وحين يعود الجولان لن تبقى منه قطعة: من "بانياس" الداخل، أو"الحمة" لتكون "طابا" جديدة تفرض من خلالها شرعية لحدود "دولة عبرية" يرسم حدودها القضاء الدولي. فالمساحة الجنوبية الغربية من "بانياس" أهم، في هذه المرحلة، عند السوريين من أيَّة مساحة أخرى لأنها تؤكد العزم والحق والإرادة من جهة وتفتح الأفق نحو تجدد العزم والإرادة والحق من جهة أخرى.
يقول الصهاينة الملفَّعون بالخزي العنصري اليوم إن الجولان أرض سورية ولم تكن "إسرائيلية" في يوم من الأيام؟ وهذا الكلام الذي تصدعت به قلوب من عتاتهم، وشق بعض الصفوف في الكيان الهجين، لا يشكل جديداً عند السوريين، لأنهم يعرفون حقهم ويعرفون جيداً أن فلسطين بكاملها لم تكن يوماً أرضاً "إسرائيلية" وأنها لا بد أن تعود بمجملها إلى حقيقتها التاريخية: أرضاً عربية تتوارثها أجيال أبناء الأمَّة منذ ما قبل اليبوسيين- الكنعانيين إلى يوم الناس هذا وما يمتد بعده من أيام، ذلك أن العدوان والقهر والغزو لم يدم ولن يدوم في ظل وعي أمة تعرف ما لها وما عليها، وتعرف من هي وما تؤمن به بين الأمم عبر التاريخ.
الجولان يعود.. وعودته تصدِّع قلوباً في صفوف الأعداء، وتقسم تلك الصفوف، وتمهد لجديد في المواقف والتحالفات والسياسات والتطلعات، لن يكون آخرها تصدع "الليكود" الذي يرفض سياسة حزب العمل في الجولان، ولا تململ أحزاب صغيرة وسعيها لتحريك الكنيست وتجمعات المستعمرين المجلوبين إلى أرض الجولان لإعاقة إعادته لأهله، ولا اعتراضات عسكريين " إسرائيليين" يرون أنهم "يخسرون" بعودته مواقع استراتيجية حصينة.
بل سيكون لذلك مفاعيل أخرى سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية مختلفة، وسيكون انعكاسها على العدو الصهيوني سلبياً، وانعكاسها على سورية العربية وأمتها إيجابياً؛ ولكن ليس من دون جهود ورؤية واستراتيجية وتوجهات عملية.
فالجولان مدخلنا من سورية إلى الجليل، وإطلالتنا على طبرية والماء، وكفنا التي تتشابك أصابعها بقوة وعزم مع امتدادات الجنوب اللبناني إلى الناقورة، فهو الموقع الاستراتيجي والأرض الخصبة والإطلالة على أرض المعارك الحاسمة في التاريخ، لا سيما اليرموك. وهو أرض الماء والنماء ومستقر جبل الشيخ " حرمون " وامتداد أجنحته وعيونه في فضاءات الأرض والسماء؛ فهل نحوِّله إلى أفضل مما كان عليه كموقع حصين قبل حزيران الأسود، ونتعلم في الوقت نفسه كيف نحافظ عليه وعلى حصانة الجبهة التي يشكلها، بعد استخلاص العبر من حزيران الأسود؟ سؤال يتوقف عليه الكثير، ويقف من دونه الكثير.
إن الاتفاقات التي تسفر عن عودة الجولان تحمل في طياتها التزامات تشكل قيوداً أو علاقات في وجه أحلامنا، وترتب علينا مثلما ترتب على سوانا شروطاً وواجبات؛ ولا بد من التفكير في كيفية التوفيق بين معطيات الواقع والتزاماته وتطلعات المستقبل واستحقاقاته.
في الجبهة المقابلة يتوقعون حرباً عربية مقبلة بعد سنوات تزيد على عقد من الزمن أو تقل، وهم يرونها قادمة، ويخططون لمواجهة استحقاقاتها انطلاقاً مع واقع ما بعد عودة الجولان، وإقامة محمية عرفات الصهيونية، والتحالف القادم أو القائم مع صانع "وادي عربة".
يقولون إن الجولان موقع استراتيجي- جغرافي يصعب عليهم تعويضه أو اتقاء مخاطره عندما يعود لأصحابه، ويذهبون إلى تعويض في عمقين استراتيجيين تحققهما معطيات الحرب الحديثة، وتزيد من إمكاناتهما وتأثيرهما ما توفره التكنولوجيا العصرية في المجالات العسكرية من عناصر قوة. وهما: الفضاء وامتداده الأعلى، والبحر وعمقه الممتد حتى أوربا وأساطيل الغرب.
في الفضاء والجو ترتكز "إسرائيل" على سلاح الطيران الذي تطوره وتزيد من قدراته، وعلى الصواريخ من أجيال وطرز مختلفة [أريحا: 1-2-3] و"حيتس" وبطاريات الباتريوت وسوى ذلك، وفي الفضاء على أقمار التجسس [أفق 1-2-3] وما تخطط لزرعه من أقمار صناعية أخرى. وتستفيد استفادة هائلة من القدرات والإمكانات والمساعدات التي حققها لها الدعم الأميركي، لا سيما منذ أن أدخلها الرئيس الأميركي "ريغان" في برنامج الدفاع الاستراتيجي "حرب النجوم" الذي مكنها من اكتساب تقنيات ومعلومات وخبرات جعلتها تحقق إنجازات واسعة في مجالات تطوير الصواريخ والطائرات والأقمار الصناعية. وهي لا تخشى نقصاً له، ويكاد ما قاله الرئيس نيكسون الذي يتوسط تقريباً عمر دولة العدوان ويعبر عن الالتزامات السابقة واللاحقة في استمراريتها وكثافتها، يكاد ذلك القول يصدق عنواناً لاعتماد " إسرائيل المستقر" على دعم أميركا الذي لا ينفد، فقد قال:
"نحن و" إسرائيل " لسنا حليفين طبيعيين عاديين، بل إن لدينا التزاماً خُلُقياً معها هو أسمى من أيَّة اتفاقية أمنية(...) وليس لأي رئيس أميركي أن يترك " إسرائيل " تغرق في الوحل".
وقد جسد هذا الالتزام كل الرؤساء السابقين وخير من عبر عنه مؤخراً الرئيس كلينتون أمام لجنة الشؤون الأميركية -الإسرائيلية "إيباك" في السابع من أيار 1995.
في البحر وامتداده الغربي: تملك دولة العدوان /33/ قطعة بحرية بينها غواصتان من نوع دلفين بنتهما ألمانيا ثمناً لابتزاز الصهاينة المستمر لها، وثلاث سفن حربية نووية بتسهيلات أميركية. عدا عما أصبح بإمكان ميناء حيفا الحربي الذي يطوره ويوسعه الأسطول الأميركي بالتعاون مع "إسرائيل" أن يقدمه، بعد أن اعتُمِد هذا الموقع للعمل التحالفي المشترك/ الأميركي -الإسرائيلي/ ضد المنطقة ومن أجل الحفاظ على مصالح الحليفين الشريكين في الوطن العربي كله.
أما امتدادات القوة القادمة من هذا العمق الاستراتيجي: "البحر" فحدث عنها ولا حرج، فهي تهيئ استقدام القوة واستخدامها في جميع الأحوال، مع الحفاظ على تدفق وأمن وطول ذراع يشمل البحر كله وامتداد شرايينه في العمق عبر السويس والعقبة ليصل إلى مضيق هرمز.
ولا تتوقف استعدادات "إسرائيل" عند هذين العمقين الاستراتيجيين البديلين المبشرين، ولكنها تستند وبقوة إلى استعداد ثالث عملت له منذ الخمسينيات من هذا القرن وهو السلاح النووي الذي تطور مفاعلاته وتزيد من قدرتها على الأداء في ظل سكوت غربي عنها، ودعم أميركي لها، وتواطؤ الأمم المتحدة ومجلس الأمن معها؛ حيث هي "الدولة الوحيدة في العالم" التي تفتح أمامها آفاق امتلاك السلاح النووي وتطويره من دون قيود، ومن دون إلزام لها من أي نوع باتفاقيات أو مراقبات دولية من أي نوع؛ بينما يجري الحصار والتفتيش والتضييق على أية دولة عربية أو إسلامية/ على الخصوص/ تفكر مجرد تفكير في امتلاك قدرة نووية للأغراض السليمة. وإذا كان لدى "إسرائيل" ما يزيد على مئتي رأس نووي من أحجام وقدرات مختلفة فإن على غيرها من دول العرب ألف سيف يرهبها ويمنعها من التفكير بامتلاك صاروخ أو دبابة لتدافع عن نفسها حيال الهيمنة الإسرائيلو- أميركية. عدا عن الدفع الداخلي الذي يجعل أنظمة وحكاماً عرباً يندفعون طوعياً للارتماء في أحضان "قوة العدو" للاحتماء بها والاستقواء بها على ذويهم.
في ظل هذا تعمل "إسرائيل" وأميركا على تحقيق "سلام" مفيد لهما ومغيِّب لسواهما على نحو ما. وفي ظل هذا تتخذ ترتيبات عدة، مع الحرص على عدم إيقاظ الفيل العربي المتراخي.
إذن في الجبهة المقابلة يعملون للتعويض عن كل ما يسمونه "خسارة" لهم، ونحن أصحاب الحق والذين يوجه إليهم التهديد نعيش الغيبوبة أو يتأكل بعضنا القلق، فكيف السبيل إلى يقظة أو إلى أمن؟!
إن الموقع الحصين مفيد، ولا يمكن أن تحصِّن الجغرافية وحدها - في عصر العلم- شعباً أو أمة، فلا بد من حصانة تُكتسب من خلال العلم والثقافة والقوة، من خلال وعي معرفي يحوِّل معطيات العلم الحديث إلى أسلحة تحرر الإرادة والقرار والإنسان، وتحفظ له مقومات البقاء بأمان فوق أرضه، وتعطيه ثقة ودفعاً باتجاه التفاعل الحضاري، على مستوياته وصعده جميعاً؛ تحت مظلة قوة لا تجعله مسحوقاً تحت ظل الآخر وقوته، يعيش حالة تقليد له، أو حالة تبعية مزرية ومقيتة لمصالحه وثقافته وسياسته وإنتاجه.
إن الجولان العائد إلى سورية بقوة الموقف والحق والإرادة والاستعداد ينبغي أن يضع أبناء هذا القطر بالذات وأبناء الأمَّة العربية، الذين تعنيهم شؤون المستقبل ومستقبل الصراع العربي الصهيوني، بمواجهة الحقائق والمعطيات المستقبلية القادمة وكذلك الاستحقاقات التي ترتبها؛ وهي ليست برداً وسلاماً على إبراهيم، وليست مجرد قشور صراع اقتصادي، وازدهار مادي شكلي، ولا مجرد سلع وبضائع وسواح يخترقون مواقع التطبيع، إنها تحديات حقيقية تتصل بالأمن والبقاء وحرية القرار وحرية الوطن والمواطن.
إنها قدرات قتالية تقدمها علوم وتقنيات وتحتاج إلى إمكانات بشرية ومالية، ووعي بضرورة ذلك، وتوجه سياسي يبرمج هذه الاحتياطات والاستحقاقات زمنياً ويوظف لها الطاقات ويحشد لها الإمكانات.
الجولان عائد ومع المسؤولية والتطلعات والتحديات المطروحة علينا في المستقبل، وهو عائد لينشر رياح الحرية ويرتب حدود المسؤولية، وليفتح العيون على القلق المشروع الذي يحتاج إلى استثمار كل دقيقة وقت، وكل قرش، وكل طاقة بشرية في هذا البلد، الذي يبقى قلعة الصمود والوعي والالتزام العربي، ومنطلقنا نحو مستقبل فيه الحرية والتحرير والوحدة والأمل؛ مستقبل الأمَّة العربية التي لم تذب ولم تنهزم ولم تغير ثوابتها على الرغم من الكوارث والحروب وتقلبات الزمان وتداول الدول منذ أقدم عصور التاريخ المكتوب وحتى يوم الناس هذا.
فأهلاً بالجولان يعود ومعه القلق والمسؤوليات والتحدي الذي يرفض العدو الصهيوني ويعمل من أجل استكمال التحرير بكل الوسائل، طال الزمن أم قصر.
ـ 2 ـ
الجولان عائد إلى حضن الوطن، عائد إلى أهله، وعائدون إليه أهله، يحملون الشوق، وآثار المعاناة والأحلام الكبيرة، وتطلعات مشروعة إلى المستقبل يشارك في رسمها وتلوينها وتحديدها الوطن والأمة فالجولان جزء من الوطن والأمة.
أهل الجولان وأفئدة ملء سهول الوطن ووهاده وجباله وبواديه، مدنه وقراه، عائدون وفيهم من حزيران أشياء، ومن تشرين أشياء، ومما يشكله تاريخ الجولان وموقعه ووقائعه ومواقعه في ذاكرتهم ووجدانهم ما لا يمحى ولا يحصى من المعطيات والذكريات والعبر، التي تلون تلك الأشياء وتوظفها وتجعل لكل فعل وقول وتحرك معنى في أرض الجولان وامتداداتها في عمق الوطن وعمق الوجدان.
الجولان عائد.. فكيف يكون ذلك؟ وكيف يصبح؟ وما موقعه في الأحداث ومنها؟!؟
أسئلة تتشمرخ في فضاءات النفس والفكر، وقلق ينمو ويتشعب ليعانق الأسئلة والأجوبة والهواجس، ويعطيها لوناً وطعماً ودلالات، وهي تحاول التشكل في صورة وتوجه يقدمان بعض ملامح المستقبل ويساعدان على استقراءات له، في ضوء مكانة الجولان وموقعه وما يمثله للوطن والأمة والتاريخ.
الجولان اليوم، بعد أن استقرت في المصورات الجيوـ سياسية العربية نتائج اتفاقية سايكس -بيكو وغدت مرعية الاعتبار، وبعد أن وقعت اتفاقيات: كامب ديفيد- أوسلو- وادي عربة بأبعادها والتزاماتها وانعكاساتها على الوضع العربي حاضراً ومستقبلاً؛ أصبح قوس الحدود وملتقاها بين سورية وكل من الأردن وفلسطين المحتلة ولبنان، ونقطة تماسنا مع "أم قيس" وطبرية والجليل وامتدادات جنوب لبنان نحو جبل الشيخ أو امتدادات الجبل في لبنان؛ وكل تلك الجغرافية سيكون لها معنى مغايراً لما كان عليه وضعها قبل 1967 أو في أثناء حرب تشرين، لأن الخريطة السياسية العربية تغيرت، والمنظور إلى الأهداف القومية تغير، بل إن الأهداف ذاتها دخلت مرحلة التآكل وذاب ما ذاب منها وتغيَّر ما تغيَّر.
العدو الصهيوني الذي يفاوضنا اليوم في واشنطن حول الجولان، على أساس القرارين 242 و 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام وأرضية مدريد، اخترق بشكل سافر وعميق كل المحرمات والجبهات القومية ودمر ما كان يُنظر إليه على أنه استراتيجيات عربية، لا سيما في مواقع ما كان يسمى دول المواجهة، أو دول الطوق، وأصبح حليفاً للأردن وفلسطيني أوسلو بموجب اتفاقيات ومصالح ومن أجل الحفاظ على مصائر زعامات وأنظمة في ذينك الموقعين العربيين؛ ويستطيع أن يلزمهما بما لا تستطيع أن تلزمهما به جامعة الدول العربية بل ويجبرهما- بموجب الاتفاقية- على اتخاذ قرارات ومواقف وتوجهات مغايرة تماماً لكل ما قد تتخذه من قرارات قومية في منحى التضامن العربي أو مناصرة أي قطر يفكر بمعاداة الكيان الصهيوني.
وانطلاقاً من تلك الاتفاقيات التي كبَّلت مصر والأردن وكثرة لا يستهان بها من الفلسطينيين، وامتدت تأثيراتها إلى الأقطار العربية، أصبح الجولان موقعاً مرصوداً بدقة من معظم الجوار، ومركز اهتمام العدو الصهيوني بدرجة قصوى، والمساحة التي تهتم بما يجري فيها الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني والدول الغربية بشكل عام.
في المفاوضات الثنائية بين سورية والكيان الصهيوني، الجولان لا يمثل أرضاً عادية مثل سيناء، أو المساحة التي أجَّرها الملك حسين للصهاينة بموجب اتفاقية وادي عربة، ولكنه يمثل الأمن والمستقبل وأبعاد الاتفاق الذي يُبحث الآن.
ولذلك يتمسك العدو الصهيوني:
1-بانسحاب محدود جداً في المرحلة الأولى يشمل أربعة قرى محتلة وإخلاء مستوطنة واحدة فقط.
2-وبتطبيع العلاقات بعد هذه المرحلة من الانسحاب المحدود. وفي ضوء الاطمئنان إلى تطبيع العلاقات وما يقدمه من نتائج ملموسة على الأرض، يجري إتمام الانسحاب إلى خطوط يتفق عليها في أثناء المفاوضات، يمكن أن تكون الحدود الدولية وليس حدود الرابع من حزيران. وذلك يعني على وجه التقريب عدم رغبة العدو بالانسحاب من بانياس والسفوح المطلة على سهل الحولة ومن الحمة وبعض المساحات الصغيرة الأخرى.
ولا يتوقف الأمر في الجولان، الذي يعني: الأمن والمستقبل والثقة ومعاني الاتفاق الذي يتم التباحث حوله، لا يتوقف الأمر عند التعامل الجغرافي؛ فالعدو الصهيوني يعتبر المياه جزءاً من الأمن ولذلك يريد الاحتفاظ بمواقع تغزُر فيها الينابيع، وتتدفق منها المياه أو تجري عبرها.
3-بإقامة موانع طبيعية في الجولان تحول دون عبور القوات البرية إلى فلسطين في أي وقت وتحت أي ظرف؛ ومن تلك الموانع المطروحة :
أ ـ إقامة مانع مائي بين عين الزيوان والقنيطرة يمتد امتدادات طبيعية في بعض المناطق.
ب ـ إقامة مشروع "فحطل" ـ رجل الأعمال اليهودي- الذي يطرح إقامة مانع مائي طبيعي ضخم يمتد على طول الحدود وتُجر إليه المياه من تركيا، ويصبح مشروعاً لاستثمار المياه في الري ولاستخدام ذلك الحاجز ـ المانع الطبيعي الذي يشكله ـ استخداماً أمنياً. ولا يبدو حتى الآن أن هذا المشروع يحظى بأولوية ولكن مشروع جر المياه من تركيا عبر سورية مشروع تدرسه الجهات المعنية في الكيان الصهيوني باهتمام وجدية، وتوجد الآن لجنة تزور أماكن تجمع المياه في شرق تركيا لمتابعة هذا الأمر.
ولن يكون لمثل هذا المشروع وجود واستمرار من دون وجود القبول السوري والأمن والتطبيع والمصالح المتبادلة والاعتراف القائم على الاقتناع، فهل يرشِّح المستقبل شيئاً من ذلك للوجود، وهل يكون الجولان أحد مستودعات المياه للعدو الصهيوني أو ممراً لشريان المياه؟! سؤال ترتبط الإجابة عليه بمستقبل الصراع العربي- الصهيوني وبالتاريخ النضالي لسورية الذي كان وما يزال مرتكز النضال القومي ومركزه.
4 -يعمل العدو على إقامة منطقة منزوعة السلاح، وسيكون لنا- في ظل اتفاق ما- منطقة مماثلة في الجليل قد لا تكون بنفس العمق الجغرافي ولكنها متوازنة عسكرياً من حيث وجود الأسلحة والقوات، ولكن العدو يذهب إلى مدى أبعد لن يتحقق له وهو المطالبة بتقليص القوات في منطقة دمشق، وتقليص الجيش السوري نفسه.
ومن الطبيعي أن يكون الجولان في هذه الحالة، حالة المنطقة المنزوعة السلاح، موقع مرابطة لقوات دولية: أميركية ويابانية على الأرجح، وربما أكثر تنوعاً، وسينطبق الأمر ذاته على مساحة من الجليل حيث سترابط فيها قوات دولية بوصفها منطقة منزوعة السلاح لمصلحة سورية؛ وفي كل من الجانبين يُقام موقع للرصد.
أ-موقع في جبل الشيخ يطلبه الكيان الصهيوني.
ب- وموقع ترشح له صفد يكون لسورية.
ومن الموقعين يتم رصد عادي للتحركات.
ولكن هل من الممكن فعلاً أن يكون هناك توازن وتماثل في الرصد والسلاح يضمنان الأمن والثقة ومن ثمة الاستقرار، انطلاقاً من الجولان وفيه؟!
إن امتلاك العدو الصهيوني لنوعية عالية من أجهزة الرصد ووسائله يجعل الخلل قائماً، ومن ثمة يجعل الثقة مهتزة ويقيم المنطقة على أسس من التوازن القلق جداً، هذا إذا قام فيها توازن أصلاً!!
فلدى العدو الأقمار الصناعية /أفق2.1 3/ وعدداً آخر من أقمار التجسس الأخرى، وكثافة عددية ونوعية في الطيران، ولديه إضافة إلى ذلك قدرات حليفه الأميركي على الدعم والتجسس وتصوير قطعة الحديد الصغيرة من مسافات بعيدة، وكل أجهزة الاستشعار عن بعد تلك التي بأيدي العدو وحلفائه مضافة إلى اختلال التوازن أصلاً؛ وكلها تخلق حالة من انعدام الثقة قائمة على اختلال ميزان القوى لمصلحة العدو، ومن ثمة تجعل الجولان مساحة قلقة أمنياً وسياسياً بين سورية وامتدادها الجغرافي- التاريخي فلسطين، الذي تعشِّش فيه قوى الاستعمار الاستيطاني- العنصري قوى الاحتلال الصهيوني المدعومة غربياً، التي تحلم بتحقيق مشروعها التوسعي، الذي يتحقق بأشكال مختلفة خارج حدود التحقق الجغرافي المباشر المستبعَد في الوقت الراهن. ومن تلك الأشكال: الهيمنة الأمنية والاقتصادية، والتمكن من إحداث الخلخلة في المنطقة كلما استدعت مصالح العدو ذلك، والقيام بتحالفات وتحركات تجعل قرار عرب من العرب بيد العدو، وتحرم العربي من ثقة العربي وعزمه؛ ومن ثمة تنمي المشروع الصهيوني على حساب المشروع العربي الذي سيبقى النقيض الدائم له، ولا يتفقان إلا في استشعار النفي المتبادل، إذا كان هذا الاستشعار يشكل مظهر اتفاق؟!
ومن للمشروع الحضاري العربي، أو للمشروع النهضوي غير سورية أصلاً؟! وهو مشروع من مقوماته:
-التضامن العربي وصولاً إلى الوحدة.
-امتلاك العلم والتقانة وصولاً إلى القوة.
-إقامة القاعدة الاقتصادية العربية المشتركة، وصولاً إلى تقدم الفرد والمجتمع وتحرير القرار السياسي العربي وتحرير الإنسان العربي من أشكال التخلف، والتمكن من تحويل معطيات العلم والتقانة والمعرفة إلى مستويات حضارية وصناعات عسكرية ومدنية، تحقق الحصانة وتقيم التوازن العسكري، إن لم نقل التوازن بيننا وبين العدو الصهيوني، الذي سيبقى في ظل كل اتفاقية تبرم عدواً تكرسه الذاكرة كما يكرسه الوجدان، ويستمر ذلك باستمرار احتلاله لفلسطين وسيطرته بالقوة على مصيرها، وحضوره فيها من خلال سيادة ودولة وقوة قهر نووية، وعنصرية تمارس إبادة الجنس واضطهاداً متنوع المظاهر والأشكال لشعبنا وتعويقاً مستمراً لتقدمنا، واستنزافاً دائماً لخيراتنا وقوانا وطاقاتنا البشرية والروحية والمادية.
-إقامة جسور الثقة بين العربي والعربي على أرضية الأهداف المستقبلية التي لن تتنازل عنها سورية، وهي الأهداف القومية التي استمرت سورية مركزاً لها عبر تاريخ الأمَّة العربية، التي أعطت لهذه الأرض هويتها وشخصيتها وملامحها الحضارية.
5-يريد العدو الصهيوني في مرحلة المفاوضات الأولى والانسحاب المحدود، أن يتمدد بمقابل ذلك الانسحاب ليخترق جسم الجولان إلى دمشق في شريان هو مجس التطبيع مع سورية ورائده الأول، حيث يطالب بمد خط اتصال مباشر بين قيادتي الجيشين لتبادل الاتصال في أثناء المرحلة الانتقالية التي تمد ثلاث سنوات، يتم خلالها الإعلام المتبادل عن كل ما قد يطرأ من تحركات كما يعلم كل من الطرفين الطرف الآخر بالمناورات التي تتم، ويتفقان على تسيير دوريات مشتركة مع القوات الدولية أو بإشرافها.
وهذا المطلب، إضافة إلى مطالب أخرى تبحث في الجانب السياسي، تتعلق بالتبادل الدبلوماسي، وأساليب تعزيز "الثقة" يرمي إلى تحقيق ما يحرص العدو الصهيوني على تحقيقه مع سورية على وجه التخصيص وهو الوصول إلى سبر مدى التطبيع الممكن وما يمكن أن يصل إليه أفقه مستقبلاً، وذلك قبل الدخول في مرحلة الانسحاب النهائية التي يصر كما أسلفنا على أن تكون إلى ما يسمى بالحدود الدولية وليس إلى حدود الرابع من حزيران.
من المؤكد أن سورية ترفض التنازل عن ذرة تراب من أرض الوطن، وتتمسك بعودة الشبر الأخير من الأرض العربية التي كانت فيها قبل الرابع من حزيران 1967، وتتطلع إلى استعادة الأرض العربية المحتلة، وإحقاق حق الشعب العربي الفلسطيني في العودة وتقرير المصير فوق ترابه المحرر وفي عاصمته القدس.
ومن الطبيعي أن يكون لنا نحن أبناء الأمة، المتمسكين بثوابتها وحقوقها وتطلعاتها المشروعة، مشروعنا وأحلامنا وبرنامجنا الذي يتناقض كلياً مع الوجود الصهيوني على أي شبر من أرض الأمة، ويتناحر مع المشروع الصهيوني ليكمل معه الصراع حتى نهايته؛ ومن الطبيعي أن يكون لنا حضور ووجود وفاعلية، وأن نتوجه للأجيال والجماهير في آنٍ معاً مقدمين رؤية ومشروعاً وبرنامج عمل يجعل من الجولان موطناً للثغور والحصون المنيعة، بشرياً وعمرانياً، ويجعل من أرض الجولان الخصبة قاعدة للإنتاج المتقدم، كل أشكال الإنتاج المتقدم، كما يجعل منها -عبر الرؤية الرسمية والتاريخية لها ـ الموقع الذي يتأثر بالمواقع العربية الأخرى ويحميها ويتفاعل معها. فالجولان لا يستقر دون استقرار الجنوب اللبناني، ولا يتحرر بالمعنى الفعلي من دون تحرر ذلك الجنوب وجلاء العدو عن ترابه، وسيبقى الجولان متفاعلاً مؤثراً ومتأثراً، بما يجري في الجنوب والجليل ويبقى المسبار الحساس لانعكاسات الوعي القومي والعمل العربي، والاشتباك المرئي وغير المرئي، بيننا وبين العدو، سواء أتمَّ ذلك على الأرض أو في مجالات الإعداد والاستعداد والبحث والتطوير وامتلاك القوة وتوسيع المشاريع.
فالجولان العائد إلى حضن الوطن وإلى أهله يعود بنظرنا معقلاً للمواجهة بأساليبها وأدواتها ومعطياتها الجديدة، والمستقبل الذي يرسمه أو يرتسم انطلاقاً منه لا يشير -بتقديري- إلى استقرار على أرضية السلام العادل والشامل، إذ لا سلام عادل وشامل ودائم مع العدو الذي يحتل الأرض ويشيع الرعب والقمع والقهر، ويطور أسلحة الدمار الشامل ويمتلك الأسلحة النووية ويستمر في تطوير قدراته في مجالاتها المختلفة، ويزيد من اتساع عمقه الاستراتيجي وقدراته في مجالي:
1-الفضاء والجو بمعطياتهما التي توفرها برامج حرب النجوم والأسلحة المتطورة (صواريخ -طائرات- أقمار تجسس..)
2-البحر وعمقه الغربي- الاستعماري بمعطياته الحديثة: الغواصات النووية والصواريخ والقطع الحربية العملاقة والأساطيل التي تعسكر في الماء.
إن الجولان يساعدنا اليوم من خلال المباحثات وإشارات الانسحاب والموقع الاستراتيجي، والدور الأمني بتشعباته، يساعدنا على استقراء الخلل والقلق والسباق المحموم على تحقيق التوازن وخرق التوازن، مما يجعل صورة المستقبل صورة تصيح بمقومات الصراع الساخن حتى في ظل سلام بارد.
إن الجولان العائد إلى أهله عائد بما يحمله من زاد في الذاكرة والوجدان لعرب سورية حول ما كانه الجولان في 1967 و /1973/ وما يمكن أن يكون عليه على أرضية الثوابت المبدئية والقيمية والقومية والاستراتيجية للعرب في سورية ولسورية العربية. وربما نظرنا نحن الكتاب إلى الاستراحة التي قررنا إقامتها على السفوح الجنوبية الغربية من بانياس الداخل في أقصى مساحة متاخمة لحدود الأرض الفلسطينية المحتلة، ربما نظرنا إليها كحصن يتحفز للعناق مع أرض حيفا ويافا والقدس، ليعود النقاء والصفاء والأمن والاستقرار الفعلي لهذه المنطقة، التي لن يكون لها أمن وسلام واستقرار إلا بزوال الاحتلال كلياً، وبعودة الحق إلى أهله، وباستعادة فلسطين لهويتها وانتمائها العربيين في ظل سيادة عربية يكون الفلسطيني كل فلسطيني فيها جزءاً من أمته وقرارها واستقرارها وليس خنجراً أو بعض خنجر يمسكه المحتل ليهدد به الفلسطيني الآخر، والعربي الذي يُوحى إليه الآن بأن لا شان له بالقرار الفلسطيني المستقل؛ ذاك الذي بدا في استقلاله هلاكه واستعماره وهلاك أمته واستعمارها في الوقت ذاته.
الجولان عائد والمواجهة لم تنقطع والعدو يبقى عدواً وفلسطين تبقى عربية؛ ونحن في اشتياق إلى القنيطرة ، إلى بيتنا الحصين في الجولان، وأرضنا الممدودة للأشقاء العرب على أرضية المشترك العتيد الذي لا تزعزعه الحوادث الكبار.
ـ 3 ـ
من شرفتها المتواضعة تنظر القنيطرة، سيدة شهيدات المدن، إلى تل أبي الندى المكبل بالعيون الصهيونية الصدئة وبألف لون ولون من الحقد؛ ومن شرفتها تراقب أولاد جبل الشيخ الذين يفترشون الأرض أمامه ويتوزعون في مساحة حساسة من أرض الجولان، فتلملمهم حولها كالأم الرؤوم وتبكي جراحاً في صدرها وقلوبهم.
بين الهضاب والوهاد تتوزع مزارع الأعداء ومزارع الألغام وتتلفع كل غيمة قادمة من الغرب بالحسرة وهي تعبر المسافة بين شاطئ فلسطين وقلب الجولان، والآراء الممتدة من جمجمة العربي الناظرة من شرفة المدينة الشهيدة إلى التلال تصطدم بالأشرطة الشائكة فتزيدها تجريحاً. وفي العيون ترتسم صورتان:
-الماضي الدامي بحرائقه ودماره وعذاباته وبطولاته ومذاق ما كان له من أيام.
-والمستقبل المجرح بألف رغبة دون كل منها خرط القتاد، وبألف حلم ينام على بُسُطِها ملايين العباد.
*الجولان:
-وعد يمتد أمام الفلاحين المتعبين الذين طال تشردهم عن قراهم ومزارعهم، ولا يعلمون عن بيوتهم وقبور آبائهم شيئاً. ويتطلعون بشوق إلى فجر نظيف ندي يعانقون في ضوئه الأرض وأحجار البيوت.
-وجبهة لا يستطيع الجندي أن يعود إليها عندما يعود، لأن الجولان العائد ينبغي أن يكون بلا أسنان وبلا أظافر، جلباً للراحة والاطمئنان؟؟
-وكتلة من التطلعات والمصالح والاستعدادات تنداح، في فجر يبحث عن شفقه، ونهار يبحث عن ظلاله، وليل مات قمره وتسامقت فيه النجوم، مشدودة إلى تعال عن أرض يتناءى عنها تاريخ، وعن تاريخ يتباعد عن عن أرض.
*الجولان: حلم عند الشباب والصبايا باستقرار وفرحة وبيت ينفتح على المستقبل والأطفال، ومآل عند الكبار يحمل الراحة النفسية والاطمئنان إلى يوم ترجع فيه النفس إلى ربها راضية مرضية، وتذوب في أرض جاءت منها، وتكونت فيها، وآلت إلى بعض تكوينها أو تكاد تؤول، وملعب لصغار طالما وعدوا بملاعبهم في أحلى الأرض، وأكثرها تجلياً في روح الشعب.
وعندما تقرأ في عيون أبناء القنيطرة، على مختلف مستوياتهم، حب الأرض، وتاريخ النفي، وسجل الشوق، تعرف أية تجربة غنية ستكون، بعد العودة، لشعب مع أرض، ولإنسان مع قضية.
مجرحة أرض الجولان اليوم بالشوك والجفا وظلمة التوقعات، ومبرقعة بمساحات من الضوء وزهو الحلم لا حدود لعطاءاتها المستقبلية، ومنذورة لألف لون من الأداء مرتسمة بأعين البشر وعقولهم ومخططاتهم, فأي جولان سيكون لنا الجولان العائد إلى حضن الوطن والشعب؟
- منزوع السلاح..... نعم، وقاعدة مستقبلية لحمل كل سلاح أرجو أن أقول: نعم. فالجولان المعمور بإرادات أهله، وعزم الشعب العربي السوري، وإرادة الأمَّة بأن يكون دار ازدهار، وعنوان تقدم حضاري، وموقعاً يعز على ساكنه أن يفرِّط به بكل المقاييس، وأن لا يعمل على الدفاع عنه بكل الأسلحة والمقاييس؛ الجولان بهذه الصفات هو العائد من الأسر ناثراً أمامنا كل الجراح والمآسي ليزيد تعزيز ما في الوجدان والذاكرة من معطيات تكرس العدو عدواً وتجعل الاستعداد لمقاومته ديدناً. إذ بذلك فقط ندافع عن الوجود في الجولان، وعن انتمائه لأمته وجغرافية الوطن، وبذلك نعمِّد عودة كان ثمنها غالياً.
-مبنياً بناء حصيناً، ذا طبيعة دفاعية، تجمع عمرانه بين العصرية ومتطلباتها، والأصالة ومقوماتها، والمواجهة وتبعاتها.... نعم... فالجولان العائد سيبقى الجبهة ما بقي الكيان الصهيوني، والاحتلال، والنزوع العدواني الذي يتزود بأشكال القوة جميعاً. ففي قرى الجولان الجديد ومدنه أرى الملاجئ الحصينة ذات المواصفات العالية، القادرة على حماية السكان من كل أسلحة الحرب الحديثة، أرى تلك الملاجئ تحت الحدائق والبيوت، وفي المواقع والمساحات المناسبة التي يقررها أهل الاختصاص، وأرى الأبنية القادرة على حماية السكان من القصف بأشكاله، وأرى الاستقرار والتجذُّر في الأرض يستنبتان في التاريخ والإرادة ويحميان بالإعداد والاستعداد وتقديم الأنموذج الذي يبعث في النفس الاطمئنان، ويجعل الفرد المقيم في مساحة المواجهة يشعر بأن كل الشعب خلفه ومعه، يقدم له ويحميه ويعمر قلبه.
فالجولان، شئنا أم أبينا، شفرة التصادم مع عدو لم يترك الاستعداد للعدوان، ولم يلغ مشاريعه التوسعية، ولا يُنْتَظَر أن يغير طبيعته العنصرية- التلمودية، وارتباطاته بالاستعمار وأغراضه الممتدة نحو هذه المنطقة من العالم.
وليس لنا من خيار سوى أن نأخذ تلك الوقائع والحقائق بعين الاعتبار لأغراض الدفاع قبل أغراض التحرير، وانطلاقاً من ذلك أرى أن نقاط المواجهة الجغرافية على طول الحدود مع فلسطين المحتلة لا بد أن تكون ثغوراً بالمعنى العصري الحقيقي الفعال، من حيث التجمع السكاني المختار في بعض المواقع؛ حيث يقطن القادرون على الأداءين المدني والعسكري في مواقع مختارة، ويتم تدريبهم، بعد اختيارهم، على أساليب الأداء المبدع في ظروف الحياة والمواجهة الصعبة. - مزوداً بالأدوات والإمكانات والتجهيزات والخبرات التي تجعله المزرعة الأولى في القطر، من خلال قدرات أبناء الملاك بكرامة على الإنتاج المتطور بتسهيلات الدولة وإمكاناتها على غرس جذر الشعب في عمق الأرض، واستخلاص خير ما عند الفرد من قدرات وجعلها في حالة تفاعل خلاق مع قدرة الأرض الخصبة المخدومة جيداً، علمياً وعملياً، على الإنتاج. وليكن الجولان مساحة تصب فيها خبرة الخبرات المستخلصة من تجاربنا وأدائنا طيلة السنوات الماضية.
وعندما يكون الجولان مزرعة سورية المزدهرة، ووجهها الحضاري، وأحد مستودعات خيراتها الوفيرة فإنه؛ يكون قادراً على الاستقطاب والأداء والمواجهة، بأساليب العصر، ويكون مخرزاً في عين العدو، لا عيناً يخترقها مخرز العدو.
وإذا كنا نرى إلى الجولان بعيون مستقبلية ونتوقف عند نظرة ذات أبعاد خصوصية تتعلق به، فلا بد من أن يكون التحرير والعمق الاسترتيجي لهذه النظرة، وطنياً وقومياً، عاملان يستندان إلى أهداف قومية ومبدئية نضالية ورؤية استراتيجية؛ فالجولان ليس مساحة مقتطعة من الأرض والتاريخ والأمة، معزولة عن الأداء العام والأهداف العامة، ولكنه المساحة الأهم في إطار الأمَّة والوطن والأهداف الاسترتيجية العامة.
وانطلاقاً من ذلك، وتفعيلاً له، وبناء عليه، أرى أن يتم التركيز على الأمور والتوجهات العامة الآتية ليكون هناك مناخ عام تنمو فيه رؤيتنا المستقبلية للجولان وللصراع الذي سيكون أهم ساحاته المستهدفة أو التي يجري منها الانطلاق:
1- العمل على توجيه المجتمع نحو تطلعات مستقبلية تتعلق بالتحرير في إطار وعي المسؤوليات والمستلزمات والتبعيات والقيام بالإعداد النفسي والفردي والاجتماعي لذلك، على أرضية من العلم والإيمان والانتماء القومي والوعي المعرفي في كل يتكامل ليجسد المعرفة والعقيدة والتوجه في سلوك وإنجاز وقوة وإنتاج، في المجالات والمستويات جيمعاً التي تستدعيها تلك التوجهات؛ مع التنبيه والتهيئة على أساس المدى البعيد والصراع الطويل النفَس، والاستعداد لكل احتمالات المستقبل والخيارات التي تفرضها أهداف المواجهة على أسس مبدئية.
2-تنمية المشاعر القومية والدينية المتكاملة والمتداخلة والمتفاعلة معاً، حيث يصبح لزاماً على كل فرد مؤمن /مسلم أو مسيحي/ أن يختار طريق المقاومة للاحتلال الصهيوني على أرضية الكرامة القومية والدفاع عن جوهر الاعتقاد. وتغذية ذلك بدروس التاريخ، وبمعطيات الصراع العربي الصهيوني، وبالممارسات الكريهة للصهيونية وسجلات الغيتو اليهودي عبر التاريخ؛ لإقامة قناعات راسخة على أرضية الوعي التاريخي، واستنبات مقاومة يؤسس لها الانتماء القومي والاعتقاد الإيماني، وتصبح من ثمة فرض عين على كل عربي، وتعبيراً عن ولائه للوطن والأمة والعقيدة التي يدين بها ويدين لها. والسعي لاستثمار تلك المشاعر حسب برنامج علمي مدروس يراعى فيه عامل الزمن، لإقامة كل البنى التي يحتاج إليها تحرير القرار السياسي القومي، وتحرير الإرادة، وتحرير الجماهير، وامتلاك مقومات القوة جميعاً على أرضية الاستقلال التام؛ والخلاص من كل أشكال التبعية وألوانها، بحيث لا يعيق القرار القومي المتخذ مستقبلاً أي عائق، ولا تلجمه أو تحكمه أيَّة قوة أو أيَّة اعتبارات من خارج الوطن العربي.
3- العمل على تغيير أسلوب العمل السياسي والعلاقات الدبلوماسية لا سيما مع دول العالم وشعوبه وتنظيماته، وإقامة شبكة من الصلات على أساس من الاحترام والمعرفة وتبادل المصالح والمنافع، والمبدئية الخُلُقيَّة والسياسية.
وهذا يحتاج إلى تكوين أطر بشرية مهيأة لاستيعاب المتغيرات والتعامل معها من جهة وإلى وضع استراتيجية عمل -سياسي- دبلوماسي-اقتصادي من جهة أخرى؛ تكون بمجملها قادرة على التحرك، وتغيير الصورة الراهنة عن العربي وقضاياه، وعن الوطن العربي وإمكاناته، وقادرة على إقامة علاقات وطيدة مع الآخرين، بوصفهم بشراً لا يكنون العداء لنا، وليسوا محكومين أبدياً بسيطرة الصهيونية أو أيَّة قوى أخرى عليهم.
وهذا يستدعي أن يترافق ذلك مع:
ـ استراتيجية عمل إعلامية وثقافية مغايرة كلياً للسائد. حيث نتوجه بخطابنا الجديد إلى الآخرين من مواقع مختلفة عن القائم حالياً، سواء في نظرتنا للفرد أو للدولة، أو في نظرتنا للآخر فرداً كان الآخر أو دولة، مجتمعاً أو عقيدة. نظرة تقوم على المعرفة والاحترام والتعاون واحترام الاختلاف وحرية الرأي، والسعي للحوار وصولاً إلى تفاهم أعمق، وتفاعل أسلم مع الثقافات والسياسات والعقائد في المجتمعات البشرية الأخرى.
والسعي لكسب الرأي العام وإعادة تكوين مفاهيمه عنا ونظرته إلينا وتقديم معطيات علمية منطقية واقعية ووثائقية مرافقة باستنتاجات منطقية واستقراءات موضوعية للواقع والتاريخ، واستشراف للمستقبل يبنى على تلك الاستقراءات وعلى ما يمكن أن تقدمه القدرات الجديدة من معطيات تؤثر في رسم صورة ذلك المستقبل، الذي يهدف إلى تغيير الواقع القائم والوصول بالمنطقة وبالأمة وبالعلاقات الدولية والبشرية معاً إلى مستوى أفضل من الصلات والتبادلات والتفاعلات السياسية والثقافية والاقتصادية.
مستوى يحترم الشعوب وثقافاتها وعقائدها وخصوصياتها ومصالحها، ويحقق خلاصاً من أشكال الاستعمار والتبعية والعنصرية والاحتواء، وينبذ أساليب القهر والقمع وأدواتهما.
ـ إعادة الثقة للعربي بنفسه وأمته ووطنه ومستقبله، باستقاء عبر التاريخ الماضي، وتعزيز دوافع العقيدة الدينية، وتقديم خلاصات نضال الشعوب. وإجراء المقارنات الفردية الخلاقة بين أبناء البشرية الأفذاذ وبيان قدرتهم على تغيير الواقع وقيادة الأمم وتحقيق المعجزات، ومن بين أولئك أفذاذ عرب لهم تأثير عميق على البشرية كلها.
وذلك يعزز المكانة، ويقرب شأو البعيد من التطلعات والطموحات المشروعة والأحلام الإنسانية والقومية النظيفة. ويمكن أن يلعب الأدب والإبداع خصوصاً، والثقافة عموماً دوراً مؤثراً في هذا المجال عن طريق استلهام البطولات، وتوظيف التاريخ والوقائع والمعطيات، والتعامل الإيجابي مع معطيات الواقع والوقائع وما تزخر به حياة الناس من تضحيات وبطولات ومعاناة؛ ليكون في ذلك تحريض وقوة ونماذج عليا من السلوك والبطولة والتضحية تُقْتَدَى .
الأسبوع الأدبي/ع467//22/حزيران/1995
|